الملاحظات الإخراجية بين رؤى الكاتب ورؤية المخرج
جوان جان- فينكس
للوهلة الأولى يبدو الحديث عما يسمى بـ"الملاحظات الإخراجية" أو "الإرشادات الإخراجية" التي تخطّها يد الكاتب في نصّه المسرحيّ ومدى التزام المخرج المسرحيّ بها أمراً تجاوزَه الزمن المسرحيّ الذي وضع البيضَ جميعاً في سلّة المخرج وجرَّد الكاتبَ من كلّ حقوقه، وخاصة حقه في رؤية نصه المسرحي مجسَّداً على الخشبة بالشكل الفني الذي داعب مخيلته لحظات وضعه لتفاصيل نصه.. ومن نافل القول إن الكاتب المسرحي المتمرس والعارف ببواطن فنه وأدبه المسرحيّ لا يعتبر نفسه مجرد واضعٍ أو منظّمٍ أو منسقٍ للحوار والمَشاهد بل صاحب رؤية فنية وفكرية متكاملة لا يمكن لها أن تتجسد بشكل مثاليّ إلّا من خلال المخرج المتفهم الذي يتمكن من التعامل مع النص الذي بين يديه بشكل إبداعيّ خلاّق يرتقي به نحو الأعلى ولا يسقطه ويسقط معه نحو الهاوية.. وهذه الحقيقة –للأسف- لا تبدو ماثلة في أذهان الكثيرين من المخرجين ممن يكون دأبهم خلال دقائق تحطيم ما عمل الكاتب على بنائه خلال أسابيع أو ربما أشهر، وهذا الأمر أدى إلى ظهور نمطٍ من العروض المسرحية لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، فهي مجردة من لمسات الكاتب مثلما هي محرومة من ذاك التمازج الإبداعي بين رؤى الكاتب ورؤية المخرج التي تنطلق بالنصّ المسرحي بعيداً وتضفي عليه المزيد من الأهمية والقيمة.
ومما لا شكّ فيه أن بعض المخرجين قد حسموا أمورهم نهائياً باتجاه إقصاء أيّ شكل من أشكال التكامل في عملية الإنتاج الإبداعي للعرض المسرحيّ وذلك من خلال إقصائهم –ما أمكنهم ذلك- للكاتب فكراً وتصوراً وقدرة على الإلمام بكافة تفاصيل المشهد المسرحي، وخاصة ما يتعلق برسم مكان الحدث وتأثير ذلك على الشخصيات وسلوكها وطبيعة تعاملها و ردّات فعلها، وإغفال ذلك لا يعود إلا بالضرر على المنتوج النهائي الذي يُفتَرض أنه حصيلة جهود إبداعية من قِبل الكاتب والمخرج والممثل والفنيين، لكن يبدو أن النظرية شيء وتطبيق النظرية شيء آخر.
تاريخ المسرح العالمي من جهته يتحفنا بالعديد من النماذج الخلاّقة التي ترجمت بشكل مبدع تلك العلاقة التكاملية بين نصّ الكاتب وعمل المخرج على خشبة المسرح، وهذه النماذج ما كان لها أن تتبلور وتدخل تاريخ الإبداع المسرحيّ من أوسع أبوابه لولا قناعة أركانها بضرورة أن يقوم كل طرف من أطراف العمل المسرحي بواجبه من جهة، والاعتراف بحقّ الطرف الآخر بأن تكون له رؤيته المحترَمة التي لم تكن بالتأكيد إلا نتاجاً واعياً لرؤية تشمل كل عناصر العرض المسرحي من جهة أخرى.. من هنا كان تأكيدنا الدائم على ضرورة أن تبقى الأبواب مشرعة أمام محاولات مسرحيينا كتّاباً ومخرجين للوصول إلى صيغ تتيح المجال أمام الجميع لتحقيق الرؤى وترجمة الأفكار دون الإقلال من أهمية هذا الطرف أو الانتقاص من مكانة ذاك.
وفي عودة سريعة إلى بعض أكثر عروضنا المسرحية نجاحاً واستقطاباً للاهتمام نلحظ أن طبيعة تجسيدها أتاحت المجال لكلّ فرد من أفراد العمل لأن يقدم أقصى ما عنده دون أن يواجَه بمن يقلل من شأن ما يطرح، وهذا يقودنا بالتالي إلى التنويه بقدرة عدد من مخرجينا المسرحيين على التعامل مع شتى الطروحات والأفكار بكثير من الانفتاح والتفهّم، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور أعمال مسرحية على غاية من الجودة والإتقان والإبداع لسبب أساس هو أن القائمين عليها أدركوا أن فاصلة الكاتب وإيماءة الممثل ونظرة مصمم الإضاءة ولمسة مصمم الأزياء ونغمة المؤلف الموسيقي وابتسامة قاطع التذاكر، كلها تفاصيل صغيرة تشكل بتجمعها وتآلفها الصورة الكبيرة والمتألقة للعمل المسرحي.