احتفالية يوم المسرح في طرطوس.. إضاءات "محكومة بالأمل" على واقع مرّ
رزان عمران- خاص فينكس:
تكتسب فعاليات يوم المسرح العالمي زخماً إضافياً في طرطوس هذا العام مع افتتاح مهرجان سعد الله ونوس المسرحي الأول، برعاية وزارة الثقافة، بالتزامن مع احتفالية وزارة التربية عبر عروض المسرح المدرسي.
وعلى مدى أربعة أيام، بدءاً من يوم الأحد الماضي، يحتضن المركز الثقافي بالمدينة العروض الستة المشاركة من الجهتين، والتي لم يسعف الحظ بعضها في كسب الوقت الكافي للخروج بأفضل مستوى من وجهة نظر منفذيها، لعوامل كثيرة ساهمت المسرحيات نفسها في الإضاءة عليها، لتطل معاناة السوريين متعددة الجوانب في أغلب العروض التي كان الحديث عنها لـ "فينيكس" مدخلاً إجبارياً للكلام عن أزمة المسرح المتجددة، وموهوبيه الشباب المسكونين بهموم عديدة.
الانفجار
كمسرحي ذي خبرة طويلة في التأليف والإخراج والتمثيل والنقد، لا يربط الفنان طلال الحلبي مشاركته في التظاهرة بالاحتفالية بحد ذاتها، فهو يحتفل بالمسرح كل يوم، حسب تعبيره. يقول: "في عملي بالمسرح المدرسي، لا أطمح إلى صناعة ممثل أو عرض فني معقد، بل دفع الطالب إلى التعبير عن نفسه بشتى الطرق، والتحرر من الكبت والعقد. ودائما ما أنصح أصحاب الميول المسرحية بقراءة نصوص المسرح العالمي ودراستها بدقة للارتقاء بمستواهم".
يرى الحلبي، الذي تتلمذ على يد الكاتب الراحل سعد الله ونوس في المعهد العالي للفنون المسرحية، أن جاذبية المسرح تكمن في طرح الموضوعات النابعة من صميم عقول الناس واوجاعها، وهو ما يقدمه في اليوم الأخير من الاحتفالية عبر مسرحية "الانفجار"، التي تنتمي إلى المسرح الارتجالي الجامع بين الكوميديا والتراجيديا. يقول: "يركز العمل على التناقضات الاجتماعية التي نعيشها الآن جراء تداعيات الحرب على حياتنا.. ذلك الانفجار النفسي الحاصل في البشر قبل الحجر".
ككثير من المسرحيين السوريين، يعتبر الحلبي أن التجاهل والتعتيم الإعلامي والوظيفي هو أصعب ما يواجه هذا النوع من العمل الإبداعي، وهو تجاهل أناني يؤكد عدم فهم ماهية المسرح ودوره في الارتقاء بالفرد والمجتمع.
مطبات
يرى المخرج حسن علي مدير فرقة "وتر" المسرحية أن جمهور المسرح تناقص فعلاً، إلا أنه ما زال موجوداً في كل مكان، ومن حقه مشاهدة عرض يتناول قضايا واقعية بعيداً عن الخيال، ما حاول تجسيده في مسرحية "مطبات" التي خُصص لها اليوم الثاني من الاحتفالية، والتي كتبها أمير معروف إحد اعضاء الفرقة الشباب.
تتناول المسرحية الساخرة مجموعة ظواهر يعاني منها الشباب على وجه الخصوص، كالعمل المتزامن مع الدراسة الجامعية، وبطالة الخريجين، وواقع الرشاوى في الجامعات، ومعاناة من يحاول أن يكون مستقيماً في مجتمع بات ينحاز للخطأ، وصولاً إلى الهموم المعيشية وصعوبة الزواج، واللجوء إلى الدجالين وبائعي الأوهام. يوضح علي: "يبدو الوضع ميؤوسا منه، خاصة بوجود الفساد المتمثل في المسرحية بشخصية صامتة تسعى لإسكات الجميع وتتكئ على داعم، إلا أن الأمور تتخذ بعد ذلك منحى "ونّوسياً" - نسبة إلى سعد الله ونوس- باتجاه أملٍ ما زال موجوداً".
يستمتع علي، المتخصص في سيميولوجيا المسرح، بالعمل مع الشباب لحيويتهم الدائمة وحبهم للعمل المسرحي، إلا انهم مع ذلك الأكثر انشغالا، بحيث يصعب في كثير من الأحيان التنسيق بين الجميع لتحديد موعد بروفا، فضلا عن تسجيل بعضهم في جامعات بعيدة ما يجعل من المستحيل الثبات على كادر تمثيلي واحد لفترة طويلة. جميعها عوامل تقود إلى مزيد من ضغط الوقت والسباق مع الزمن. رغم ذلك تحاول الفرقة التي تأسست عام ٢٠١٧ في بانياس بتمويل ذاتي الاعتماد على الإمكانيات المتاحة، بالاستفادة خصوصا من مسرح المركز الثقافي في بانياس للتدريب، والتعويل على دعم مستقبلي من المسرح القومي عبر تبني احد عروض الفرقة.
حلم
تصور مسرحية "حلم" الواقع بصعوباته على أكثر من صعيد، فبالإضافة إلى الفقر، يقع البطل ضحية لغربة اجتماعية بسبب عدم مسايرته للقيم الدارجة، ورفضه الأساليب الانتهازية، وتمسكه بمبادئ باتت لدى كثيرين عرضة للسخرية. يمارس التناقض حتى مع أقرب المقربين إليه، شقيقه الذي يحيا ويفكر بطريقة مختلفة بالكامل عنه، وصولاً إلى خذلان البحر له في رحلة صيد يخرج منها صفر اليدين. وسط هذه الضغوط، يدخل في هذيان الحلم والخيال، فيتراءى له والده الراحل بنصائح حكيمة ومواساةٍ تهوّن عليه خساراته.
هنا قدمت المسرحية تهوين الخسارات عبر مقاربة قد تبدو مكررة، وهي تحجيم المأساة الفردية بمقارنتها مع مأساة وطن بأكمله، إلا أن اللجوء للكوميديا في أغلب أجزاء المسرحية جعلها تبتعد عن أسلوب الوعظ الدارج غالبا في مسرحيات الأطفال.
لا تعتبر مخرجة المسرحية أمل العلي العرض موجهاً للطفل فحسب. تقول: "حاولنا توجيه الخطاب لجميع الفئات العمرية، فكل شخص يمكن أن يفهم المضمون بطريقته، لكن الطفل تحديدا سيصل إلى فكرة أن الوطن أسمى وأغلى من أن نفرط بقيم إيجابية نشأنا عليها. القالب الكوميدي يجعل الجمهور متقلباً بين أكثر من مزاج، من الضحك إلى الحزن على ما وصلنا إليه".
تتفاوت أعمار الممثلين بين 13 و17 عاماً، منهم أحمد خليفة "14 عاما" الذي كتب نص المسرحية. ينتمون جميعا الى فرقة الأمل التي تأسست قبل أربع سنوات، وجرى تدريبهم عبر دورات إعداد الممثلين حتى بلغوا مستوى متميزاً، حسب أمل التي اعتمدت على تقييمها الشخصي وآراء فنانين من خريجي المعهد العالي للتمثيل. تضيف: "باتوا الآن قادرين على تجاوز أي عثرة على الخشبة، لدرجة أصبحت معها أتوقع منهم ارتجالات واجتهادات عفوية من شدة اندماجهم بالشخصيات وتماهيهم معها. وهنا يكمن جمال المسرح، في إخراجه مكنونات النفس وتفريغ الطاقات، ويكون دوري تشذيبها على نحو إيجابي محبب".
تحدد أمل أبرز الصعوبات التي يواجهها العمل المسرحي، لاسيما عدم الفهم الكافي له، ولمسرح الأطفال خصوصا، ما يؤدي إلى طلبات يصعب الوفاء بها، كتحديد أوقات معينة للعروض أو المهرجانات بمهل زمنية لا تكفي لإنجاز مسرحية ناجحة بكاملها، ولا تراعي ظروف الأطفال الدراسية، فيضطرون لتخصيص الوقت المسائي للتدريب بين السابعة والعاشرة ليلاً كما هو الحال في بروفات "حلم"، مضيفة: "هذه الفرقة التي عملت على إعدادها هي مخرجي الاول عندما يُطلب منا عمل سريع".
الوهم
تخرج مسرحية "الوهم" عن إطار الموضوعات المرتبطة بالهم اليومي العام لتدخل في نطاق الخاص والفردي، متمثلا بالمرض النفسي الذي يفتك بصاحبه، فالبطل موظف مرموق في وزارة الاتصالات يعيش حالة دائمة من التوتر لشعوره بأن ثمة من يراقبه، وينهمك في الارتياب بكل من حوله، ويسرّ لزوجته بأنه عمله يتيح له معرفة كل شيء عن أي شخص، وعندها تسمعه طفلته وتسأله إن كان يستطيع معرفة أسرار صديقتها، فيبدأ الوهم يتفاقم بداخله وصولاً إلى هستيريا من الهذيان تصوّر له محاكمة تجري لمعاقبته.
تعتز "نغم إدريس" العاملة في دائرة المسرح المدرسي بتجربتها الأولى في إعداد نص المسرحية المقتبسة عن مسرحية عالمية وإخراجها بما يتناسب مع العصر الراهن، لاسيما مع كون الموضوع واقعياً قابلاً للملاحظة، فكثيرة هي الأوهام التي يختار اصحابها البقاء أسرى لها وإن كان فيها انهيارهم. تقول: " ان يكون الكاتب او المعدّ هو المخرج نفسه أمر يسمح بتقديم الفكرة على نحو يضيء أكثر على الشخصيات والأحداث، ويبقي روح العمل واحدة، ويسهل بالتالي التعامل مع الممثلين متيحاً سلاسة في التعديل على أي شيء يخدم النص".
عن تجربة، تؤكد نغم أهمية العمل المسرحي في التنفيس عن ضغوط الحياة وحتى علاج الذات. تعرب عن ثقتها في هواة المسرح الذين يميلون لحضور أي عرض مسرحي، وإن كان مايجذب الناس لحضور المسرح الموضوعات التي تعبر عن مشاكلهم وعواطفهم، مشيرة إلى أن صعوبات المسرح تكمن عموماً في التمويل وفي اختيار المشاركين. تقول: "لدينا مواهب كثيرة تحتاج لجهود كبيرة لصقلها وتنميتها، ولا يتوفر الوقت الكافي لذلك دائما. على الموهوب أن يبحث جيدا عن نفسه إن كان يجدها في الكتابة أم التمثيل، وأن يدافع عن شغفه لأنها تجربة تستحق الاختبار".
البجعة
تشارك دائرة المسرح المدرسي أيضا بالعرض الراقص الوحيد "البجعة" المقتبس عن قصة "البطة القبيحة". أشرفت "دعاء عيسى" على تدريب الأطفال لتخوض بذلك تجربتها الثانية في عروض الرقص التعبيري. تقول: "أشعر بالانتماء إلى هذا النوع من العروض الدرامية اكثر من غيرها، على صعوبته، فهو يتضمن فكرة وحبكة ورسالة يجب إيصالها بلغة غير منطوقة تعتمد على حركات الجسد والموسيقا المنتقاة بعناية لتعبر عن المزاج المطلوب. ثمة مستوى جيد من اللياقة البدنية لدى الطفلات المشاركات بعد فترات طويلة متفاوتة من التدريب، الأمر الذي يسهّل قيادتهن واستثمار طاقاتهن".
ترى دعاء أن الرقص المسرحي التعبيري هو أهم أنواع الرقص، فاستخدام الجسد لإيصال الفكرة فن بحد ذاته، معولة على استمرار الترويج له في طرطوس لدفعه نحو مزيد من الانتشار