مدرسو الإنكليزية يناضلون على جبهة "إيمار".. والتربية تراهن على "تغيير الذهنية"
رزان عمران- خاص فينكس:
شهران مرا على دخول "سلسلة إيمار" لتعليم اللغة الانكليزية حيز التطبيق، أو التجريب بتعبير أدق، في المدارس السورية، ليس جميعها. محافظات قليلة بقيت غير مشمولة بالتجربة، فواصلت إعطاء المنهاج القديم باطمئنان من ارتاح من "رهبة الجديد"، تاركة للمدرسين في المحافظات الأخرى مهمة التصدي لمنهاج تفاوتت حوله آراء من اطلعوا عليه، في مقابل مدرسين لم يصلهم الكتاب أساساً ليكوّنوا رأياً، فبدت الرؤية في شهر أيلول وجزء من تشرين الأول ضبابية بامتياز، وحصص اللغة الانكليزية ملأى بالتساؤلات والاجتهادات وسبر المعلومات السابقة، ومحاولة تأمين نصوص الوحدات الأولى وتداولها كملفات pdf، ثم تصويرها من قبل المدرسين لجميع الطلاب، تلافياً لضياع الوقت.
تغطي السلسلة، وفقاً لوزارة التربية، المهارات اللغوية كافة، وتزود الطالب بما يتوافق مع تطورات العصر، وتمكنه من توظيف ما يتلقاه خلال المراحل التعليمية المختلفة في الحياة العملية. وصفٌ يبدو مشجعاً على خوض التجربة في بلد ما يزال كثير من طلابها بحاجة إلى "دعك" صارم في اللغة الانكليزية، وبقدر هذه الحاجة، بقدر ما جاءت "إيمار" محملة بأضعاف ما يتحمله "جيل الأزمة"، لا سيما بالنسبة للصفوف الثانوية التي اعتاد طلابها نمطا تعليميا من الصعب معه استيعاب منهاج بديل ذي عقلية "تغييرية" كلياً، اهتم كثيرون برصد ما قالوا إنه أخطاء واقتباسات حرفية توحي بـ"استعجال واستسهال المؤلفين"، الذين يؤكدون من جهتهم بذل جهد استثنائي في وضع السلسلة لتحسين واقع تدريس هذه اللغة.
"أخطاء.. وسيلٌ مربكٌ من الكلمات الجديدة"
في حديث لـ"فينيكس" يشير فادي، أحد مدرسي الانكليزية للمرحلة الإعدادية في طرطوس، إلى "كم الأخطاء في العديد من النصوص، خصوصا في الصف الثامن، فضلا عن ركاكة في الصياغة وكلمات سقطت سهوا، ووجود عشرات الكلمات الجديدة في نص واحد في كتاب الصف السابع، بشكل يمكن وصفه بحشو معلومات كيفما اتفق بدعوى إغناء رصيد الطالب من المفردات وتسهيل كتابة الموضوعات". يضيف:" ما زلنا نعاني مع كثير من الطلاب لتمكينهم من كتابة جملة واحدة دون أخطاء، فما بالك بموضوع كامل مواز لنصوص الكتاب؟ ثمة تقصير واضح في التأسيس بالمرحلة الابتدائية ندفع ثمنه يوميا لاسيما بعد عامين استثنائيين لم يتعلم الطلاب خلالهما إلا نصف المنهاج بسبب تداعيات وباء كورونا. بعض الأساتذة يتحايلون على المشكلة بإرغام الطلاب على حفظ الموضوعات، متجاهلين أن اللغة خبرة تراكمية ناتجة عن ممارسة وفهم وبحث وتفكير".
صفحات فيسبوكية للإنقاذ
لجأ آلاف المدرسين إلى مجموعات فيس بوك أنشأها زملاؤهم لاستيضاح ما التبس، والحديث عن تجارب وحلول اهتدوا إليها في التعامل مع مشكلة ما، أو لمجرد رصد ما وصفوه بالأخطاء الإملائية والنحوية والمطبعية. ينشر بعضهم نماذج مذكرات ومقتطفات من دليل المعلم وكتب الأنشطة المحلولة. يختلفون حول صحة جملة وردت في الكتاب، وصحة الحلول، يصطدمون بمشكلة الفجوة بين المنهاجين القديم والجديد، فاقد تعليمي في غاية الأهمية، تدخل ضمنه صيغ السببية والجمل الشرطية والكلام المنقول والمبني للمجهول والتمني وغير ذلك من اساسيات الكتابة والمحادثة. يتحدث عدد منهم عن رداءة الملفات الصوتية، فالمدرسون الذين تطوعوا للتسجيل لا يتقن معظمهم اللفط الصحيح، ولم يبذلوا جهدا لتغيير نبرة الصوت للدلالة على المعنى أو الانفعال، فضلا عن أن الشخص ذاته يسجل حوارا بين اثنين دون أن يكلف نفسه عناء تغيير صوته عند انتقال الحديث من شخص لآخر!
يدير أحد المدرسين من اللاذقية واحدة من أكبر المجموعات المعنية بإيضاح منهاج اللغة الإنكليزية على فيس بوك، حيث باتت منصة مهمة لنشر نماذج الحلول وتبادل الآراء التي تحول أغلبها إلى "فش الخلق" بسبب الارتباك الناتج عن تأخر تسليم الكتب. ولدى تبادل ملفات النصوص إلكترونيا تكشفت لهم تباعا ما وصفوه بكثافة المعلومات والمفردات وحتى الأخطاء، بشكل بدا عبئا كبيرا على كل الصفوف دون استثناء. يرى مدير الصفحة أنه كان من الأفضل لو استغرق الإعداد للمنهاج وقتا أطول وعناية أكبر تجنبا للأخطاء، وكسباً لمزيد من الوقت بما يسمح بإيصال الكتب مبكرا، مضيفاً : "كان يمكن دراسة فرض المنهاج بشكل تسلسلي، لا دفعة واحدة لجميع المراحل التي تعود طلابها منذ وقت طويل على نمط معين، كما كان من الأولى مراعاة اختيار مفردات أبسط وأقل كثافة ليتمكن الطالب من الاستيعاب الجيد".
"التغيير في وقت الأزمات أزمة بحد ذاته"
تفضل مدرّسة اللغة الانكليزية للمرحلة الثانوية والموجهة السابقة "ملك صالح" بدء الحديث بذكر المزية "شبه الوحيدة" للسلسلة، على حد تعبيرها، وهي اختيار موضوعات لطيفة قريبة من حياة الطالب، مع مفارقة وجود تفاوت بين الصف الثامن والبكالوريا مثلاً في مستوى المفردات، حيث تبدو أصعب في بعض موضوعات الصف الثامن رغم أنهم أصغر سناً، وهي مفارقة تظهر أيضاً في اختيار موضوعات في الطب والهندسة لطلاب البكالوريا تناسب المرحلة الجامعية أكثر، لشدة تخصصها. تضيف: "من الصعب فرض مستوى كهذا على طلاب لا يستخدم معظمهم اللغة الانكليزية في حياتهم، فكيف بالتعاطي مع محتوى تخصصي؟! ولماذا يطغى اقتباس الموضوعات من الانترنت على حساب التأليف؟ هذا إن أغفلنا ذكر الأخطاء الواردة أصلاً في كثير من هذه الاقتباسات رغم وجود عشرين شخصاً مذكورين في مقدمات الكتب على أنهم "مؤلفون" و"مدققون"؟.
وتشير ملك إلى كارثية تأخر تسليم الكتب في بداية العام الدراسي، وحصر شرائها بالطلاب فقط، فلم يستطع المعلمون الشهر الماضي شراء نسخ يعتمدون عليها! فضلاً عن محاولة بعضهم إعطاء دروس قواعد لتمرير الوقت، أي العودة إلى العقلية التقليدية التي قال المؤلفون إن الوقت حان للخروج منها إلى مرحلة الاستخدام الفعلي للغة، ما يدل على فشل الاستعداد لكسب الزمن الذي تحتاج "إيمار" كثيراً جداً منه، وخاصة مع فرض نصوص للاستماع دون تأمين أيّ من أدواته، فلا كهرباء ولا وسائط تشغيل، ولا وجود حتى لزمنٍ يكفي لإسماع النص ذاته لأربعين طالباً متفاوتي المستوى والقدرات في الصف الواحد.
تقول: "كمدرسين جادين، بتنا نعتمد على هواتفنا الجوالة في إسماع الطلاب المادة المطلوبة، وأمّن زملاء آخرون "بفلات" على نفقتهم، وهذا ليس في مقدور الجميع، عدا ان الوزارة هي المسؤولة عن تأمين البنية التحتية لهذا التغيير النوعي الذي يتطلب تمارين وشروطاً خاصة جداً ". تتساءل أيضا عن جدوى تحميل الطالب عبئاً إضافياً يتمثل بإدخال "الصوتيات" في المنهاج، وهو عبء حتى على طيف واسع من المدرسين الذين تخرجوا من أقسام اللغة الإنكليزية دون أن يتمكنوا تماماً من هذه المادة الاختصاصية. توضح: "إتقان الصوتيات أمر يتطلب مهارة في القراءة والاستماع، وهو ما يفتقر إليه أغلبية الطلاب. أكثرية طلابي في البكالوريا مازالوا يتعثرون بالقراءة بعد كل هذه السنوات".
ومع هذه الإضافات النوعية، ترى ملك أن الشروط الأفضل التي كان يجب توفيرها للاستفادة فعلاً من "إيمار" أن يتم تطبيقها مرحلياً، بدءاً من الصف الأول هذا العام، مرورا بالصف الثاني في العام التالي، وهكذا، مع وجود عدد قليل من الطلاب في الصف الواحد، ليتسنى التمرن كما يجب على القراءة والاستماع والمحادثة والصوتيات وصولا إلى المهمة الأصعب، كتابة الموضوعات، فضلاً عن اختيار المدرسين الأكفاء للتصدي لهذه المهمة، أما ما يحصل من تغيير كلي دفعة واحدة فهو "تدمير شامل"، كما تقول، مضيفة: "باختصار، لسنا جاهزين لتغيير بهذا الحجم. التغيير في وقت الأزمات أزمة بحد ذاته. إنه تغيير يتجاهل الهوة بين البنية الفوقية المتمثلة بالمادة العلمية، والبنية التحتية الهشة، المتمثلة بالمدرسة وتجهيزاتها".
وترى ملك ضرورة فرض معايير ملزمة في مسابقات اختيار مدرسي وموجهي اللغة الإنكليزية، أهمها بلا منازع إجادة اللغة الإنكليزية كتابة وحديثا، وذلك كجزء اساسي من أي عملية تغيير مستقبلا، ما يدعم أيضا المدرسين الذين ما زالوا يمارسون المهنة بضمير داخل الصف، رغم فقدان الثقة حتى بين أهالي الطلاب الذين أصبح الدرس الخصوصي بالنسبة لهم تقليدا لا بد منه".
"نسعى إلى تغيير ذهنية المدرس أولاً"
علا الموعي، الموجهة الاختصاصية للغة الانكليزية في مديرية تربية طرطوس، والعضو في لجان تأليف "إيمار"، ترى أن كثافة المعلومات والمفردات الجديدة أمر نسبي قد يمثل مشكلة لطالب دون آخر، ولمدرس دون غيره، والمنهاج يتدرج في كثافة المفردات من الصف الأول إلى البكالوريا متناسباً مع الفروق العمرية، ومركّزاً على تعلّم القواعد من خلال التعرض للجملة السليمة دون حاجة إلى تلقين القاعدة كما كان الامر سابقا، في حين يبدأ تعلم القواعد بدءا من الصف السابع، و تكرارها في كل صف وبناء قواعد جديدة عليها، مضيفة: "الأمر ذاته ينطبق على المفردات، بحيث يتخرج الطالب من المرحلة الثانوية برصيد كاف لدخول أي مجال جامعي أو التحضر للاختبارات اللغوية العالمية. نهدف إلى اكتساب الطالب للغة الانكليزية كما اكتسب لغته الأم، من خلال وضعه دائما في بيئة لغوية سليمة، وفي الوقت ذاته، تتلخص أهداف الدرس الواحد في مفردات وقواعد محدودة يجب التركيز عليها أكثر من غيرها، دون الحاجة إلى حفظ كل ما جاء في الدرس".
فيما يخص الصوتيات، توضح الموجهة الاختصاصية أنها كانت موجودة في المنهاج القديم وليست فكرة جديدة. وقد جرى تعميمها على جميع الصفوف للتركيز على أهميتها للأستاذ والطالب على السواء لتعلم تمييز الأصوات والأحرف. ليس من الضروري على المدرس أن يشرحها بل يكفي حل التمرين البسيط والواضح بما يحقق الهدف. ونعمل على إدخال الصوتيات في اختبارات الامتحان النهائي هذا العام لتعزيز هذه الأهمية".
وتشير إلى أن الاهتمام بمهارات الاستماع والمحادثة وإجراء الاختبارات الشفهية فيها ليس جديدا بدوره، في الصفوف الانتقالية والشهادات، موضحة أن العمل جار على إيجاد آلية لتطبيق اختبار لهذه المهارات بالنسبة لطلاب الشهادات مستقبلا، مع احتساب علامات لها للتحفيز على الاهتمام بها فعلاً لا قولاً".
وحول ما قيل عن ضعف جودة بعض الملفات الصوتية أو عدم توفرها جميعا إلا كملفات مكتوبة، تعزو الموجهة ذلك إلى السرعة التي تم بها تأليف المنهاج. تقول: "ما زال السعي جاريا لتسجيل كل الملفات بالدقة المطلوبة، وهذا يتطلب وقتا، اما القول بأن المدرسين سجلوا الملفات بمقابل مادي فهو غير دقيق، لأنها كانت مبادرات فردية من بعض الزملاء الذين فضلوا التسجيل بأصواتهم ليُسمعوها لطلابهم، ومنهم من أرسل لي التسجيلات لتدقيقها قبل البت بجودتها. وبالإضافة للطالب، الاستماع مهم ايضا للمدرس الذي يحتاج دعماً في اللفظ".
وتبدي الموجهة تفاؤلاً رغم التحديات، معولة على جهود المدرسين الذين تعاملوا مع موضوع تأخر تسليم الكتب على نحو عملي إيجابي، فحصلوا على الملفات الإلكترونية وكوّنوا فكرة عن الدروس وبدؤوا في إعطائها، وإرسال ملاحظات إيجابية حولها، كاستمتاع الطلاب بالأفكار الواردة، عدا جو التعاون الصحي بينهم لتوضيح الأفكار واقتراح نماذج اسئلة مع بدء المذاكرات، وصولاً إلى اجتهادهم في بحث كيفية توضيح القواعد الجديدة بعد مرحلة ركود واضح لم يكن فيها المدرس مبادرا أو معنيا بالخروج من حلقة "البصم". تقول: "للأسف، ثمة مدرسين لا يطلعون على ماهو خارج الكتاب المدرسي، وهو أمر يتنافى مع التطورات المتسارعة في العالم، فاللغة عموما والإنكليزية بشكل خاص مادة متجددة، وكتب اللغة تتغير دوريا والمعاجم الجديدة تطبع سنويا، ما يعني أن ثبات كتب اللغة مرفوض تماما والتجديد ضروري بما يواكب العصر بأفكار ومفاهيمه، وهو ما توفره "إيمار" بطرحها مفاهيم العناية بالبيئة والتميزالفردي والمبادرات والأعمال الخيرية والمساواة بين البشر والإضاءة على ذوي الاحتياجات الخاصة والمواطنة وحقوق الطفل وغيرها، والأهم ان الفكرة او المفردة الجديدة يتكرر استخدامها دوماً في دروس لاحقة".
وتأمل الموجهة أن تعزز السلسلة مستوى الطلاب الجيدين، وترتقي بالطلاب الأقل مستوى، مع الاعتراف باستثنائية الظرف الحالي الذي لا يسمح بتوفير جميع الأدوات والمزايا دفعة واحدة، وخاصة في عملية صعبة كالتدريس، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في تغيير المنهاج وانما هناك حاجة ماسة لتغيير ذهنية المدرس في آلية تعليم اللغة.