كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

محمد بن نصير وعبقرية «المعنى»: حين يصبح «المجموع/الدستور» سجنًا للعقيدة

نضال كامل

ليس المقصود من هذه المقالة الطعن في قِدم «المجموع»، ولا الدخول في سجال حول نسخه وتاريخ تدوينه، ولا إسقاط قيمته بوصفه وثيقة مهمة من وثائق التراث العلوي. السؤال الذي يعنينا فكري قبل أن يكون تاريخيًا: هل حافظ «المجموع/الدستور» على الأفق العرفاني الذي فتحه محمد بن نصير، أم أنه ضيّقه وحوّل أكثر مفاهيمه قيمة، «المعنى»، إلى منظومة مغلقة من الأشخاص والمراتب والصيغ والطقوس؟
محمد بن نصير لا يستحق أن يُقرأ مجرد اسم أول في سلسلة مشايخ، ولا مؤسس جماعة دينية فحسب. أهميته الحقيقية تكمن في النقلة الفكرية التي يمثلها: الانتقال من الاكتفاء بالمقولات الدينية الموروثة إلى محاولة البحث عن الحقيقة التي تقف خلف الصورة. وأثمن ما بقي من هذه النقلة هو مفهوم «المعنى»؛ لا بوصفه لفظًا، بل بوصفه مركزًا ميتافيزيقيًا (Metaphysics) يمكن من خلاله إعادة فهم الله، والظهور، وعلي، والتاريخ، والإنسان.
ينبغي هنا إزالة التباس أساسي. القول بألوهية علي، أو النظر إليه بوصفه مظهرًا للتجلّي الإلهي (Theophany)، لم يبدأ بمحمد بن نصير، ولم يكن ابتكارًا نصيريًا. فقد عرفت تيارات من التشيع الباطني والغالي ( من الغلاة) تصورات من هذا النوع قبل ابن نصير بزمن طويل. ومن ثم لا تكمن فرادة محمد بن نصير في أنه رفع مقام علي إلى مستوى إلهي؛ فهذا الميراث كان موجودًا قبله. الفرادة تكمن في إعادة بناء المسألة حول سؤال أكثر عمقًا: ما الحقيقة التي تظهر في علي؟
ومن هنا تبرز قيمة «المعنى».
فالقول «علي إله» يبقى حكمًا على شخص، أما إدخال «المعنى» إلى قلب البناء العرفاني فينقل النقاش كله إلى مستوى آخر: ما المعنى؟ هل هو أزلي؟ كيف يظهر؟ هل يتطابق مع الصورة التي يظهر فيها؟ هل يبدأ بالشخص الذي يتجلى من خلاله أم يسبقه ويتجاوزه؟ وهل علي هو الحقيقة المطلقة نفسها، أم الظهور التاريخي الأعظم لتلك الحقيقة في الدورة المحمدية؟
في هذه النقلة تكمن، في تقديري، أعظم قيمة فكرية لمحمد بن نصير. لقد نقل القضية من لغة الغلو إلى أفق الميتافيزيقا؛ من إطلاق صفة على شخص إلى التفكير في العلاقة بين المطلق وظهوره.
وقد تكون كلمة «المعنى» أبسط ألفاظ التراث العلوي، لكنها ربما تكون أعمقها. فالمعنى لا يحتاج إلى جسد حتى يكون موجودًا، ولا يبدأ بالصورة التي يظهر من خلالها، ولا تستنفده تلك الصورة. إنه الحقيقة التي تجعل الصورة ذات دلالة، ويظهر من خلالها من دون أن ينحصر فيها. وبهذا المفهوم يصبح بالإمكان الجمع بين تنزيه الحقيقة الإلهية وبين حضورها في العالم: الإله متعالٍ عن الصورة لكنه ليس غائبًا، يظهر من خلالها لكنه لا يصبح مساويًا لها، يدخل التاريخ من دون أن يتحول التاريخ إلى حدوده النهائية.
وعلي، ضمن هذا البناء، لا يفقد شيئًا من مركزيته؛ بل يرتفع مقامه. إنه الظهور الأعظم للمعنى في الدورة المحمدية. وهذه الصياغة أعمق من العبارة المباشرة «علي هو الله»، لأنها لا تجعل عليًا مجرد طرف في معادلة عقائدية، بل تجعله الموضع الذي بلغ فيه ظهور الحقيقة أعلى درجاته.
والفرق بين العبارتين جوهري:
وعلي هو الله.
و:
علي هو الظهور الأعظم للمعنى الإلهي.
الأولى تنهي السؤال، أما الثانية فتفتحه. الأولى إقرار، والثانية تنتج فكرًا. الأولى تجعل العلاقة هوية مباشرة، أما الثانية فتدفعنا إلى السؤال عن الظهور والصورة والحقيقة، وعن العلاقة بين الأزلي والتاريخي، وبين المطلق والمتناهي.
إذا كان المعنى أزليًا، فلا يمكن أن يبدأ بولادة علي ولا أن ينتهي بوفاته. علي لا يمنح المعنى وجوده؛ المعنى هو الذي يمنح ظهور علي دلالته الميتافيزيقية. ومن هنا يكون علي ظهورًا للحقيقة لا بداية الحقيقة، وأعظم مظاهرها في دورة بعينها من دون أن تنحصر الحقيقة كلها في جسده التاريخي.
هذه النقطة شديدة الأهمية، لأنها تميز بين الظهور وبين التجسّد (Incarnation) بمعناه الحرفي. فالظهور يسمح بأن تحضر الحقيقة من خلال شخص من دون أن تصبح الذات الإلهية مساوية لجسد ذلك الشخص. أما إذا ألغينا هذه المسافة تمامًا، فإن مفهوم «المعنى» نفسه يفقد جزءًا كبيرًا من ضرورته.
ومن هنا يمكن أن نقول شيئًا يبدو للوهلة الأولى مفارقًا: صيغة «علي هو الله» قد تكون عرفانيًا أقل تعظيمًا لعلي من القول إنه مظهر المعنى الأعظم. الأولى تحصره في معادلة مغلقة، أما الثانية فتجعله نقطة التقاء بين التاريخ والمطلق؛ المرآة التي بلغ فيها النور أعلى درجات انكشافه. المرايا تمضي، أما النور فلا يمضي.
هنا تحديدًا تبدأ المشكلة الفكرية مع «المجموع».
فالمشكلة ليست أن «المجموع» يتحدث عن المعنى، بل أن وظيفة المعنى داخله تصبح مختلفة. ما كان قادرًا على أن يكون مفهومًا مفتوحًا على السؤال يتحول تدريجيًا إلى موقع محدد داخل نظام عقائدي: المعنى، الاسم، الباب، ثم الأيتام والنقباء والنجباء وسائر المراتب. وهكذا ينتقل الفكر من سؤال الحقيقة إلى خريطة جاهزة للحقيقة.
المفهوم يتحول إلى شخص، والشخص إلى موقع، والموقع إلى مرتبة، والمراتب إلى نظام، والنظام إلى عقيدة.
وبذلك تبدأ ميتافيزيقا المعنى بالتحول إلى علم كونيات ديني (Cosmology) شديد التنظيم، وربما إلى هندسة للمقدس.
ويمكن اختصار التحول كله في الانتقال من سؤال:
ما المعنى؟
إلى:
من المعنى؟
الأول سؤال فلسفي لا تنتهي إجابته باسم. أما الثاني فيكفيه اسم، ثم يحتاج هذا الاسم إلى اسم وباب ومراتب وسلسلة من العلاقات. وحين يحدث ذلك يمكن للإنسان أن يمضي عمره في تعلم أسماء الحقيقة بدل البحث عن الحقيقة نفسها.
وهنا يظهر الفرق بين العرفان والمعرفة الباطنية (Gnosis) وبين مجرد الحفظ. أن تعرف أن عليًا هو المعنى وفق منظومة معينة ليس هو أن تعرف «المعنى». وأن تحفظ عين وميم وسين لا يعني أنك فهمت العلاقة بين الحقيقة وظهورها. ومعرفة أسماء المراتب ليست بالضرورة معرفة بالوجود.
الخريطة ليست الأرض، والاسم ليس الحقيقة، والرمز ليس المعنى.
من هنا لا يكون «المجموع» سجنًا لأنه قديم، ولا لأن لغته رمزية، ولا لأن بعض أفكاره يصعب على الآخرين قبولها. يصبح سجنًا فقط عندما يتحول إلى الحد النهائي لما يجوز للعرفان العلوي أن يفكر فيه؛ عندما تصبح صيغة بعينها لألوهية علي امتحانًا للإيمان، وعندما يصبح ترتيب المراتب أكثر قداسة من السؤال الذي أنتجها، وعندما يخشى المؤمن من إعادة التفكير لأن الإجابات أصبحت نهائية.
عندها لا يعود «الدستور» حافظًا للعقيدة؛ يصبح حارسًا يمنعها من النمو.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: قد يكون محمد بن نصير، الذي عاش قبل أكثر من ألف عام، أقرب إلى سؤال إنسان القرن الحادي والعشرين من كثير من البنى التي تراكمت بعده. فالإنسان المعاصر يستطيع أن يناقش الحقيقة والظهور، والمطلق والمتناهي، والرمز والمعنى، وإمكان حضور المقدس في التاريخ. لكنه سيجد صعوبة أكبر إذا طُلب منه أن يؤمن حرفيًا بخريطة ثابتة من الأشخاص والمراتب الكونية لمجرد أنها أصبحت جزءًا من نص موروث.
ولهذا فإن العودة إلى محمد بن نصير ليست بالضرورة عودة إلى الماضي. قد تكون، على العكس، طريقًا إلى المستقبل؛ لأنه ترك مفهومًا قابلًا للنمو والتأويل، لا مجرد جواب يجب تكراره.
ولو كان علينا اختيار مفهوم واحد من التراث العلوي يصلح ليكون قلب إيمان عرفاني مستقبلي، فإن «المعنى» يبدو من أقوى المرشحين. فهو يسمح بإيمان يرى أن الحقيقة أوسع من ظاهر الأشياء، وأن المعرفة طريق إلى المقدس، وأن الإله يمكن أن يظهر في التاريخ من دون أن ينحصر فيه، وأن عليًا يمثل أعظم هذا الظهور في الدورة المحمدية، وأن النصوص والطقوس والرموز وسائل إلى الحقيقة وليست الحقيقة نفسها.
ومن هنا يمكن أيضًا إعادة النظر في مأزق التقية. فقد كانت التقية تاريخيًا وسيلة لحماية جماعات تعرضت للخوف والاضطهاد، ولا يجوز تجاهل ذلك. لكن جزءًا من مأزقها المعاصر يرتبط أيضًا بصعوبة الدفاع عن بعض الصيغ العقائدية الحرفية خارج البيئة المغلقة.
أما إذا استطاع العلوي أن يقول:
أؤمن بحقيقة إلهية متعالية، وبأنها تظهر في التاريخ، وبأن عليًا يمثل أعظم ظهور لها في الدورة المحمدية، من دون أن تكون الحقيقة المطلقة محصورة في جسده التاريخي،
فهو يقدم تصورًا يمكن شرحه ومناقشته والدفاع عنه فلسفيًا من دون حاجة إلى إخفائه أو التخفيف منه أمام الآخر.
وهنا يجب الحذر من خطأ معاكس. إعادة الاعتبار إلى محمد بن نصير لا تعني تأسيس «دستور ابن نصير» بدل «المجموع». قيمة المؤسس ليست في تحويل كل كلمة منسوبة إليه إلى قانون أبدي. قيمته في الجرأة الفكرية التي يمثلها مفهوم المعنى. لقد أعطانا مفتاحًا، لا غرفة مغلقة.
وأعظم وفاء له ليس تكرار عباراته، بل مواصلة السؤال الذي فتحه: ماذا يعني «المعنى» اليوم؟ كيف نفهم الظهور؟ ما علاقة الإنسان بالمطلق؟ ما موقع الوعي؟ وكيف يمكن قراءة علي بوصفه ظهورًا للكمال من دون حصر الحقيقة فيه؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل ابن نصير حيًا.
ولهذا ينبغي إعادة ترتيب التراث. في المركز: محمد بن نصير وسؤال المعنى. حوله الظهور، والصورة، والمثال، والنور، والمعرفة. وبعد ذلك تأتي البنى والمراتب والطقوس التي صاغتها الأجيال اللاحقة. تُدرس هذه كلها وتحترم بوصفها جزءًا من تاريخ التجربة العلوية، لكنها لا ينبغي أن توضع جميعًا في الدرجة نفسها من القيمة أو الإلزام.
هنا نستطيع أن نميز بين جوهر عرفاني وبين تاريخ عقائدي.
وإذا أُعيد «المجموع» إلى هذا المكان فلن تختفِ العلوية. على العكس، قد يظهر جوهرها بصورة أكثر وضوحًا. سيبقى المعنى، وسيبقى علي، لكن عليًا سيصبح أعمق من العبارة المباشرة عن ألوهيته. سيبقى النور والظهور والمعرفة، وستبقى الفكرة الأساسية بأن للوجود باطنًا لا تدركه الحواس وحدها، وأن الإنسان في رحلة دائمة من الصورة إلى الحقيقة.
هذه علوية أقوى لا أضعف؛ لأنها تستمد قوتها من الأفكار التي تستطيع الدفاع عنها، لا من الأسرار التي تضطر إلى إخفائها.
ولهذا ينبغي قلب العلاقة التقليدية: لا نقرأ محمد بن نصير من خلال «المجموع»، بل نقرأ «المجموع» في ضوء السؤال الذي فتحه محمد بن نصير. نسأل في كل فكرة: هل تعمق مفهوم المعنى أم تستبدله بالأشخاص؟ هل تفتح باب الظهور أم تغلقه؟ هل تقود إلى المعرفة أم إلى الحفظ؟ هل تجعل الرمز طريقًا أم نهاية الطريق؟
هذه القراءة لا تهدم التراث؛ إنها تعيد ترتيب طبقاته.
وربما كانت إحدى أكبر خسائر التراث العلوي أن محمد بن نصير نفسه توارى خلف النظام الذي نشأ بعده، وأن «المعنى» توارى خلف أسماء من يمثلونه. صار السؤال يدور طويلًا حول: من هو المعنى؟ ومن الاسم؟ ومن الباب؟ ومن الأيتام؟ بينما تراجع السؤال الأكبر:
ما المعنى؟
من هنا ينبغي أن تبدأ أي نهضة فكرية علوية جادة: إعادة محمد بن نصير من هامش السلسلة إلى مركز الفكرة، لا لأنه معصوم ولا لأنه صاحب الحقيقة الأخيرة، بل لأنه منح هذا التراث أحد أكثر مفاهيمه قدرة على تجاوز الزمن.
«المعنى» هو، في تقديري، أثمن ما ورثه العلويون من محمد بن نصير.
هو أكبر من علي التاريخي، وعلي أعظم ظهور له في الدورة المحمدية. وهو أكبر من الاسم والباب والمراتب، بل أكبر من «المجموع» نفسه.
ولهذا فإن تجديد العرفان العلوي لا يبدأ بإضافة كتاب جديد إلى مكتبته، بل بإعادة ترتيب الموجود فيها:
محمد بن نصير في موقع المؤسس الفكري،
«المعنى» في قلب الرؤية العرفانية،
علي في مقام الظهور الأعظم للمعنى،
و«المجموع» في مكانه الطبيعي: تراثًا يُقرأ ويُنقد ويُفهم، لا سجنًا يحدد إلى الأبد حدود الإيمان.
عندها لا نكون قد خرجنا من التراث، بل عدنا إلى أكثر لحظاته خصوبة: إلى اللحظة التي كان فيها الإيمان سؤالًا قبل أن يصبح جوابًا، وكانت الحقيقة معنى قبل أن تصبح قائمة أسماء.
وربما كانت أعظم طريقة لتكريم محمد بن نصير اليوم ألا نحفظ ما قيل عنه فقط، بل أن نستعيد الجرأة الفكرية التي جعلت «المعنى» أكبر من كل صورة يظهر فيها.
محمد بن نصير وعبقرية «المعنى»: حين يصبح «المجموع/الدستور» سجنًا للعقيدة
20 آب 1926م مائة عام على تأسيس مدينة القامشلي
22 آب 1966 صدر المرسوم التشريعي رقم 100 بإحداث محافظة طرطوس
المعنى قبل المذهب.. كيف أعادت الدراسات الحديثة اكتشاف محمد بن نصير بعد ان نسيه أنصاره.
الشيخ المعلم محمود القصير.. من شعرة الضهر إلى مجلس الصويري ومقام الحاطرية و اثنتي عشرة قنطرة
أوغاريت ومعاهدة قادش: حين انتصرت الكلمة على السيف
350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
الشيخ سلمان سريجس
الشيخ نصر الفاخوري شاعر الصويري وعالم وادي الخرنوب وصاحب مقام الدريكيش
كيف نشأت عبادة الأصنام في مكة وما حولها؟
"يا قِرْد".. حين تنطق اللهجة بذاكرة أقدم من الكلام..
المعلم جامع المريج امام الجبل في القرن السابع الهجري
الدستور العلوي.. نصٌّ متأخر يحمل أسماء المؤسسين ولا ينتمي إلى تأليفهم
دَولَةُ بني عمّار
الوالي العثماني سليمان باشا والي صيدا ودمشق وطرابلس وامرية الحج ١٨٠٤/ ١٨٢٠م وسبب غنى يهود دمشق