كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المعلم جامع المريج امام الجبل في القرن السابع الهجري

سيمون خالد علي

رجل لم يصلنا منه كتاب ولا رسالة ولا بيت من نظمه، ولا خاتمة نسخة بخطه، ولا كنية، ولا تاريخ مولد، ومع ذلك بقي اسمه بعد سبعة قرون في قلب واحدة من اكبر الخصومات العقدية التي حفظتها نصوص جبل الساحل السوري في القرن السابع الهجري، واول اسم يتنازع خصمان حق الانتساب اليه، وحول قبة له وقف وذرية وحكاية. هذا هو المعلم جامع، امام قرية صغيرة على نصف ساعة شمالا وغربا من القليعة، كان يقصده اهل القرى ليحكم بينهم في مسائل التوحيد.
يرد اسم قريته مصغرا بصيغتي مريج ومريح، وتشهد لهما قصيدة حسن الاجرود، والجيم ارجح من الحاء، اذ لا تزال في هذا الجبل مواضع تحمل الجذر نفسه، مثل المراج والمريجات ومرج زاما. ولا يعرف لجامع اب ولا جد ولا ولد بالاسم، فنسبته نسبة مكان صرفة، امام يقال له جامع من قرية المريج.
والقليعة التي تقاس منها قريته كانت حصنا دخل يد النزارية زمن استقرار مصياف في ايديهم نحو سنة 1140م، واستسلم للظاهر بيبرس بين 1270 و1273م، ثم صار في العهد العثماني مركز ناحية. وقلعتها تعرف اليوم بقلعة الشيخ ديب، وقد اخرج مسح اثري لموقعها فخارا مؤرخا بالقرنين الثاني عشر والثالث عشر، بما يؤكد ان الموضع كان مأهولا في زمن جامع. وكان عبد الله من قرية الجريص (قرية تابعة لناحية حمين غرب شمال حمين 2كم)، خصم يوسف في مجلس ديرونا، من بلاد الخوابي على ثلاث ساعات جنوب قلعة القليعة، وهي حصن اخر استسلم في الحملة نفسها، فكان رجال المجلس يتحركون في قرى تحيط بحصون دعوة منافسة في سنوات انهيارها. وتجمع نواحي الدريكيش الاربع، مركز الدريكيش وجنينة رسلان وحمين ودوير رسلان، معظم مواضع هذه السيرة، ومن دوير رسلان ديرونا وبيت الوقاف وعوينات.
ويحفظ يوسف بن العجوز الرداد الحلبي المعروف بالنشابي أقدم خبر مطول عن جامع في رسالته التعليمية، فقد دخل اسم معلمه في صلب الحجة والخصومة. وتحفظ المكتبة الوطنية الفرنسية ضمن المجموع Arabe 1450 قطعة من مناظرة يوسف، وفي المجموع نفسه قصيدة لحسن الاجرود، وهي اقدم نسخة خطية معروفة لشعره المتصل بجامع.
وحفظ الشيخ حسين ميهوب حرفوش اخبار جامع في معجمه خير الصنيعة في مختصر تاريخ غلاة الشيعة، ورتبه ابراهيم احمد عيسى حرفوش، ثم نقل اميل عباس آل معروف هذه الاخبار في تاريخ العلويين في بلاد الشام. وقبلهم ذكر حسين احمد في قلائد الدرر وبهجة الصور ان امامة جامع سبقت قيام ربيعة بن نصر.
يبدأ خبر جامع بجملة يوسف الرداد، وكان للجبل امام يقال له جامع من قرية المريج، وقد ناظر اصحاب المقالات الفاسدة وافلج الحجة عليهم وما بقي يعاشرهم. واصحاب هذه المقالات الذين عملهم جامع في ميدانهم قرمس، وربيعة السويدة، وداوود القيقانية، وكل واحد منهم عمل له نسبة وشهادة يحتج بها.
ولم يقع لقاء يوسف بجامع اتفاقا: سمع يوسف بفضله ونواله فقصد علمه واحسانه معا، فامتدت الصلة بينهما بعد مرحلة تعليم سابقة عند سيد في بلد الزمام. وكانت الخوصة من بلاد المناصف اول قاعدة لنشاط يوسف قبل اتصاله بجامع واخذ العلم عنه، ومقاماته الثلاثة اليوم في جبل بيت حمد على ساعتين من الدريكيش، والسويدة من مصياف، وعرقايا.
اوضح واقعة في سيرته مجلس ديرونا، من كلام يوسف نفسه: وقد اجتمعنا في قرية ديرونا من بلد القليعة، ومعي عبد الله من قرية الجريص، وقد جرت بيني وبينه مناظرة في بعض التوحيد، فحاققته عليها، فشهد لي المعلم جامع احسن الله معاده ان الحق معي، واخر عبد الله عن الجواب الذي كان معتقده. فجامع حكم للوافد الفقير على صاحب المقام والوقف في قريته، ميزانه الحجة .
وبعد المجلس اوصى جامع يوسف وصية هي كل ما وصل من كلامه بلفظه: يا يوسف بن العجوز، لا تمل الى اصحاب الجبل ذوي العقول الفاسدة بعد انك اعتقدت الحق وقول الصدق، فلا تسمع منهم، ولا تغير ما انت فيه. فقبل الرداد وصيته وانقطع عن معاشرة اهل الجبل، وبقي يعاشر اهل المناصف ويصحب اهل اسفين، الى ان انتقل المعلم جامع سنة 664 هـ، فانقطع بعد ذلك عن جميع الاخوان.
ولعلي بن منصور المؤدب، المعروف بالصويري (نسبة الى الصورة) ، شهادة صريحة: وكان امامنا المعلم جامع، وانه ناظر بعض شيوخ الجبل في ايام المعلم جامع فشهد له جامع بان الحق معه. وله قصيدة دفاع تذكر الشيخ جامعا وسليله وموسى بن ايوب، وكلمة سليله اشارة الى عقب لجامع.
توفي جامع سنة 664 هـ، وهي اللحظة التي انقلبت فيها مرجعية جمعها في شخصه الى خصومة بين تلاميذه. صار موسى بن ايوب، الجبيب او الجباب، اماما للبلد بعده. وقصد ربيعة بن نصر العصيدة، اخو الرئيس سالم، موسى في قريته وهو يومئذ بقرية ربياح بجبل الحولة، فوشى بيوسف باربع حجج: القبول، اذ امال الناس اليه، والقدم، اذ هم اقدم منه، والمال، اذ لا يعرف له مال، والحجة الحاسمة: انت خليفة المعلم جامع. فكتب موسى مناظرة يذم فيها يوسف وانفذها الى اسفين، قرية المجلس والرئاسة والتعليم في بلاد الحولة والنياصفة على ست ساعات من حمص، فقرئت على المعلم عطارد ومن تبعه، فزهدوا فيها والقوها الى الصبيان يقرأونها في المحافل، حتى اوصلها رجل من الاخوان الى يوسف فكتب رده: الرسالة الردادية. فتحول الخلاف من كلام ومجالس الى نص مكتوب، وبقي اسم جامع حجة يستعملها الطرفان.
وتنعقد في اسفين خمس وقائع قدم فيها يوسف قوله امام ربيعة، فاستدعى ربيعة علي بن منصور المؤدب من قرية الصويري ليحكم، وكان اصغرهم سنا وافقههم علما، فشهد ان الحق مع يوسف؛ ثم مال اهل القرى الى قوله فاقامه يوسف نائبا بينهم؛ ثم مجلس ثان في منزل الرئيس حسن، بتاريخ 21 شوال 665 هـ، حضره الرئيس سالم والمعلم جبرين ويوسف؛ ثم امتدت القطيعة تكفيرا ومقاطعة، وهلاك ربيعة على يد الصويري، اي سقوط حجته، ورجال هذا المجلس: ربيعة بن نصر العصيدي رأس الخصومة، واخوه الرئيس سالم بن نصر العصيدة من اوائل مؤيدي يوسف، والمعلم عسكر بن مسلم النقيب، وابو محمد جبرين صاحب مقام مريمين، والمعلم عطارد صاحب مقام قرمس، وكلا الموضعين يقاسان من قلعة بعرين.
ودخل في المناظرة كتاب التجريد لحاتم الطوباني الجديلي، احتج به بعض حاضري مجلس شيوخ الجبل، فقال علي بن منصور ان نسختهم اسقطت اربعة فصول: وكتاب التجريد عندنا موجود بخط مؤلفه الجديلي رحمه الله، وهم غيروه عما هو. واخر ما نعرفه من الخصومة عتاب يوسف لموسى ودعوته الى محاكمة امام من لا يكون له معي ولا معك غرض، ولا نعرف هل انعقدت تلك المحاكمة بعد ذلك.
مدح علي بن منصور الصويري جامعا بقصيدة تتحول في وسطها الى رثاء صريح: الى جامع العظيم الذي قد سرت مناقبه ما بين طي وانثار، الا ايها القطب الذي ساد مجده ليهنك ارشاد بعلم واسرار، عليه سلام الله ما اسدل الدجى وما غردت في دوحة الايك اطيار.
وحفظت تراجم خير الصنيعة بقايا قصيدة اخرى، نونية مخمسة لحسن الاجرود، ومقطع جامع منها: تغير الامر حتى صار كالظلما، بدا لنا جامع يجلو لكل عمى، مريح ربعه يا فوز سكان. ويذكره يوسف الرداد بعده في القصيدة نفسها: بعد جامع المريح وابن العجوز، وقام دين الهدى من غير نقصان.
ويسميه خطاب جدلي في خير الصنيعة، موجه الى الشيخ يونس مناع من بسيسين، اول اسماء علماء وادي الخرنوب، في قائمة تسمي احد عشر رجلا، منهم يوسف الرداد الحلبي ومسلم البيضا وعلي بن منصور. ووادي الخرنوب اسم لمرجعية مدرسية تنازع المتأخرون الانتساب اليها.
اما مقامه فهو في قرية العيون قبة، وله كرامات ووقف هناك عظيم، واعقب بنينا، وفيه من يعزى اليه الآن كبيت الشيخ علي الوقاف وقرابتهم، ويقرب اسم العيون قرية عوينات من ناحية دوير رسلان، مع وجود رواية تربطه بوادي العيون، اما مقام الشيخ جامع في قرية زاما من ريف جبلة فينتمي الى عنقود مقامي لبيت بشمان ولا يظهر ما يصله بجامع المريج.
وبمرور القرون اتسعت صورة جامع من غير ان تمحو ملامحه الاولى: بدأ معلما قرويا يحكم ويناظر ويوصي، ثم صار في الشعر قطبا يستحق سلاما دائما، ودخل قوائم كبار الشيوخ وعلماء وادي الخرنوب، ثم ارتبط اسمه بمقام وقبة وكرامات ووقف وذرية وبيوت تنتسب اليه.
اثر جامع يقاس بما فتحه غيابه. مات فترك موسى وارثا لموقع الامامة، ويوسف حاملا لشهادته ووصيته، ولم يبق بعده الحكم الذي يستطيع الفصل بينهما، فتحول غيابه الى خصومة، وتحولت الخصومة الى رسالة، ثم تحول اسمه من معلم في قرية صغيرة الى اسم في الشعر والقوائم والمقامات والذاكرة.
محمد بن نصير وعبقرية «المعنى»: حين يصبح «المجموع/الدستور» سجنًا للعقيدة
20 آب 1926م مائة عام على تأسيس مدينة القامشلي
22 آب 1966 صدر المرسوم التشريعي رقم 100 بإحداث محافظة طرطوس
المعنى قبل المذهب.. كيف أعادت الدراسات الحديثة اكتشاف محمد بن نصير بعد ان نسيه أنصاره.
الشيخ المعلم محمود القصير.. من شعرة الضهر إلى مجلس الصويري ومقام الحاطرية و اثنتي عشرة قنطرة
أوغاريت ومعاهدة قادش: حين انتصرت الكلمة على السيف
350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
الشيخ سلمان سريجس
الشيخ نصر الفاخوري شاعر الصويري وعالم وادي الخرنوب وصاحب مقام الدريكيش
كيف نشأت عبادة الأصنام في مكة وما حولها؟
"يا قِرْد".. حين تنطق اللهجة بذاكرة أقدم من الكلام..
المعلم جامع المريج امام الجبل في القرن السابع الهجري
الدستور العلوي.. نصٌّ متأخر يحمل أسماء المؤسسين ولا ينتمي إلى تأليفهم
دَولَةُ بني عمّار
الوالي العثماني سليمان باشا والي صيدا ودمشق وطرابلس وامرية الحج ١٨٠٤/ ١٨٢٠م وسبب غنى يهود دمشق