المعنى قبل المذهب.. كيف أعادت الدراسات الحديثة اكتشاف محمد بن نصير بعد ان نسيه أنصاره.
2026.08.21
نضال كامل
ثمة مفارقة تكاد تختصر تاريخ محمد بن نصير كله: الرجل الذي حملت جماعة دينية اسمه أكثر من ألف عام كان، إلى زمن قريب، أقل حضورًا من المذهب الذي شُيّد فوق أفكاره. عرفه خصومه بوصفه «غاليًا»، وعرفه أتباعه بوصفه مؤسسًا وبابًا وشخصية مقدسة، لكن محمد بن نصير المفكر، صاحب السؤال الميتافيزيقي الأول، بقي محجوبًا بين صورتين: صورة الخصم وصورة القديس. أما الدراسات الحديثة فقد بدأت تفعل شيئًا مختلفًا جذريًا؛ عادت من النصيرية إلى ابن نصير، ومن المذهب المكتمل إلى لحظة التأسيس، ومن أقوال الخصوم إلى النصوص التي يمكن نسبتها إلى الحلقة الأولى نفسها. وهنا بدأت استعادة الرجل، لا بوصفه اسمًا في سلسلة، ولا مجرد الجد التاريخي للعلوية، بل باعتباره صاحب رؤية حاول، في بيئة التشيع الباطني المبكر، الإجابة عن واحد من أعمق أسئلة الدين والفلسفة معًا: كيف يظهر المطلق في العالم من دون أن يصبح أسيرًا للصورة التي ظهر بها؟
ظل ابن نصير طويلًا أسير كتب الفرق والرجال الإمامية التي لم تكن مهمتها فهم فلسفته بقدر ما كانت تحديد موقعه خارج الحدود المقبولة للعقيدة. ولهذا كان ابن نصير الذي وصل إلينا من خلال تلك المصادر حكمًا على الرجل أكثر مما كان وصفًا لفكره. بدأ التحول مع باحثين مثل هاينتس هالم Heinz Halm، حين أعيد وضع النصيرية في سياق الغلو والعرفان الشيعي العراقي في القرنين الثاني والثالث الهجريين، بدل البحث عن أصلها في بقايا ديانات فينيقية أو وثنيات سورية مفترضة. وقد كان ذلك إنصافًا أوليًا مهمًا لابن نصير، إذ أعاده إلى بيئته الفكرية الفعلية، وربطه بالتيارات التي كانت تتحرك في فضاء التشيع الباطني المبكر، بدل عزله في سرديات غريبة عن سياقه التاريخي.
لكن النقلة الأعمق جاءت مع يارون فريدمان Yaron Friedman، لأنها تجاوزت دراسة المحيط إلى محاولة الدخول في فكر الرجل نفسه. فقد رأى فريدمان أن ظهور كتب أصلية منسوبة إلى محمد بن نصير أتاح للبحث الحديث محاولة إعادة بناء العقائد الأولى للنميرية، أي النواة التي ستنشأ منها النصيرية في مراحل لاحقة، وأشار بصورة خاصة إلى نصوص مثل الأكوار والأدوار النورانية وكتاب المثال والصورة. والأهم أنه شدد على أن هذه النصوص تمثل مرحلة مبكرة، وأن كثيرًا من موضوعاتها خضع للتطوير والتوسيع في عهد الخصيبي ومن جاء بعده من قادة الجماعة في القرنين العاشر والحادي عشر.
وهذه النتيجة أعمق كثيرًا مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى، لأنها تعني أن ابن نصير لم يعد مضطرًا إلى حمل ألف سنة كاملة من التاريخ المذهبي على كتفيه. ليس كل ما أصبح لاحقًا «نصيريًا» قولًا لابن نصير، وليس كل ما دوّنه الطبراني أو غيره بعد أكثر من قرن امتدادًا حرفيًا لفكر المؤسس. هناك، إذن، ابن نصير قبل النصيرية المكتملة، وهناك لحظة تأسيسية سبقت البناء المذهبي اللاحق. وهذا الفصل المنهجي هو، في تقديري، بداية الإنصاف الحقيقي للرجل.
وفي المركز نجد «المعنى»
حين ينتقل فريدمان إلى مضمون النصوص المبكرة، يضع في صلبها العلاقة بين المعنى والاسم: المعنى باعتباره الحقيقة الإلهية المجردة، والاسم باعتباره إمكان تعريفها وظهورها ومعرفتها. وهنا ينبغي التوقف طويلًا، لأن قيمة الفكرة لا تكمن فقط في غرابتها التاريخية، بل في السؤال العميق الذي يقف خلفها. هناك حقيقة مطلقة، ولكن المطلق، إذا كان مطلقًا حقًا، لا يمكن أن تحيط به صورة. وفي الوقت نفسه يحتاج الإنسان إلى صورة وإشارة واسم لكي يعرف. فكيف يظهر ما لا تحده صورة؟ وكيف يُسمّى ما يتجاوز الاسم؟ وكيف يدخل الأبدي التاريخ من دون أن يتحول الأبدي نفسه إلى حادث تاريخي محدود؟
هذه ليست مسألة هامشية من مسائل «الغلو»، بل سؤال ميتافيزيقي كبير، ومن هذه الزاوية يصبح «المعنى» واحدًا من أهم ابتكارات اللحظة النصيرية الأولى. فالفكرة في جوهرها تحاول الحفاظ على التوتر بين التعالي والظهور: الحقيقة تتجلى، لكنها لا تُختزل في تجليها؛ تُعرف، لكنها لا تنفد في الاسم الذي يدل عليها؛ تدخل التاريخ، لكنها لا تتحول إلى مجرد واقعة تاريخية.
ومن هنا تتغير أيضًا طريقة فهم مقام علي. فإذا أخذنا مفهوم المعنى بهذا المستوى من الجدية، يصبح من الصعب اختزاله في جسد علي أو في حياته التاريخية وحدها، لأن الحقيقة الأزلية، إذا كانت متعالية حقًا، لا تبدأ بولادة علي ولا تنتهي بموته. يمكن، بدل ذلك، النظر إلى علي في الدورة المحمدية بوصفه ظهورًا تاريخيًا أعظم للمعنى، أي تجليًا للحقيقة لا استنفادًا لها. وهنا تفتح الفكرة بابًا فلسفيًا خصبًا جدًا: بدل المعادلة المباشرة «علي هو الله»، يمكن التفكير في المسألة باعتبارها لاهوت تجلٍّ (Theophany)، تظهر فيه الحقيقة الإلهية في التاريخ من دون أن تنحصر في صورتها التاريخية. يصبح علي، بهذا المعنى، طريقًا إلى المعنى لا سجنًا للمعنى.
وهذا، بالطبع، تأويل فلسفي معاصر لمفهوم ابن نصير، وليس ادعاء بأن الرجل استعمل لغة فلسفة الأديان الحديثة. لكنه، في رأيي، تأويل أقرب إلى حدسه الأساسي من القراءات التي حبست الفكرة داخل معادلات مذهبية مغلقة لا تسمح لها بأي حياة خارج منظومة القرون الوسطى.
أين كان «الباب»؟
ولعل إحدى أهم النتائج التي كشفتها الدراسات الحديثة، في سبيل التمييز بين المؤسس والمذهب، تتعلق بمفهوم «الباب». فالثلاثية التي أصبحت معروفة لاحقًا: المعنى – الاسم – الباب، تبدو في التقليد المتأخر كأنها بناء مكتمل كان قائمًا منذ البداية. لكن فريدمان يشير بوضوح إلى أن كتابات ابن نصير تعكس مرحلة مبكرة لا يظهر فيها مفهوم واضح للباب بوصفه الجانب الثالث في البناء اللاهوتي، وأن هذا العنصر أصبح أكثر وضوحًا بعد وفاة ابن نصير، حين جرى تقديسه هو نفسه بصفة «باب الله».
إنها نتيجة شديدة الدلالة؛ فالمؤسس نفسه أُدخل بعد موته في هندسة لاهوتية لم تكن قد اكتملت بصورتها المعروفة في نصوصه. وبذلك يمكن القول إن أتباع ابن نصير احتفظوا بالرجل، لكنهم في الوقت نفسه أعادوا صياغته. رفعوه إلى مرتبة أعلى، وقدسوه، وجعلوه بابًا، إلا أن المفارقة أن هذه العملية نفسها دفعت جانبًا من فلسفته الأصلية إلى الخلف. بقي اسم صاحب «المعنى»، بينما أخذت المراتب التي نشأت حول المعنى تتكاثر شيئًا فشيئًا حتى كادت تصبح أهم منه.
وتأتي دراسات مائير بار-آشر Meir M. Bar-Asher وأرييه كوفسكي Aryeh Kofsky لتدعم هذه الصورة من زاوية أخرى. فقد نشرا حوارًا نصيريًا مبكرًا يتمحور بصورة شبه كاملة حول العلاقة بين المعنى والاسم، ويدور بين الخصيبي وتلميذه ويرجع إلى النصف الثاني من القرن العاشر. ودلالة ذلك أن هذه القضايا لم تكن مجموعة أجوبة نهائية سلّمها ابن نصير إلى تلاميذه ثم انتهى التفكير فيها، بل بقيت موضع جدل وتفسير وتطوير. وعندما نصل إلى الطبراني نكون أمام مرحلة أكثر نضجًا في بناء المنظومة، ويصف بار-آشر وكوفسكي لاهوته باعتباره جزءًا من مشروع تعليمي يسعى إلى توفير مؤلفات أساسية للإرشاد الديني وترسيخ المعرفة.
وإذا كانت المنظومة قد بلغت هذا المستوى من النضج عند الطبراني، فهذا يعني بالضرورة أنها لم تكن موجودة بالصورة نفسها عند ابن نصير. لقد حدث بين الرجلين نمو وتثبيت وتقنين وتوسيع وإعادة تفسير، ولذلك فإن القراءة التي تضع ابن نصير والطبراني داخل عقيدة واحدة مسطحة تلغي قرنين تقريبًا من التاريخ الفكري، وتجعل المذهب يبدو وكأنه خرج مكتملًا منذ اللحظة الأولى.
من المعنى إلى المذهب
لا ينبغي النظر إلى هذا التطور كله بوصفه مسارا سلبيا بالكامل. فالخصيبي أدى دورًا حاسمًا في بقاء الجماعة وتنظيمها، وربما لولاه لضاعت الحلقة النميرية كما ضاعت عشرات الجماعات والتيارات الصغيرة الأخرى. ومع الزمن احتاجت الجماعة إلى تعليم وذاكرة ومؤلفات وإلى ترتيب للمعرفة، كما احتاجت إلى طقوس وهوية مشتركة تحفظ تماسكها عبر التحولات السياسية والاجتماعية. لكن المؤسسة الدينية لا تحفظ الفكرة من دون أن تغيرها، وهذه قاعدة تكاد تنطبق على جميع الأديان والتيارات الروحية.
وهنا تكمن المأساة الفكرية الصغيرة التي أراها في تاريخ ابن نصير. كان في البداية «المعنى»، ثم جاءت الشروح حول المعنى، ثم المراتب التي تفسره، ثم الأشخاص الذين يمثلون تلك المراتب، ثم العقائد التي تحدد العلاقات فيما بينها، ثم الطقوس التي تستعيد هذه العقائد، ثم الكتب التي تشرح الطقوس. ومع تراكم هذه الطبقات أصبح الوصول إلى الفكرة الأولى يحتاج إلى اختراق بنية كاملة من المفاهيم والرموز والمراتب، حتى تحول ما كان مركزًا إلى عنصر واحد بين عناصر كثيرة.
وتكتسب أعمال موسيغ أساتريان Mushegh Asatryan أهمية خاصة في هذا السياق لأنها تنتمي إلى اتجاه أوسع في دراسة الغلو الشيعي المبكر لا يكتفي بكتب خصوم هذه الجماعات، بل يحاول الاستفادة من نصوصها الداخلية لإعادة بناء عالمها الفكري من داخله. وهذا التحول المنهجي بالغ الأهمية بالنسبة إلى محمد بن نصير، لأنه يحررنا من الاختيار القديم بين صورتين فقيرتين: ابن نصير «المنحرف عقديا» كما رسمه الخصوم، وابن نصير «القديس» كما رسمه الأتباع. يصبح بالإمكان البحث عن صورة ثالثة أكثر إثارة للاهتمام: ابن نصير الإنسان التاريخي الذي يفكر.
وتساهم أعمال باحثين آخرين، مثل بيلا تندلر كريغر Bella Tendler Krieger في دراسة المخطوطات النصيرية الداخلية، وديانا شتايغرڤالد Diana Steigerwald في الدراسات المرجعية المتعلقة بابن نصير والنصيرية، إلى جانب ستيفان وينتر Stefan Winter في إعادة بناء تاريخ العلويين باعتبارهم جماعة تاريخية متحولة، في تفكيك الوهم القائل إننا أمام عقيدة واحدة ثابتة امتدت من القرن الثالث الهجري إلى اليوم من دون تحولات جوهرية. ومع تراكم هذه الدراسات يصبح الفصل بين المؤسس وتاريخ المذهب ضرورة منهجية، لا مجرد نزعة إصلاحية معاصرة.
من هنا تنتهي مهمة المؤرخ وتبدأ مهمتنا نحن
إلى هذه النقطة نستطيع أن نتحدث بلغة البحث الأكاديمي، لكن ما بعدها يحتاج إلى قدر من الصراحة: ما أقترحه هنا ليس نتيجة يفرضها فريدمان أو بار-آشر أو هالم على القارئ، وإنما قراءة فكرية معاصرة للتراث العلوي. وربما لم يعد كافيًا أن ننصف ابن نصير تاريخيًا؛ لقد حان الوقت لكي نستعيده فكريًا أيضًا، لا لأن كل ما قاله يصلح للقرن الحادي والعشرين، ولا لأننا نحتاج إلى مؤسس جديد نمنحه العصمة، بل لأن النواة الفلسفية التي ظهرت في فكره تبدو، في جوانب أساسية منها، أكثر رحابة وقابلية للحياة من كثير من الأبنية التي أُقيمت فوقها لاحقًا.
فالعودة إلى ابن نصير لا تعني العودة إلى القرن الثالث الهجري، بل قد تكون، على العكس، إحدى الطرق للخروج منه. الإنسان العلوي في القرن الحادي والعشرين لا يحتاج إلى أن يعيش داخل كوزمولوجيا القرون الوسطى حتى يحتفظ بعمقه الروحي، ولا يحتاج إلى حفظ طبقات لا تنتهي من المراتب لكي يؤمن بأن للوجود معنى، ولا يحتاج إلى تحويل التاريخ إلى مسرح مغلق لشخصيات كونية حتى يجد المقدس. في فكرة ابن نصير الأولى شيء أوسع من ذلك كله: هناك معنى وراء الصورة. وهذه الفكرة البسيطة قادرة وحدها على فتح نافذة هائلة.
ربما قيل للعلوي طويلًا إن المحافظة على هويته تعني المحافظة على كل ما ورثه، وهذا غير صحيح. التراث ليس صندوقًا مغلقًا إما أن نحمله كاملًا أو نرميه كاملًا؛ التراث طبقات، وفي بعض الأحيان يكون إنقاذه ممكنًا فقط بإزالة بعض ما تراكم فوقه. ومن هنا فإن استعادة ابن نصير لا تعني استعادة كل تفاصيل عالمه، وإنما العودة إلى السؤال الذي كان سابقًا على كثير من البنى التي لحقت به.
المأزق ليس في «المعنى»، بل في سجونه
أزعم أن جزءًا من المأزق الميتافيزيقي الذي وصلت إليه العلوية لم يصنعه مفهوم المعنى، بل صنعته محاولات تحديده أكثر مما يحتمل. حين يتحول الرمز إلى حقيقة حرفية يضيق، وحين يتحول التجلي إلى شخص مغلق يضيق، وحين يتحول السؤال إلى عقيدة نهائية يضيق، وحين يصبح على العقل أن يقبل هندسة كاملة للسماء حتى يكون مؤمنًا يضيق الدين نفسه. أما «المعنى»، كما يمكن إعادة اكتشافه اليوم، فلا يحتاج إلى أن يضيق، لأنه لا يقدم لله جسدًا ولا عنوانًا ولا حدودًا، بل يقول للإنسان ببساطة إن الحقيقة موجودة، لكن ما تراه منها ليس كلها.
وهل توجد بداية أرحب من ذلك لروحانية معاصرة؟
من هنا يمكن الحديث عن محمد بن نصير آخر ينتظر أن يُقرأ: ليس ابن نصير صاحب الجماعة الصغيرة في البصرة وسامراء فقط، ولا ابن نصير الذي اختزله الآخرون في «الغلو»، ولا حتى ابن نصير «الباب» الذي صنعته الذاكرة المذهبية، بل ابن نصير مفكر المعنى. وهذا هو ابن نصير القادر على مخاطبة إنسان اليوم، لأن الإنسان المعاصر قد يرفض السماء القديمة، لكنه لم يتوقف عن السؤال عن الوجود؛ وقد لا يصدق الأساطير الكونية، لكنه ما زال يقف أمام الموت والحب والجمال والوعي والزمن ويسأل: ماذا يعني كل هذا؟ وقد يبتعد عن الأديان التقليدية، لكنه لم يفقد بالضرورة حاجته إلى المقدس.
وهنا تستطيع فلسفة المعنى أن تتحرر من حدود الجماعة نفسها. فـ«المعنى» ليس مفهومًا يحتاج الإنسان إلى أن يولد علويًا حتى يفهمه، وإنما سؤال إنساني: هل الظاهر هو كل شيء؟ هل الإنسان مجرد مادة؟ هل للوجود باطن؟ هل تستطيع الحقيقة أن تظهر في العالم من دون أن تنحصر فيه؟ وحين تصبح هذه هي الأسئلة، يمكن للعلوية أن تنتقل من عقيدة خصوصية مغلقة إلى مساهمة عرفانية في الفكر الإنساني.
علوية القرن الحادي والعشرين
يمكن عندئذ تصور علوية لا تخاف من العلم، لأن المعنى لا ينافس العلم في تفسير المادة؛ ولا تخاف من الفلسفة، لأن السؤال جزء من بنيتها؛ ولا تحتاج إلى تكفير أحد، لأنها لا تدعي امتلاك الله في صيغة نهائية؛ ولا تحتاج إلى التقية، لأنها لا تحمل عقيدة تخجل من عرضها على العقل؛ ولا تجعل خلاص الإنسان مرهونًا بمعرفة أسماء ومراتب سرية. تستطيع، بدل ذلك، أن تقول ببساطة: نحن نرى الوجود ظهورًا لمعنى أعمق منه، ونرى الإنسان كائنًا قادرًا على الارتقاء في معرفته وأخلاقه ووعيه، ونرى الحقيقة أوسع من النصوص والصور والأسماء.
هذه ليست علوية أقل عمقًا، بل ربما تكون علوية تعود إلى عمقها الأول.
ولهذا أعتقد أن ابن نصير ليس المشكلة، وربما يكون جزءًا من الحل. لقد اعتدنا طويلًا أن ننظر إلى المؤسسين باعتبارهم جزءًا من الماضي الذي ينبغي تفسيره، لكن حالة ابن نصير قد تكون مختلفة. فربما يكون الرجل الذي وضعته القرون في بداية الكتاب هو نفسه الذي نحتاج إليه في الصفحة الأخيرة، لأن الأزمة التي تعيشها الهوية العلوية ليست تاريخية فقط، بل أزمة معنى أيضًا: ماذا نبقي؟ ماذا نترك؟ هل نحن مذهب فقهي؟ أم فرقة شيعية؟ أم طائفة اجتماعية؟ أم تراث عرفاني؟ وماذا يمكن أن نقول لطفل علوي يولد في القرن الحادي والعشرين إذا سأل: ما جوهر هذه الهوية؟
يصعب أن نجيبه بقوائم المراتب، ويصعب أكثر أن نطلب منه الإيمان بكوزمولوجيا لم تعد جزءًا من صورة العالم التي يعيش فيها. لكننا نستطيع أن نقول له شيئًا بالغ البساطة والجمال: في قلب تراثك فكرة تقول إن وراء الظاهر معنى، وإن الحقيقة أعظم من صورها، وإن الإنسان يستطيع أن يرتقي من الصورة إلى المعنى. هنا يصبح التراث قابلًا للتوريث من جديد، لا بوصفه عبئًا، بل بوصفه أفقًا.
أعيدوا ابن نصير من القداسة إلى الفكر
ربما كان أجمل إنصاف يمكن تقديمه لمحمد بن نصير ألا نقدسه أكثر. لقد أخذ من القداسة ما يكفي؛ ما يحتاجه اليوم هو أن نسمح له بأن يفكر من جديد. أن نخرجه من صورة «الباب» التي وضعه فيها اللاحقون، وأن نجلس إليه بوصفه صاحب سؤال. يمكن أن نختلف معه، وأن نترك بعض كوزمولوجيته، ونرفض بعض تصوراته، ونعيد تفسير غيرها. فهو ابن القرن الثالث الهجري، ولسنا مطالبين بأن نصبح أبناء القرن الثالث لكي نحترمه. لكننا نستطيع أن نأخذ منه الجوهرة التي بقيت تحت كل الطبقات: المعنى، ثم نتركها تنمو من جديد.
الدراسات الحديثة أعادت لمحمد بن نصير تاريخه، لكن مسؤولية العلويين اليوم قد تكون أكبر: أن يعيدوا إليه مستقبله. أن يكفوا عن النظر إليه باعتباره محطة أولى تجاوزها المتأخرون، وأن يطرحوا احتمالًا معاكسًا وربما مزعجًا: ماذا لو كان المتأخرون، وهم يبنون المذهب، قد ابتعدوا عن أكثر عناصر المؤسس قيمة؟ وماذا لو كان الطريق إلى الأمام يحتاج، في بعض جوانبه، إلى العودة إلى الوراء، لا إلى الماضي الاجتماعي ولا إلى السرية ولا إلى عالم القرون الوسطى، بل إلى اللحظة التي كان فيها كل شيء لا يزال مفتوحًا؛ قبل أن يصبح السؤال طقسًا، وقبل أن يتحول الرمز إلى عقيدة حرفية، وقبل أن تتحول السماء إلى مراتب؟
إلى اللحظة التي وقف فيها محمد بن نصير أمام سر الوجود ووضع في مركزه كلمة واحدة: المعنى.
ربما كان في هذه الكلمة من القوة ما يكفي لإعادة بناء رؤية روحية كاملة، وربما كان ابن نصير، إذا تحرر من الصورة التي صنعها له المتأخرون، قادرًا على تجاوز الحدود التاريخية للنصيرية نفسها، وأن يقدم للعلوي خصوصًا وللإنسان عمومًا فكرة بسيطة وعميقة: لا تجعل الصورة إلهًا، ولا تجعل الاسم نهاية الحقيقة، ولا تجعل الموروث سقفًا للعقل؛ ابحث دائمًا عما وراءها، عن المعنى.
لهذا لا أرى العودة إلى محمد بن نصير حنينًا إلى الماضي، بل أراها واحدًا من أكثر الطرق جرأة للذهاب إلى المستقبل. فإذا كان على العلوية أن تجد لنفسها لغة روحية تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين، فقد لا تحتاج إلى اختراع نفسها من الصفر؛ ربما يكفيها أولًا أن تزيح ما تراكم، وأن تعيد اكتشاف الرجل الذي بدأ منه كل شيء.
قبل المذهب كان المعنى، وقبل المتأخرين كان ابن نصير. وربما يكون الرجوع إلى فلسفة المؤسس بداية الطريق من مأزق التاريخ إلى أفق الإنسان.
1. Friedman, Yaron. The Nuṣayrī-ʿAlawīs: An Introduction to the Religion, History and Identity of the Leading Minority in Syria. Leiden: Brill, 2010.
2. Friedman, Yaron. “Moḥammad b. Noṣayr.” Encyclopaedia Iranica, 2000; updated 2012.
3. Bar-Asher, Meir M., and Aryeh Kofsky. The Nuṣayrī-ʿAlawī Religion: An Enquiry into Its Theology and Liturgy. Leiden: Brill, 2002.
4. Halm, Heinz. Die islamische Gnosis: Die extreme Schia und die ʿAlawiten. Zürich/München: Artemis Verlag, 1982.
5. Asatryan, Mushegh. Controversies in Formative Shiʿi Islam: The Ghulat Muslims and Their Beliefs. London: I.B. Tauris, 2017.
6. Asatryan, Mushegh. “Shiite Underground Literature Between Iraq and Syria: ‘The Book of Shadows’ and the History of the Early Ghulat.” In Texts in Transit in the Medieval Mediterranean, edited by Y. Tzvi Langermann and Robert G. Morrison. University Park: Penn State University Press, 2016, pp. 128–161.
7. Bar-Asher, Meir M. “Noṣayris.” Encyclopaedia Iranica, 2003; updated 2012.
8. Steigerwald, Diana. “Ibn Nuṣayr.” Encyclopaedia of Islam, THREE. Leiden: Brill, 2010.
9. Tendler Krieger, Bella. “The Rediscovery of Samuel Lyde’s Lost Nuṣayrī Kitāb al-Mashyakha (Manual for Shaykhs).” Journal of the Royal Asiatic Society 24, no. 1 (2014): 1–16.
10. Winter, Stefan. A History of the ʿAlawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic. Princeton: Princeton University Press, 2016.
11. محمد بن نصير. الأكوار والأدوار النورانية. ضمن رسائل الحكمة العلوية، ج 1، 2006.
12. محمد بن نصير. كتاب المثال والصورة. ضمن رسائل الحكمة العلوية، ج 1، 2006.