350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
2026.08.14
سيمون خالد علي
من اللغز الى الهوية
350 عاما من بناء الصورة الأكاديمية للعلويين بين الرحلة والاستشراق والسياسة والتاريخ الحديث
العلويون، المعروفون تاريخيا بالنصيريين، يشكلون حالة فريدة في حقل دراسات الشرق الادنى والاديان المقارنة. فهذه الطائفة ظهرت في معظم الكتابات الاوروبية والعربية بوصفها معضلة معرفية وسياسية في آن واحد. يمكن تلخيص ما يسمى هنا المشكلة النصيرية / العلوية في بعدين متداخلين بعد اول يرتبط بطابع الطائفة السري وطقوسها الباطنية وما يحيط به من غموض لاهوتي، وبعد ثان يرتبط بموقعها في بنية السلطة في سوريا الحديثة، حيث تحولت من اقلية جبلية مهمشة في ادبيات القرن التاسع عشر الى نواة صلبة للنظام الحاكم في اواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
هذا التداخل بين السرية والسلطة، بين الجبل المغلق والمؤسسة العسكرية والامنية المفتوحة بقسوة، هو الذي جعل العلويين موضوعا مفضلا لمقاربات متعارضة احيانا ومتواطئة احيانا اخرى من الرحالة الذين بحثوا عن الغرائبي، الى المبشرين الذين بحثوا عن الهرطقة، الى المستشرقين الذين بحثوا عن البقايا الوثنية، ثم الى علماء السياسة الذين بحثوا عن نموذج يفسر حكم الاقليات. في كل هذه التحولات، ظل التوتر قائما بين صورة العلوي كفاعل لاهوتي غامض وصورته كفاعل سياسي شديد الوضوح.
يدرس هذا التأريخ النقدي العلويين و يدرس ايضا الباحث نفسه ما الذي كان يبحث عنه الرحالة والمبشر والمستشرق وعالم السياسة والمؤرخ الاجتماعي حين التفتوا الى هذه الطائفة بالتحديد؟ كيف تحولت النصيرية من لغز لاهوتي الى مسألة امنية ثم الى قضية اقليات ثم الى ملف ارشيفي يعاد قراءته بمنهج نقدي؟ عبر تتبع هذه التحولات النموذجية Paradigm shifts، يصبح من الممكن تفكيك طبقات الصورة المتخيلة عن العلويين، والتمييز بين ما يعود الى واقع الطائفة تاريخيا وما يعود الى حاجات وخيالات من كتبوا عنها عبر ثلاثمئة وخمسين عاما.
تظهر قراءة تاريخ الدراسات المتعلقة بالعلويين ان الخطاب الاكاديمي لم يتطور في خط مستقيم، بل عبر سلسلة من التحولات النموذجية او الالتحول النموذجيات التي عكست في كل مرحلة حاجات الباحثين اكثر مما عكست واقع الطائفة نفسها.
فالتحول النموذجي الاول كان الرحالة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث سعى هؤلاء الى البحث عن الغرائبي واللامألوف. وجدوا امامهم مجتمعا جبليا منعزلا وطقوسا غير مألوفة، فبنى مندريل وغيره صورة الطائفة الغامضة التي تعيش على هامش العالم الاسلامي.
ثم جاء التحول النموذجي الثاني في القرن التاسع عشر، مع المبشرين والمستشرقين الكلاسيكيين الذين كان شغلهم الشاغل البحث عن الاصول. حاول هؤلاء تحديد جذور الطائفة هل هي بقايا وثنية كنعانية وفينيقية كما زعم رينان ودوسو، ام مسيحية ضائعة خرجت عن الكنائس الشرقية كما اعتقد لايد ولامنس؟ هكذا تحولت النصيرية الى متحف احياء للاديان القديمة، تبعا لميل المستشرقين لتفسير الظواهر من خلال بقايا الماضي.
وفي القرن العشرين ظهر التحول النموذجي الثالث، التحول النموذجي للعلوم السياسية، الذي لم يعد مهتما بما يؤمن به العلويون بقدر اهتمامه بكيف وصلوا الى السلطة. هنا صار السؤال المركزي هو ، كيف تمكنت اقلية عددية من لعب دور حاسم في الجيش والحزب والدولة. فوجد فان دام وبايبس وغيرهما تفسيرات مبنية على التضامن الطائفي والريفية والبنية العسكرية الجديدة في دولة ما بعد الاستقلال.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين تكوّن التحول النموذجي الرابع، المؤرخين المراجعين الذين استفادوا من مصادر جديدة، اهمها الارشيف العثماني والنصوص الدينية الداخلية. اظهرت هذه المرحلة ان الصورة الكلاسيكية عن العزلة، والوثنية، والغموض، ليست سوى بناءات معرفية اكثر منها حقائق تاريخية. كشف وينتر وفريدمان، كل من زاويته، ان العلويين كانوا جزءا من المجتمع الاقليمي، مندمجين في انظمته الاقتصادية والاجتماعية والادارية، وان لاهوتهم اقرب الى الغلاة الشيعة منه الى اي ديانة وثنية مفترضة.
ويستند هذا التحليل الهيستوريوغرافي الى ببليوغرافيا واسعة تضم تسعة وتسعين مدخلا، تم انتقاء الاعمال الاكثر تاثيرا منها باعتبارها نقاط تحول ، من كتاب رينيه دوسو التأسيسي عام 1900، الى تحليل حنا بطاطو الاجتماعي عام 1999، ونص فان دام السياسي عام 1979، وصولا الى الثورة المعرفية التي اطلقها يارون فريدمان عام 2010 وستيفان وينتر عام 2016، والتي اعادت صياغة اسس دراسة العلويين بالكامل.
لم تدخل النصيرية او العلوية الى الوعي الاوروبي من باب الدراسات المنهجية، بل من بوابة الرحلة. فالكتابات الاولى التي تناولت هذه الجماعة لم تكن ابحاثا منظمة ولا تحليلات لاهوتية او تاريخية، بل ملاحظات جزئية دوّنها رحالة ورجال دين اوروبيون كانت همومهم شخصية او تبشيرية او فضولية. ومع ذلك، ورغم هشاشة هذه النصوص وتناقضها، فقد ارست الاسس الاولى لصورة نمطية ستظل مهيمنة لقرون طويلة.
كانت الصورة الاجتماعية المبكرة التي كتبها هؤلاء الرحالة اقرب الى رسم ملامح لطائفة مجهولة منها الى بحث علمي. لكنها، بما انها كانت المصدر الوحيد المتاح للباحثين لاحقا، تحولت الى مادة صلبة تشكلت فوقها كل النظريات الاستشراقية اللاحقة حول اصل العلويين وعقيدتهم وتاريخهم.
المشاهدات التأسيسية
هنري مندريل
في رحلته من حلب الى القدس عام 1697، قدّم مندريل اول وصف شبه منهجي للعلويين. لم يكن مهتما بفقههم او تاريخهم، بل بالاثر المدهش الذي تركته ممارساتهم الدينية على عين الرحالة الاوروبي. وصفهم كطائفة غامضة تسكن جبال اللاذقية، وفي لحظة نقدية حاسمة اطلق وصفا سيصبح مركزيا في كل الادبيات اللاحقة العلويون حرباء دينية يتلونون بحسب الطرف الذي يخاطبهم. في هذه الجملة ولدت سردية التقية والسرية التي سترافقهم اكثر من ثلاثمئة عام.
كارستن نيبور
يمثل نيبور انتقالا مهما من وصف الانطباعات الى وصف يعتمد المنهج العلمي الاول. فبخلاف مندريل، لم يكتف بالاشاعات، بل بحث عن نصوص. وقد ذكر في عمله عام 1778 انه اطّلع على اطروحة نصيرية استولى عليها العثمانيون. هذه النقلة من الرواية الشفوية الى الوثيقة المكتوبة كانت لحظة تحولية في تاريخ دراسة الطائفة. كما شكك نيبور في كثير من الاساطير المنتشرة، رافضا اتهامهم بعبادة الشمس، ومرجحا ان ما رآه بعض الرحالة مجرد التباس في الرموز والاسماء السرية. كما لاحظ انهم يسمون انفسهم داخليا المؤمنين. كانت هذه اول اشارة الى وجود هوية دينية داخلية مستقلة عن التصنيفات الخارجية.
كونستانتين فولني
لم يكن فولني معنيا بالطقوس بقدر اهتمامه بالسياق الاجتماعي والسياسي. ففي كتابه رحلة في سوريا ومصر عام 1787، رسم صورة العلويين بوصفهم جماعة مظلومة تعيش على هامش الحكم العثماني. كان فولني اول من ادخل بعدا اجتماعيا سياسيا الى النصيريين في الكتابة الاوروبية. ولد هنا مفهوم العزلة الجبلية المرتبطة بالاضطهاد، وهي فكرة ستصبح لاحقا عنصرا مركزيا في الادبيات القومية العربية والعلوية معا.
جوزيف سيمون اسماني
في النصف الاول من القرن الثامن عشر جاء اسماني، امين مكتبة الفاتيكان، ليقدم اول محاولة تصنيفية منهجية للعلويين. لم يكن معنيا بغرابة طقوسهم بقدر اهتمامه بادراجهم ضمن خارطة الفرق الاسلامية. صنفهم كغلاة شيعة، معتبرا انهم مجموعة هراطقة اقرب الى الغنوصية منها الى الاسلام التقليدي. كانت هذه بداية ادخال النصيرية الى منظومة التصانيف الكنسية والمذهبية، وهو اطار سيهيمن على اغلب ادبيات القرن التاسع عشر.
المدرسة الالمانية المبكرة تيخسن وباولوس
شكلت نقاشات المستشرقين الالمان محاولة لايجاد اصل لغوي للاسم نصيري. هل هم نصارى (مسيحيون)؟ ام ناصوريون (مندائيون)؟ هذا الهوس بالاشتقاق اللغوي كان جزءا من المشروع الالماني الاوسع لفهم الاديان الشرقية عبر جذورها اللغوية. وعلى الرغم من خطأ كثير من هذه الفرضيات، الا انها ساهمت في تشكيل التصور اللاحق الذي تبناه رينان ودوسو وغيرهما.
ما انتجته هذه المرحلة لم يكن علما بالمعنى الدقيق، بل مجموعة شذرات متفرقة شكلت بنية اولية للصورة النمطية
الغموض، الجبل، التقية، الظلم، الهرطقة، والتعددية الدينية.
والاهم من كل ذلك ان المعرفة في هذه المرحلة كانت انعكاسا مباشرا لهوية من كتبها
مندريل رجل دين فرأى الغموض الروحي،
اسماني امين مكتبة فرأى الهرطقة والتنظيم المذهبي،
نيبور عالم فبحث عن تفسير عقلاني،
وفولني فيلسوف فقرأ الظلم الاجتماعي.
بهذا الشكل، كان النصيريون في هذه الفترة انعكاسا لهواجس المراقب الاوروبي اكثر مما كان انعكاسا لواقع الطائفة. والاخطر ان هذه البناءات الاولى تحولت الى مسلمات راسخة اعيد تدويرها في الاستشراق الكلاسيكي والعلوم السياسية الحديثة، حتى قبل ان تبدأ دراسة الطائفة فعلا بمعايير علمية معاصرة.
يمثل منتصف القرن التاسع عشر نقطة الانعطاف الحاسمة في تاريخ دراسة العلويين. فبعد مرحلة الرحالة والانطباعات السطحية، جاء هذا العصر بما يشبه الخرق الاول لجدار السرية المحيط بالطائفة، لا عبر مناهج علمية رصينة، بل عبر ثلاث قوى متداخلة الادب التخيلي، التبشير البروتستانتي، والردة الداخلية. كانت هذه القوى، رغم اختلاف منطلقاتها، متفقة على شيء واحد تحويل النصيرية الى لغز، وغموض، وسر يريد الجميع فك شيفرته.
هذه اللحظة حدث معرفي اعاد صياغة موضوع الدراسة نفسه. ابتداء من هذه المرحلة، لم يعد العلوي مجرد جماعة جبلية، بل اصبح لغزا اسيويا يختلط فيه الفلسفي باللاهوتي بعلم الاعراق.
بنجامين ديزرائيلي الاديب الذي اخترع اللغز
في روايته تانكرد عام 1847 اطلق ديزرائيلي عبارته التي ستصبح علامة فارقة اللغز الاسيوي العظيم. لم يكن هدفه الحديث عن النصيرية تحديدا، لكنه وضع الاطار الفكري الذي سيحتويه كل حديث لاحق عنهم الشرق بوصفه خزانا للمعرفة الباطنية الغنوصية، والديانات الغامضة الموروثة من عصور ما قبل التوحيد. هكذا، وبضربة خيال ادبي، تحول العلوي في الخيال البريطاني الى كائن غنوصي، اقرب الى الحكيم القديم منه الى المسلم الريفي.
هذه الاستعارة الادبية ستصبح بنية تفسيرية كاملة، وستعطي للمبشرين والمستشرقين قاعدة جاهزة لإسقاط تصوراتهم.
سليمان الاضني المرتد الذي زعم امتلاك المفاتيح
في عام 1863 ظهرت الباكورة السليمانية، النص الاكثر تاثيرا في تاريخ الدراسات العلوية خلال القرن التاسع عشر. الاضني، الذي قدم نفسه كعضو سابق في الطائفة ارتد لاحقا الى المسيحية، زعم انه يكشف اسرار الدين النصيري من الداخل.
قدم الاداني لاهوتا مكتملا، لكنه لاهوت مشوّه بموقفه العقائدي الجديد
كان هذا النص بالنسبة للاوروبيين كنزا لا يقدر بثمن لاول مرة يظهر شخص من الداخل يقدم رواية متماسكة. لكن المشكلة ان هذا النص، الذي سيعتمد عليه دوسو لاحقا، كان يحمل بصمة المرتد الباحث عن تبرير خروجه. ومع ذلك، سيصبح المرجع المركزي للادبيات الفرنسية والانكليزية.
صموئيل لايد المبشر الذي اعاد صياغة اللغز
بعد ديزرائيلي بثلاثة عشر عاما، اصدر لايد كتابه اللغز الاسيوي عام 1860، مستعيرا عنوان الادب السياسي-التخيلي وجاعلا منه اطارا تبشيريا. عاش لايد بين العلويين مدة طويلة نسبيا، وتمكن من الحصول على نص داخلي اخر.
لكن ما قدمه لايد لم يكن عرضا محايدا، بل اثنوغرافيا واضحة التحيز، تهدف لاظهار ان العلويين
مسيحيون ضالون
فقدوا الطريق وهم جاهزون للعودة الى المسيحية عبر الجهد التبشيري
هكذا خلق لايد سردية جديدة النصيري بوصفه مسيحيا مشوها يجب اصلاحه، لا وثنيا شرقيا كما تصور رينان لاحقا.
كاتافاغو الدبلوماسي الذي قدم النصوص الاولى
قبل الاضني ولايد، نشر القنصل البروسي جوزيف كاتافاغو عام 1848 مجموعة من النصوص الليتورجية النصيرية،. كانت هذه اول مرة تظهر فيها مواد دينية نصيرية مكتوبة في اوروبا. وعلى الرغم من اهمية عمله، فقد طغت على جهده نصوص الاضني ولايد الاكثر اثارة.
مع ذلك، كان كاتافاغو هو من قدم المادة الخام التي ستستخدم لاحقا في كل التحليلات الاستشراقية.
صراع المصادر وبناء الهيكل المشوّه
البيانات المتاحة في هذه الفترة كانت مصدرين
نص مرتد (الاداني)
نص مبشر (لايد)
كلاهما غير موثوق من منظور منهجي. ومع ذلك، تم التعامل معهما بوصفهما كشفا للسر. اعتمد دوسو لاحقا على الاضني بشكل كبير، واعتمد لامنس على لايد، فترسخت صورة مشوهة ومنحازة للعقيدة النصيرية، تم تثبيتها في الدراسة الاوروبية لمدة قرن كامل.
اصبح العلوي في هذا التحول النموذجي الجديد ليس فرعا اسلاميا، ولا جماعة ريفية، ولا طائفة صوفية، بل بقايا ديانة غنوصية وثنية مسيحية، خليط غير منسجم من طبقات دينية قديمة، تتشارك كلها في شيء واحد الغموض.
يتبع................
سيمون خالد علي
-----------------------------------------------------
الصورة المرفقة خريطة تعود الى اوائل القرن التاسع عشر وتمثل اقليم سوريا كما كان يعرف في الجغرافيا الغربية قبل الترسيمات الحديثة، ممتدا من جبال طوروس شمالا حتى خليج العقبة جنوبا، ومن ساحل البحر المتوسط غربا حتى بادية الشام شرقا. تظهر عليها بوضوح مدن الساحل اللاذقية وطرطوس وصافيتا وعكا، اضافة الى شبكة طرق القوافل القديمة بين حلب وحمص ودمشق وطرابلس. اعتمد عليها الرحالة الاوروبيون في تلك الفترة مثل جون لويس بوركارد في رحلته عام 1812، وتساعد على فهم السياق المكاني ليومياته ومشاهداته عبر الجبال والوديان والسهول التي مر بها.