كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل سرق العلويون تاريخ غيرهم؟ أم تعاقبت القداسة؟

سيمون خالد علي

كثرت في الآونة الاخيرة كتابات انفعالية يطرحها بعض صغار السن ومن يتوهمون امتلاك ناصية العلم التاريخي، يقدمون استنتاجات كبرى اعتمادا على تشابه اسم او صورة اثر او رواية مبتورة، ثم يبنون عليها اتهامات واسعة بسرقة التاريخ وتزويره. وهذه المقالة رد منهجي على هذا النمط من الطرح السطحي، عبر تفكيك الادعاءات بلغة التاريخ والاثر والمنهج العلمي.
وجود مقدسات مسيحية او بيزنطية او اسماعيلية في مواقع الساحل السوري، جزء من تاريخ المنطقة. اما تحويل هذه الحقيقة الى اتهام جماعي يقول ان العلويين سرقوا تاريخ غيرهم. وهذا حقد و جهل و نسيان، لان وجود كتلة اثرية اقدم تحت مقام قدّس فيما بعد يدل على تعاقب القداسة والذاكرة على المكان.
الفكرة المركزية بسيطة و حاسمة، السكان اقدم من المذاهب، والمكان اقدم من الاسماء، والحضرة او المزار لا يعني قبرا، وتحول الموقع المقدس لا يعني سرقة. ولهذا فان الاتهام المطروح الضعيف يخلط الحابل بالنابل وجود السكان، وتاريخ تبلور المذهب، والشواهد الاثرية القديمة، والاسم الطقسي، والمقام الرمزي في مقابل القبر الفعلي. حين تختلط هذه الافكار يتحول التاريخ من قراءة للادلة الى نزاع على الملكية الرمزية، مع ان دراسات المزارات المشتركة في شرق المتوسط تصف شيئا مختلفا تماما، استمرارا للذاكرة المحلية عبر تبدل اللغات والسلطات والطقوس والاستعمالات.
المنهج قبل الاتهام
لا يجوز اصدار حكم واحد على كنيسة، او دير، او مدرسة اسماعيلية، او مسجد مملوكي، او برج عسكري، او مقام ولي. المؤرخ الجاد يبدأ من كل موقع على حدة، متى ظهر الاسم القديم، ومتى ظهر الاسم الحالي، وهل توجد كتابة حجرية، وهل توجد خريطة اثرية، وهل يوجد سجل اوقاف، وهل نحن امام قبر فعلي ام حضرة تذكارية او موضع نذر، وهل بقي الاصل معروفا في الكلام المحلي، وهل حدث محو مقصود ام تعاقب استعمال. هذا هو المعنى العملي للبحث التاريخي القائم على الفحص النقدي للمصادر.
ومجرد ان الموقع اقدم من اسمه الحالي لا يكفي لاثبات شيء. فمعظم مواقع سوريا اقدم من اسمائها المتداولة اليوم. مدينة جبلة نفسها يبين وصفها الاثري الرسمي انها وردت في نصوص اوغاريت باسم جبعلا، ثم عرفت في العصرين الهلنستي والروماني باسم جابالا و اسماء اخرى كثيرة، ثم استقر اسمها العربي جبلة في العصر العباسي. فهل يعني هذا ان الاسم العربي سرق المدينة؟ بالطبع لا. هذا يعني فقط ان المدينة عاشت تراكمات لغوية وسياسية وحضارية متعددة، وان الاسم الاخير لا يلغي وجود ما قبله ولا يلغيه ما بعده.
ومن هنا فالسؤال العلمي ما طبيعة العلاقة بين المقدسين؟ هل نحن امام استمرار للقداسة في الموضع نفسه؟ امام اعادة تفسير رمزي؟ امام ترميم حديث؟ امام انتقال جماعة جديدة الى موقع له تاريخ سابق؟ ام امام مشروع محو موثق؟ الفرق بين هذه الاحتمالات هو الفرق بين التاريخ والاتهام.
السكان اقدم من المذاهب والجبل حاضنة تاريخية
الخطا المنهجي الاكبر في هذا النوع من السجال هو اختزال وجود العلويين بمحمد بن نصير وحده، او بالخصيبي، او بالطبراني، وكأن هؤلاء خلقوا سكان الجبل والساحل من العدم. المقالة الموسوعية لميير بار اشر عن العلويين تميز بوضوح بين المرحلة القديمةو النواة المرتبطة بــ محمد بن نصير في القرن التاسع، وبين الدور المؤسس الذي لعبه الحسين بن حمدان الخصيبي، ثم الدور الحاسم الذي لعبه ميمون الطبراني الموجود مقامه في اللاذقية (راجع الطبراني و البطراني).
اسماء مرت عبر ازمنة امورية وفينيقية ويونانية ورومانية وبيزنطية ثم اسلامية. الفكرة الساذجة التي تجعل هوية السكان الحالية هي نقطة البداية الوحيدة لتاريخ المكان. التاريخ الفعلي ينطلق من الاستيطان الطويل، والتحول البطيء، واعادة التسمية، واعادة التقديس، وتبدل البنى الاجتماعية عبر قرون طويلة.
كما ان الجبل في بلاد الشام كان بنية حماية اجتماعية وسياسية ودينية. النصوص الموسوعية عن العلويينن تبين انتقال ثقل الجماعة الى الساحل الجبلي، القلاع في سوريا، كانت جزءا من بنية الاحتماء والتمركز في الجبال. وفي الرواية التاريخية عن مصياف، اتجه الاسماعيليون الى جبال الانصارية بعد اضطهادات المدن، لان الجبل كان فضاء قابلا لاعادة التنظيم والحماية والاستقرار. لذلك فوجود المقامات فوق القمم وعند الينابيع وفي قلب القرى يدل على علاقة طويلة بين السكان والمكان.
وبهذا المعنى يكون السؤال الصحيح هو الذي ينبغي ان يحل محل السؤال المشبع بالافكار المسبقة، من هم سكان هذه الجبال والسواحل عبر العصور؟ وكيف تغيرت اسماؤهم ومذاهبهم وطقوسهم وولاءاتهم المحلية؟ اما السؤال: هل كانوا يسمون انصاريون في العصر البيزنطي؟
المقام ليس دائما قبرا وتعاقب القداسة ليس سرقة
في ثقافة الشام عموما، كلمة مقام لا تعادل دائما قبرا فعليا. دراسات المقامات والزيارات في فلسطين والشرق الادنى تظهر ان المقام موضع تشريف، او محطة ذاكرة، او بناء تذكاريا فوق موضع منسوب الى نبي او ولي، او مكانا ارتبط بشجرة او عين ماء او قمة او صخرة او سيرة محلية. وفي بعض الحالات يكون ما في الداخل شاهدا رمزيا او ضريحا تذكاريا بدون جسد. لهذا فوجود مقام ليس بالضرورة وجود قبر، ووجود ضريح فوق اثر اقدم لا يثبت انتحال قبر اقدم.
وتؤكد الدراسات نفسها ان المقامات ترتبط كثيرا بالطبيعة المقدسة، شجر، وينابيع، وكهوف، وربى، ومواضع مرور. لخصت دراسات على خطى توفيق كنعان (كنعان حقيقي) ان كثيرا من هذه المواضع اكتسب قداسته من ارتباطه بعنصر طبيعي اقدم من المبنى نفسه، ثم صيغت حوله رواية دينية او شعبية فيما بعد. هذا يعني ان القداسة المحلية تنتقل من شجرة الى قبة، ومن عين ماء الى مزار، ومن مزار الى حضرة، هذا التحول يحتاج الى عقول لتستوعبه و تفهمه.
هناك مزارات يعرف اهلها ان الصلة فيها صلة حضور ومعنى ونذر وبركة، . ويكفي للتوضيح مثال الخضر، وجود مقامات كثيرة للخضر في بلاد الشام والاردن وتركيا يعني حضورا رمزيا متجددا لشخصية مقدسة كاسرة للحدود الدينية والجغرافية. الوثائق التعريفية الحديثة عن مزارات الاردن تربط كثرة مزارات الخضر بانتشار شخصيته في الذاكرة الدينية.
اما من جهة تعاقب القداسة، فالمثال الكلاسيكي في سوريا هو الجامع الاموي في دمشق. فالموقع عرف بقايا معبد ارامي قديم، ثم معبدا رومانيا لجوبيتر، ثم كنيسة ليوحنا المعمدان، ثم الجامع الاموي، ومع ذلك بقي في داخله موضع مكرم ينسب الى يحيى ويحترمه المسلمون وبعض المسيحيين. وكذلك توصف بصرى في توصيف اليونسكو مدينة متعددة الطبقات تضم المسرح الروماني، والاثار المسيحية المبكرة، وعددا من المساجد داخل اسوار واحدة. المؤرخ يسمي هذا تاريخا عمرانيا ودينيا تراكم فيه الاستعمال فوق الاستعمال.
اذا كان تحول معبد الى كنيسة ثم الى جامع يدرس بمنطق تعاقب السلطة والقداسة والذاكرة، فلا يجوز انقلاب المنهج فجاة حين يتعلق الامر بمقام شعبي . عندئذ تصبح السرقة وصفا لا يثبت الا اذا وجد دليل مباشر على المحو المتعمد، او على الاستيلاء الموثق، او على منع الجماعة السابقة من الوصول، او على تغيير الهوية بقرار سياسي ظاهر. اما وجود تاريخ اقدم تحت التاريخ الحالي فهو مادة للدرس.
المزارات المشتركة تكسر منطق الملكية الطائفية
الادبيات الحديثة عن المزارات المشتركة في شرق المتوسط تهدم من الاساس فكرة الملكية الطائفية الصلبة للمكان المقدس. في دراسات هاتاي، يبين ينس كراينات ومَن سار في الاتجاه نفسه ان زيارة المواقع المشتركة ما تزال ممارسة حية بين مسلمين سنة وعلويين ومسيحيين ارثوذكس يونان وارمن ارثوذكس، وان هذه الزيارات تقوم على طقوس متجاورة ومتكاملة،نذر، طلب شفاء، احلام، بركة، وحضور متبادل عند مواضع ينظر اليها كل طرف من لغته الدينية الخاصة.
ومفهوم تداخل الطقوس الذي يستخدمه كراينات ينقل النقاش من سؤال من يملك المكان الى سؤال كيف تتجاور الطقوس داخله. فالمزار يحمله اسم مختلف عند جماعتين، لكن الممارسة الشعبية تكشف ان السلوك التعبدي نفسه يتكرر، لمس، تقبيل، نذر، سهر، طلب شفاء، استشفاع. وحين تتكرر هذه البنية عبر جماعات متعددة يصبح الاختلاف في الاسم جزءا من ترجمة القداسة.
الدراسات الخاصة بهاتاي تسجل ان بعض الرواة والممارسات الشعبية يرون الخضر ومار جرجس او مار كوركوسا اسمين او صورتين لشخصية مقدسة واحدة. وهذا بالضبط ما ينسف منطق الاتهام القائم على ان اختلاف الاسم وحده يساوي انتحالا. احيانا يكون اختلاف الاسم هو اللغة الداخلية لكل جماعة في التعبير عن قداسة مشتركة.
والامر نفسه ينطبق على احترام العلويين لرموز مقدسة اسلامية عامة مثل ابراهيم بن ادهم. فالمصادر الموسوعية تعرفه زاهدا ومتصوفا مبكرا من كبار اعلام الزهد، هاجر الى سوريا وقتل في حدود اواخر القرن الثامن، وصار من الشخصيات المؤسسة في التراث الصوفي. احترام جماعة محلية له يضعه في مكانه الطبيعي، قديس اسلامي عابر للمذاهب والحدود الفقهية.
اما الامثلة المحلية المتداولة مثل المشهد العالي وبعض زيارات الشيخ محمد، تدخل في باب التعدد العملي للمزار. المشهد العالي نفسه موضع اسماعيلي معروف في الادبيات التعريفية عن الاسماعيليين في سوريا، وان ظاهرة الزيارة السابقة للجماعات موثقة بقوة في المشرق والبحر المتوسط. ومن ثم فكل حديث عن الاستعمالات المتعددة لهذه المواضع يجب ان يبدأ من المشاركة وتراكم الرموز.
قضية ثالالايوس واحمد قرفيص/قرفاص
هذه القضية هي قلب الادعاء، وهي ايضا اسهل موضع يظهر فيه الخلل المنهجي. فالحجة، في صورتها المبسطة، تقول: ثالالايوس عاش قرب جبلة، وعاش منحنيا داخل صومعة ضيقة، واسم قرفيص يشبه القرفصاء، اذا مقام الشيخ احمد قرفيص هو في الاصل ضريح ثالالايوس. هذه قفزة من تشابه لفظي جزئي الى تطابق شخصي ومكاني وزمني بدون جسر نصي او اثري.
اول ما يجب تصحيحه هو ان اسم ثالالايوس يطلق في المصادر الكنسية على شخصيتين مختلفتين. هناك ثالالايوس الشهيد في ايغاي بكيليكيا، الذي قتل في القرن الثالث، كما تذكره مادة الكنيسة الارثوذكسية في امريكا. وهناك ثالالايوس الناسك السوري قرب جبلة في القرن الخامس، وهو موضوع الفصل الثامن والعشرين من كتاب تاريخ رهبان سوريا لــ ثيودوريتوس القورشي. الخلط بين الشهيد والناسك وحده كاف لافساد جزء من الادعاء.
النص الاساسي عند ثيودوريتوس واضح جدا. فهو يقول ان ثالالايوس قصد تلا يبعد عشرين استادا عن جبلة، وكان فيه حرم وثني مخصص للشياطين ومحاط بذكريات عبادة قديمة، ثم نصب هناك كوخا صغيرا. وبعد ذلك صنع لنفسه بناء ضيقا معلقا و اضطر، بسبب ضخامة جسده، الى ان يجلس منحنيا ورجلاه مضمومتان الى بدنه وجبهته مضغوطة الى ركبتيه. النص يتحدث عن وضعية نسك اثناء الحياة.
ترجمة ريتشارد برايس للفصل نفسه، في الموضع الذي يحتج به اصحاب هذه الفرضية، لا تذكر شيئا عن دفن بالقرفصاء، ولا تذكر قبر ثالالايوس اصلا، ولا تذكر احمد قرفيص، ولا قرية قرفيص، ولا اي انتقال اسم من اليونانية او السريانية الى اسم اسلامي محلي. الموجود فقط هو راهب حي اتخذ وضعا نسكيا مميزا في حياته. تحويل وضعية حياة تقشفية الى وضعية دفن، ثم تحويلها الى اسم شخص محلي، ثم جعل ذلك كله اصلا لمزار قائم اليوم، خطا مركب.
موقع ثالالايوس كان حرما وثنيا قديما. وثيودوريتوس يقول ايضا ان ثالالايوس، بمساعدة من تحولوا الى المسيحية، هدم الحرم القديم واقام مزارا للشهداء. فاذا كان كل تحول في وظيفة المكان سرقة، يصبح ثالالايوس نفسه مشاركا في تحويل موقع وثني الى موقع مسيحي. لكن القراءة العلمية تسمي ذلك تعاقب وظيفة المكان المقدس ما يباح لواحد يجب ان يباح منهجيا للآخر، والا صار الحكم انتقائيا.
ثم ان الفجوة الزمنية بين ثالالايوس في القرن الخامس وبين الشيخ احمد قرفيص فجوة هائلة. و المراجعة للمصادر لا تقدم جسرا يربط هذا بذاك، لا نقشا، ولا خريطة تطابق، ولا سلسلة نصية متصلة تقول ان اسم ثالالايوس تحول فيما بعد الى احمد قرفيص، ولا رواية محلية قديمة متصلة غير منقطعة تثبت هذا الانتقال.
النص المنشور في الوراق، نقلا عن ديب علي حسن، يذكر شخصية اسمها عماد الدين ابو الحسن احمد بن جابر بن جبلة بن ابي العريض الغساني، وان نصر بن معالي الخرقي وجه اليه مسائل سنة 598 هـ، وانه توفي في قرية قرقيص وهي على جبل عال ينبع من اسفله غربا نهر السن، وان ضريحه بناه احمد بن مخلوف سنة 680 هـ ثم اتمه ولده مهنا، وان له كتابا في الفلسفة. هذه الرواية تكفي وحدها لاظهار ان اسم قرفيص يتحرك داخل مناخ موضعي وشخصي محلي مستقل، لا داخل اشتقاق وحيد حتمي من القرفصاء. كما ان وجود قرية قرفيص نفسها اليوم قرب نبع السن يعضد من حيث المبدأ كون الاسم اسم موضع متداول.
معاجم العربية تذكر ان قرفص يدل على الجمع والشد والجلوس المعروف بالقرفصاء. و معجم LSJ اليوناني يذكر ان κορυφη تعني الراس او القمة او الذروة، كما تذكر بريتانيكا ان اسم كورفو مشتق من koryphai بمعنى القمم او العرفات. هذه المقارنة تضعف الجزم الساذج بان قرفيص لا يمكن ان تكون الا من القرفصاء. الاسم مرتبط بقمة او راس جبل.
بليني يذكر فعلا ان اپامية كانت مفصولة بنهر المريسياس عن tetrarchy of the Nazerini. اسماء السكان والمواضع في هذه المنطقة اقدم واعقد من اختزال وجودهم كله في لحظة تبلور مذهبي حديث.
روبرت هايدن يميز بين المشاركة التنافسية وبين الاستيلاء الذي يهدف الى اظهار الغلبة. وهذا فارق جوهري، ليس كل استعمال استيلاء، وليس كل تعاقب قداسة محوا لماض سابق.
سرقة تراث يحتاج نقشا قديما جرى محوه او طمسه، وثيقة كنسية او ارشيفية تحدد الموقع وتصل اسمه القديم باسمه الحديث على نحو مباشر، خريطة اثرية تطابق الموضعين، سجل وقف يثبت تغييرا مقصودا في الوظيفة، منع جماعة اصلية من الزيارة، رواية محلية قديمة تقر بالتطابق ثم تنكره فيما بعد، او مشروعا سياسيا موثقا لتغيير هوية الموقع. اما مجرد ان الموقع اقدم من اسمه الحالي، او ان تحت قبة رموز بيزنطية او مسيحية او اسماعيلية، فلا يكفي وحده.
وعلى هذا الاساس يجب التعامل مع بقية الامثلة التي ترد في الادعاء، مثل بقايا كنيسة المقاطع ومزار الخضر، ودير مار جرجس في عرامو والشيخ عزيز العجمي، والمدرسة الاسماعيلية قرب قلعة الكهف ومقام الوليدات، وابراهيم بن ادهم في جبلة، والامارة التنوخية، والشيخ يبرق او الخصيبي، وبدر الغفير المحرزي، ومسجد صهيون الاثري ومقام الشيخ عبد الله الجوهري، والبرج العسكري قرب قلعة صهيون ومقام الشيخ حسامو. كل حالة من هذه يحتاج نقشا، ووثيقة، وخريطة، وسجل وقف، ورواية محلية متصلة، ودراسة اثرية، وتحديدا دقيقا هل نحن امام مقام رمزي ام قبر فعلي، وهل المزار خاص ام مشترك، وهل حصل محو ام مجرد تعاقب استعمال.
أما المحارزة والتنوخيون والشيخ بدر الخفير ومقام الشيخ يبرق، فهي أمثلة تؤكد أن تاريخ الجبل قائم على التداخل. فالمحارزة، أو بنو محرز، يظهرون في الرواية المحلية والمشجرات العائلية كبيت زعامة جبلي ارتبط بقلاع الكيمة والمرقب والخوابي والقدموس، ولا يكفي وجودهم في فضاء عرف حضورا إسماعيليا للقول إنهم إسماعيليون سرقهم العلويون. والشيخ بدر الخفير يشير لقب الخفير إلى وظيفة الحراسة والمرابطة في زمن القلاع والصراع مع الصليبيين والمماليك. والتنوخيون، ولا سيما إمارة اللاذقية في القرن الرابع الهجري، يفسرون البيئة السياسية والاجتماعية التي سبقت اكتمال التبلور المذهبي ووفرت حاضنة محلية للدعوة في اللاذقية وجبالها. أما مقام الشيخ يبرق في حلب، موضع متعدد الروايات، رواية علوية تربطه بالحسين بن حمدان الخصيبي، ورواية صوفية حلبية تربطه بالشيخ شمس الدين الرفاعي، ورواية ثالثة ترجح انتقال الرفات او تبدل موضع الذاكرة. لذلك فهذه الامثلة تثبت أن التاريخ المحلي في الساحل وحلب تشكل من أنساب، وتحالفات، ومقامات، ورموز متداخلة. ومن أراد تحويل هذا التعقيد إلى تهمة سرقة، فعليه أن يقدم نقشا أو وثيقة وقف أو مصدرا معاصرا يثبت التحويل المتعمد.
الذاكرة المحلية لم تمح الاصل؛ بقي دير العدرا ديرا، وبقي المسيح ومار جرجس حاضرين في التشريفات، وبقي الخادم خادما للمكان ليس بديلا عنه. كما ان الشيخ عيسى وعبد الله الجوهري ومحيط قلعة صهيون يحنون على قلوب متراكبة من معبد ونبع ودير وزاوية ومقام. هذا هو تعاقب القداسة.
واذا طبقنا منطق اعادة كل شيء الى اصله فسندخل في عبث لا نهاية له، هل نعيد المسجد الى كنيسة، والكنيسة الى معبد، والمعبد الى موضع عبادة اقدم منه، والاسم العربي الى السرياني، والسرياني الى الكنعاني؟ حتى تعبير جبلة الاموية لا يجعل جبلة اختراعا امويا، لان جبلة اقدم من بني امية بقرون طويلة، ومرت باسماء متعددة قبل العصر الاسلامي.
الساحل السوري ذاكرة مشتركة. المسيحي الذي صلى في كنيسة، والاسماعيلي الذي حفظ قلعة، والعلوي الذي زار مقاما، والسني الذي اجل زاهدا، كلهم جزء من تاريخ هذه الارض. المقامات تثبت ان الذاكرة الدينية في الساحل اوسع واقدم واعقد من خطاب الاتهام. تعددت الابواب وبقي القصد واحدا، البحث عن المعنى والبركة في ارض لم تتوقف عن انتاج القداسة.
المراجع
Pliny the Elder, Naturalis Historia / Natural History, Book V.
Theodoret of Cyrrhus, Historia Religiosa / A History of the Monks of Syria, chapter 28, trans. R. M. Price, Cistercian Publications, 1985.
Theodoret de Cyr, Histoire des moines de Syrie, ed. Pierre Canivet and Alice Leroy-Molinghen, Sources Chretiennes, Cerf, 1977-1979.
Oxford, Cult of Saints in Late Antiquity, records S00375 and S01137.
Orthodox Church in America, Venerable Thalelaios the Hermit of Syria.
Orthodox Church in America, Unmercenary Physician Thallelaios at Aegae in Cilicia.
Yaqut al-Hamawi, Mu'jam al-Buldan.
Ibn Shaddad, al-A'laq al-Khatira.
Bar-Asher, Meir M., Noṣayris, Encyclopaedia Iranica.
Bar-Asher, Meir M. and Aryeh Kofsky, The Nuṣayri-'Alawi Religion: An Enquiry into Its Theology and Liturgy, Brill, 2002.
Kreinath, Jens, The Seductiveness of Saints: Interreligious Pilgrimage Sites in Hatay and the Ritual Transformations of Agency, in The Seductions of Pilgrimage, Ashgate, 2015.
Kreinath, Jens, Interrituality as a New Approach for Studying Interreligious Relations and Ritual Dynamics at Shared Pilgrimage Sites in Hatay, Turkey, Interreligious Studies and Intercultural Theology, 2017.
Albera, Dionigi and Maria Couroucli, eds., Sharing Sacred Spaces in the Mediterranean, Indiana University Press, 2012.
Hasluck, F. W., Christianity and Islam under the Sultans, Oxford, 1929.
Meri, Josef W., The Cult of Saints among Muslims and Jews in Medieval Syria, Oxford University Press, 2002.
Hayden, Robert M., Antagonistic Tolerance: Competitive Sharing of Religious Sites and Spaces.
Canaan, Taufik, Mohammedan Saints and Sanctuaries in Palestine, 1927.
Grimes, Ronald L., Beginnings in Ritual Studies.
Bell, Catherine, Ritual Theory, Ritual Practice.
Eliade, Mircea, The Sacred and the Profane.
Liddell and Scott, A Greek-English Lexicon, entry koryphe / κορυφη.
Nicol, Donald M., Byzantium and Venice, Cambridge University Press, 1988.
Ibn Manzur, Lisan al-Arab, مادة قرفص.
Al-Zabidi, Taj al-Arus, مادة قرفص.
المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.
Encyclopaedia Britannica, Great Mosque of Damascus.
UNESCO World Heritage Centre, Ancient City of Bosra.
Grabar, Oleg, The Formation of Islamic Art.
Georges Tchalenko, Villages antiques de la Syrie du Nord.
ديب علي حسن، اعلام من المذهب الجعفري العلوي، ترجمة احمد قرفيص / ابن قرفيص.
موقع الوراق، ترجمة عماد الدين ابن قرفيص، نقلا عن ديب علي حسن. 
قصة "النصيرية" (العلويين) الحقائق التاريخية الموثقة مع المرويات الدينية والقبلية
الملك العلوي أبو الفداء وشيخه حاتم الطوباني: الجغرافي والحاكم الذي سُمّيت فوهة على القمر باسمه
هل سرق العلويون تاريخ غيرهم؟ أم تعاقبت القداسة؟
حين تصبح الكلمة سلاحاً والصمت تواطؤاً
طرطوس الايقونة المفقودة
المدينة والدولة رد على مغالطة الخلط بين اللاذقية ودولة العلويين
شجرة موسى المقدسة
في بلاد العلويين
نسبة العلويين في سوريا 17% قراءة نقدية في التاريخ والديموغرافيا
مشروع تسنين النصيريين في اللاذقية في الفترة العثمانية
وثيقة تحليلية: أحداث دمشق 1860 – انهيار العقد الاجتماعي وصعود سلطة النجاة
خدعة تحويل الشيخ أحمد أفندي الحامد الى الشيخ صالح العلي.. كيف حاولت صورة واحدة صنع رواية مزيفة
الأمير العلوي الخصيبي بدر الجمالي والحرب العلوية- التركية: تحرير العلويين لمصر وإنقاذ العلويين/الشيعة من الأتراك
بعل محسن.. اسم حديث فوق أرض أقدم من الاسم والذاكرة
الدياليكتيك الخصيبي والدياليكتيك الهيغلي