المدينة والدولة رد على مغالطة الخلط بين اللاذقية ودولة العلويين
2026.04.28
المدينة والدولة
رد على مغالطة الخلط بين اللاذقية ودولة العلويين
مقارنة التفاح و الحجارة
سيمون خالد علي
هذا الطرح الذي يدعي ان دولة العلويين كانت مسخرة تاريخية لأن عدد العلويين في مدينة اللاذقية سنة 1923 لم يتجاوز 234 من أصل 21066 نسمة، يكشف مغالطة في قراءة الوثيقة. فالرقم 234 غير دقيق دلاليا، وعليه يقع التزوير الحقيقي في المعنى المنسوب اليها. المشكلة في الوحدة الجغرافية التي ينتمي اليها، والوحدة الاخرى التي يراد تحميله اياها قسرا.
فالدليل السوري لعام 1923، وهو المصدر الذي يستشهد به اصحاب هذا الطرح، يورد في موضع اخر منه ان عدد سكان دولة العلويين بلغ 261162 نسمة، منهم 153398 علويا، اي نحو 58.7 بالمئة من مجموع السكان. من يستشهد برقم 234 وحده ويسكت عن رقم 153398 يقتطع منها ما يخدم نتيجة جاهزة مسبقا ثم يعرض هذا الاجتزاء على انه حقيقة تاريخية. وهذه مغالطة في المنهج والارقام.
المدخل العلمي الصحيح لهذه المسألة يبدا من سؤال بسيط: ما الوحدة الجغرافية التي ينتمي اليها الرقم 234؟ الجواب الذي يقدمه المصدر واضح، هذا الرقم يخص مدينة اللاذقية الحضرية، بعيدا عن دولة العلويين. واللاذقية كانت مركزها الاداري ومينائها فقط. أما الدولة، فكانت كيانا أوسع يضم سنجق اللاذقية وسنجق طرطوس والاقضية الجبلية والريفية التابعة لهما، من جبال العلويين الى صافيتا والحصن وجبلة وبانياس وصهيون وما حولها من قرى ومرتفعات. يؤخذ رقم خاص بمدينة ساحلية مختلطة ثم يفرض على اقليم كامل كانت كتلته السكانية الفعلية موزعة في الجبال والارياف والقرى.
والدليل على هذا التفاوت البنيوي بين المدينة والاقليم هو ما توثقه الدراسات. فبحسب المعطيات الواردة في دراسة فيليب خوري، كانت مدينة اللاذقية سنة 1943 تمثل 8 بالمئة من سكان المحافظة كاملة، بينما كان ما يزيد على 90 بالمئة من السكان يعيشون خارج المدينة في الريف والقرى والمرتفعات. هذه الارقام وحدها تكفي لهدم فرضية ان ما يصدق على المركز الحضري يصدق تلقائيا على الاقليم الذي يحكمه.
وتزيد هذه الفكرة وضوحا حين ندرك ان الخصوصية الاجتماعية للعلويين في تلك المرحلة كانت تتجلى تحديدا في ارتباطهم بالريف والجبل. فالمصادر المعاصرة تذكر ان اقل من نصف في المئة من العلويين كانوا يعيشون في المدن في اواخر العشرينات، اي نحو 771 فردا فقط من اصل 176285. هذا يعني ان الحضور العلوي المحدود في مدينة اللاذقية كان جزءا من نمط اجتماعي وجغرافي موثق، جماعة ريفية جبلية صلتها التاريخية الاساس بالارض والقرية والمرتفع.
الدليل السوري لعام 1923 كان دليلا سنويا يجمع معطيات ادارية وتجارية وخدمية ومحلية من انواع مختلفة. ومن ثم فإن التعامل مع كل جدول فيه وكانه تعداد سكاني شامل مكافئ لسائر الجداول خطا منهجي من الدرجة الاولى. داخل هذا النوع من الادلة السنوية تتجاور جداول حضرية محلية، ولوائح التجار، وقوائم مشتركي الهاتف والبريد، ومعطيات عن الاوقاف والمستشفيات والموظفين، الى جانب معطيات سكانية على درجات مختلفة من الاتساع. صهر هذه المعطيات المختلفة في خانة واحدة ثم بناء استنتاج ديموغرافي شامل على سطر بلدي واحد مجافي للمنطق.
الطابع الجغرافي لدولة العلويين كان ريفيا جبليا تبلغ مساحته نحو 6000 كم مربع تقريبا، يمتد على طول الساحل الشمالي الغربي مع عمق داخلي جبلي واضح، وتتمركز نواته في جبال العلويين بين شريطين ضيقين من السهول. ولهذا كانت اللاذقية عاصمة ادارية وميناء رئيسيا للدولة، دولة العلويين كانت اقليما جبليا ريفيا مؤطرا بسهول ضيقة.
حين ننتقل من المدينة الى الاقليم فتظهر الصورة الحقيقية مباشرة. فبحسب احصاءات المفوضية العليا للاعوام 1921-1922 بلغ عدد سكان منطقة العلويين نحو 261162 نسمة. وفي الاحصاءات الانتدابية التي وثقها لويس ماسينيون في دليل العالم الاسلامي يظهر ان عدد العلويين في دولة العلويين بلغ 153398، اي نحو 58.7 بالمئة من مجموع السكان. وهذه اغلبية واضحة ومستقرة.
بول جاكو في كتابه عن دولة العلويين يورد ان عدد العلويين سنة 1925 بلغ 176285، اي 63.4 بالمئة من سكان الدولة. وجاك فيولرس في كتابه بلد العلويين يذكر ان عددهم سنة 1935 بلغ نحو 224000، اي 63.8 بالمئة من سكان الدولة. وحين تتكرر الاغلبية في احصاءات متعاقبة تفصل بينها سنوات طويلة، يسقط تلقائيا اي ادعاء بان التسمية افتقرت الى اساس سكاني. ما كان يمكن نقاشه هو مشروعية الاستعمار الفرنسي في استثمار هذا الواقع.
يجب التمييز بين امرين مختلفين تماما، تزوير الوثيقة، وتزوير المعنى. المصدر واحد و داخله جداول مختلفة الوظيفة. جدول سكان مدينة اللاذقية جدول حضري محدود، بينما جدول سكان دولة العلويين احصاء اقليمي عام. مساواة الاثنين خطا منهجي، واستخدام احدهما لنفي الاخر مع كونهما في نفس المصدر تلاعب. وحين يسال احد: كيف تقبل رقما من مصدر وترفض رقما اخر من نفس المصدر؟ فالجواب هو: القبول العلمي يقوم عل طبيعة الجدول ووظيفته.
دولة العلويين كانت كيانا انتدابيا فرنسيا، الارشيف الفرنسي الرسمي يبين ان المفوضية العليا انشات منطقة العلويين بالقرار رقم 319 في 31 اب 1920، ثم منحت هذا الاقليم اسم دولة العلويين بالقرار رقم 1470 في 12 تموز 1922، ثم كرست استقلاله الاداري واتخذت اللاذقية عاصمة له اعتبارا من الاول من كانون الثاني 1925. هذا كله جزء من مشروع تقطيع سوريا الانتدابية الى وحدات منفصلة، لبنان الكبير، وحكومة حلب، وحكومة دمشق، ودولة العلويين، وجبل الدروز.
الاستعمار يلتقط تمايزات قائمة في المجتمع، ويضخمها، ويعزلها، ويعيد رسمها في خرائط وادارات تخدمه. الاستعمار اخترع الصيغة السياسية واستثمر التمايزات المحلية، الوثائق تشهد على سياسة التقسيم هي التي تشهد ايضا على وجود اغلبية علوية ريفية في ذلك الاقليم. يمكن رفض التقسيم الفرنسي من اساسه، وهذا حق تاريخي وسياسي كامل.
النشرة الشهرية للجنة فرنسا الاسيوية نشرت سنة 1931 مقالا بعنوان صريح، ملاحظات حول بدايات احتلالنا لمنطقة العلويين(لا روش) هذه عبارة الادارة الفرنسية عن نفسها وعن علاقتها بالاقليم. احتلال يسمي نفسه احتلالا. هذه الحقيقة تثبت ان فرنسا تعاملت مع الاقليم ملفا خاصا ذا ثقل بشري محدد، هذا الاقليم كان بالفعل يضم كتلة علوية كبيرة موجودة قبل الانتداب.
لويس ماسينيون، وهو من اهم الاكاديميين في تلك المرحلة، يدرج العلويين او النصيرية في خانة مستقلة تحت عنوان منفصل، مفرقا بينهم وبين سائر المسلمين في خانات اخرى. هذا الفصل في التصنيف جزء من طريقة الانتداب في تحويل الجماعات المحلية الى وحدات ادارية قابلة للفرز والتمثيل والادارة غير المباشرة.
الاستدلال بجداول الانتداب ضد وجود العلويين في اقليمهم استدلالا مرتدا على صاحبه. فالجداول تشهد من جهة على الفصل الاداري المقصود، ومن جهة اخرى تثبت ان العلويين عوملوا احصائيا كتجمع اقليمي كبير ومحدد، اللغة الاحصائية تحمل بصمة السلطة التي انتجتها، اللغة المنحازة بنيويا تشهد على وجود كتلة علوية اقليمية واسعة.
القرماني في الهامش المطبوع على طبعة بولاق من الكامل في التاريخ، حين يصف اللاذقية بقوله: بلدة من ساحل بحر الشام واهلها سنة ونصيرية، شهادة تاريخية مبكرة تؤكد ان مدينة اللاذقية كانت معروفه منذ قرون بتعدد مكوناتها، وان حضور العلويين في اللاذقية واعمالها واقع تاريخي سابق على الانتداب الفرنسي بكثير.
القرماني يثبت ان هذا الوجود اقدم من فرنسا بقرون، وان الاستعمار حين جاء وجده واستثمره واعاد هندسته. الانتداب اعاد ترسيم الموجود.
المصادر القديمة تثبت الجذور التاريخية للوجود النصيري في مجال اللاذقية، والوثائق الفرنسية تبين الفرق بين محدودية الحضور داخل المدينة وبين الثقل السكاني الواضح في الاقليم.
المقارنة بين دولة العلويين وهولندا، وبين اللاذقية وامستردام، مقارنة مبنية على خلط الاجناس. فهولندا دولة قومية حديثة مستقرة ذات بنية حضرية معاصرة ومؤسسات وطنية مكتملة. اما دولة العلويين فكانت كيانا انتدابيا فرنسيا مؤقتا، قائما على اقليم ريفي جبلي، وضعت ادارته الاستعمارية في ميناء ساحلي لاعتبارات السيطرة والاتصال والنقل البحري.
اما المقارنات الاقرب فعلا فهي تلك الحالات التاريخية التي لا تختصر فيها العاصمة المجال كله. ادنبرة لم تكن يوما مرآة كاملة لاسكتلندا التاريخية لان اسكتلندا كانت موزعة في المرتفعات والارياف والمجالات المحلية الاوسع. وبرن لا تختزل سويسرا، وكاتماندو لا تختزل نيبال التاريخية، وحتى واشنطن العاصمة لا تمثل سوى جزء ضئيل من التركيبة السكانية الامريكية. وظيفة العاصمة ان تكون مقرا للحكم والادارة. وهذه الحقيقة تزداد وضوحا حين تكون العاصمة ميناء ساحليا بينما يمتد الثقل السكاني الحقيقي في الداخل والجبل.
واختيار اللاذقية عاصمة لاسباب وظيفية استعمارية واضحة، كانت الميناء الاهم، ومنفذ الاتصال البحري الاسهل للادارة الفرنسية، والمركز التجاري والاداري القائم. وهذا منطق يتكرر في اكثر من حالة استعمارية، المراكز الحضرية الساحلية تختار عواصم لانها الاسهل ادارة والاسهل وصولا من البحر.
ايضا حفظت الذاكرة الاجتماعية في القرى الجبلية في دولة العلويين شهادات واسعة عن تاخر تسجيل السكان في النفوس، ولا سيما في المناطق الريفية والجبلية، خوفا من التجنيد الاجباري في العهد العثماني وما تلاه. هذه الظاهرة الموثقة اجتماعيا تعني ان السجلات البلدية الجزئية لا تبرز الحجم الحقيقي للسكان في تلك المجالات.
المصادر والمراجع الاساسية
1. L'Indicateur Syrien, Annuaire de la Syrie et du Liban, de la Palestine et de l'Egypte, 1923.
2. Paul Jacquot, L'Etat des Alaouites, Beirut, 1931.
3. Jacques Weulersse, Le Pays des Alaouites, Tours, 1940.
4. Louis Massignon, Annuaire du Monde Musulman, Paris.
5. Jean de La Roche, Notes sur les debuts de notre occupation du territoire des Alaouites, Bulletin du Comite de l'Asie francaise, decembre 1931.
6. Philip Khoury, Syria and the French Mandate, Princeton University Press, 1987.
7. Yaron Friedman, The Nusayri-Alawis: An Introduction to the Religion, History and Identity, Brill, 2010.
8. القرماني، الهامش المطبوع على طبعة بولاق من الكامل في التاريخ لابن الاثير.
9. القرارات الفرنسية: رقم 319 بتاريخ 31 اب 1920، ورقم 1470 بتاريخ 12 تموز 1922.
ملاحظة من فينكس: في عام 1923م كان بعض الفلاحين العلويين لايسجلون مواليدهم خاصة الإناث، في السجلات الرسمية، بفعل عوامل الجهل والفقر.