كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ارماجدون.. بين الأسطورة والحقيقة

باسل علي الخطيب- فينكس

 هذا البحث الذي أنجزته، هو حصيلة عدة أسابيع من العمل، و لأنه في هكذا مواضيع لايجوز الاختصار، كان النتاج بحثاً طويلاً نوعاً ما، لذلك سأقوم بتقسيمه على حلقات، وهذه هي الحلقة الأولى:
قبيل كأس العالم عام 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سبيل الحصول على أفضل تسويق لتلك البطولة، طلب هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارحية الأسبق، طلب من جو هافيلانح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، مشاركة دييغو مارادونا في تلك البطولة، ولكن ذلك كان شبه مستحيل، لأن مارادونا كان يعاني من الوزن الزائد، ولياقته البدنية سيئة جداً، عدا عن إنه كان يركز آنذاك على محاولة التعافي من إدمانه للمخدرات، ولكن أوامر كيسنجر كانت صارمة و واضحة، وهافيلانح لايستطيع رفضها، نريد مارادونا.....
لذلك أعطى الفيفا الضوء الأخضر للفريق الطبي للمنتخب الأرجنتيني، أن يقوموا بإعادة تأهيل مارادونا بدنياً، ليكون جاهزاً لكأس العالم، حتى ولو اضطرهم الأمر أن يستعملوا عقاقير ممنوعة لتخفيض وزنه بسرعة، وإعادة لياقته، وهذا فعلاً ماكان....
وعندما بدأت البطولة، وتألق مارادونا بشكل لافت مع الأرجنتين في أول مباراتين، أمام اليونان ونيجيريا، و سجل هدفاً رائعاً أمام اليونان، كانت المرحلة الثانية من خطة التسويق، إثارة فضيحة كبرى ومدوية.....
مع نهاية مباراة الأرجنتين مع نيجيريا، دخلت ممرضة أرض الملعب و اقتادت مارادونا من يده، وكأنها تقتاد مجرماً، وهذه على فكرة اول مرة تحدث في تاريخ أي بطولة رياضية كانت، أن تدخل ممرضة وتقتاد لاعباً بهذه الطريق، تصرف مارادونا كطفل صغير أمامها، وتركها تسوقه وهو يبتسم، فقد كان متأكداً، أن ذلك هو جزء من المسرحية، وأنه محمي من الفيفا فيما خص موضوع العقاقير الممنوعة، فهم من طلبوا منه ذلك...
النتيحة كانت صاعقة، فقد أُعلن ان فحص المنشطات كان ايجابياً، وبعد ذلك تعرفون جميعاً النتيجة، تم إيقاف ماردونا وترحيله.....
البطولة وحسب السيناريو الهوليودي، والطريقة الأمريكية، حصلت على فضيحتها، و على تسويقها الأمثل، عدا عن ذلك- وهنا الأهم- هل تستطيع الولايات المتحدة أن تنسى لمارادونا صداقته ودعمه لعدوها الأزلي فيديل كاسترو؟ وقد نشأت صداقة بينهما منذ زيارة مارادونا له عام 1987، حيث أهداه قميص منتخب الأرجنتين الذي يحمل اسمه....
لاتستطيع الولايات المتحدة أن تحتمل شخصاً ذا شعبية وكاريزما كمارادونا يدعم كوبا وفيدل كاسترو، مارادونا كان بالنسبة للكثير من الفقراء على مستوى العالم، أكثر من مجرد موهبة أو متعة كروية، كان رمزاً وكان فكرة، وكان يجب تدمير تلك الفكرة مهما كان الثمن... هذا ماحصل.....
على مدى أكثر من عشر سنوات كانت هناك منافسة شرسة مابين ميسي ورونالدو ايهما أفضل، تلك المنافسة كانت أفضل مايمكن أن تأمله الشركات العملاقة على مستوى العالم، قد يكون ميسي أفضل لاعب كرة قدم في التاريخ، وقد يكون رونالدو أفضل رياضي في التاريخ، هذه المنافسة كان يجب إبقاء جذوتها متقدة، و لا شيء يبقيها كذلك كالتنافس على الجوائز....
منذ عام 2008 حتى عام 2017 مُنحت الكرة الذهبية لهذين اللاعبين خمس مرات لكل منهما، علماً أن كل منهما كان لايستحقها مرتين، ميسي لم يكن يستحقها عام 2010، كان يحب أن تذهب لأحد لاعبي المنتخب الاسباني الفائز بكأس العالم، وتحديداً تشافي، ميسي لم يكن يستحقها عام 2012، كان يحب أن تذهب الى انييستا، أفضل لاعب بكأس أوروبا في ذاك العام والفائز بها مع منتخب بلاده....
رونالدو لم يكن يستحقها عام 2013، فهو لن يفز بشيء في ذاك العام، وكان يجب أن تذهب الى الفرنسي فرانك ريبيري الفائز مع بايرن ميونيخ بكل شيء عام 2013، رونالدو لم يكن يستحقها عام 2014، وكان يجب أن تذهب الى أحد لاعبي المنتخب الألماني الفائز بكأس العالم 2014، وتحديداً نوير....
طبعا أنا اعتمدت في تقييمي أعلاه، على المعايير التي كانت معتمدة دائماً لمنح الكرة الذهبية، خذوا على سبيل المثال عام 2006، فمن فاز بها هو المدافع كانافارو كابتن المنتخب الإيطالي الفائز بكأس العالم، ومن كانا في المركز الثاني والثالث، رونالدينيو وزيدان الأكثر مهارة وموهبة منه بكثير..
.
كان يحب أن يفوز ميسي أو رونالدو دائماً، فهذه المنافسة كانت تجلب المال دائماً، ولكن كان هناك ماهو أهم، كانت هذه المنافسة هي إحدى وسائل الالهاء، ولنكن أكثر دقة، كانت أحد وسائل السيطرة على العقول.....
مع تقدم السنوات بدأ يظهر الفرز واضحاً بين رونالدو وميسي، أنا هنا لا أتحدث عن فرز كروي، إنما عن ماهو أكبر وأهم، هذا الفرز كان نتيجة طبيعية للمنافسة، عدا عن ذلك لم يكن مقصوداً، إنما كان ذلك أحد تجليات عملية فرز أكير وأوسع على مستوى العالم ككل، وعلى كل الأصعدة....
عام 2019 تم منح الكرة الذهبية لميسي، علماً أنه ومرة أخرى حسب معايير الكرة الذهبية المعروفة، كان يجب أن تذهب الى فان دايك، كابتن منتخب هولندا و فريق ليفربول، حتى رونالدو كان أقرب من ميسي لها حسب نفس المعايير، رونالدو كان قد فاز مع منتخب بلاده ببطولة دوري الأمم الأوروبية، وميسي أخفق مع منتخب بلاده في كوبا امريكا، وكلاهما فازا مع فريقها ببطولة الدوري فقط....
.ولكن القرار قد اتخذ، يحب أن يفوز ميسي، مرة أخرى الموضوع ليس كروياً أبداً، الموضوع اكبر من ذلك بكثير، هذا أحد تجليات صراع ثقافي أخلاقي على مستوى العالم ككل....
تأكد الأمر أكثر عام 2021، عندما تم منحها لميسي مرة أخرى، رغم أن لاعب بايرن ميونيخ البولندي ليفادونسكي كان يستحقها أكثر، على الأقل تعويضا له عن عام 2020 عندما تم حجب الحائزة بسبب كورونا....
مرة أخرى كان يحب أن يفوز النموذج أو المنظومة الأخلاقية أو الثقافة التي يمثلها ليونيل ميسي....
طبعا هذه ليست أول مرة تتدخل عوامل غير رياضية في منح الجائزة، هذا حصل عدة مرات سابقاً، ففي عام 1986 تم منحها لإيغور بيلانوف، اللاعب السوفياتي المغمور في فريق دينامو كييف، وذلك من قبيل الرشوة للزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف وفريقه السياسي، الذين كانوا يسيرون في طريق البروسترويكا والانفتاح على الغرب، أو بالأحرى التنازل، والتي كان نتاجها دمار الاتحاد السوفياتي....
و بالمناسبة، فريق دينامو كييف الأوكراني كان يدعم غورباتشوف، و كان يعارضه وبشدة فريق سبارتاك موسكو الروسي، والذي يمثل الروح الروسية الحقيقية..
أتت الضربة القاضية لما يمثله ميسي ضد مايمثله رونالدو في كأس العالم الحالية، قلتُ في حديث مع بعض الأصدقاء قبل شهر أنهم سيعطون كاس العالم هذا العام لميسي، أعود و أكرر، ليونيل ميسي قد يكون أعظم من لمس الكرة في التاريخ، هو موهبة خارقة ليست طبيعية أبداً، وركزوا عل الكلمتين الأخيرتين، ولكن كأس العالم ومنذ بطولة عام 1974 لا تربح في الملعب....
ولكن كفانا حديث في الكرة، ما قدمته أعلاه ليس إلا مقدمة للولوج إلى الموضوع الأساسي، هناك فرز على مستوى العالم ككل، بعضه بقرار، وبعضه كنتيجة طبيعية للأحداث، هذا الفرز بدأ مع أحداث أيلول عام 2001، وكان أكبر ميادينه سوريا، والحرب التي شنت عليها على مدى عقد كامل، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية التي أظهرت هذا الفرز واضحا و حاداً...... ولكن هذا سيكون موضوع الحلقة الثانية من هذا البحث.....
يتبع ......