لماذا حدثت انقلابات خمسينات القرن الماضي؟
2024.09.03
سمير جبارة- فينكس
يوم أمس كتبتُ عن "عن "ديموقراطية" الخمسينات من القرن الماضي في سوريا" التي سادها ضباط الانقلابات..
دعوني اليوم أتحدث عن أسباب تلك الانقلابات و لماذا حصلت..
قراءة تاريخية مبسطة في الانقلابات السورية..
اتفاقية سايكس/ بيكو قسمت منطقة شرق المتوسط بين فرنسا وبريطانيا ووقام البلدان الاستعماريان بتقسيم المنطقة جغرافياً إلى كيانات عدة.. وكان لكل كيان دور يلعبه على الشكل التالي:
1. دور العراق: منطقة نفوذ بريطانيّ صرف
2. دور فلسطين: التلاشي لصالح المشروع الصهيوني
3. دور الأردن: أن يكون منطقة عازلة بين الدولة اليهودية وبين السوريين والعراقيين كما ذكر وينستون تشرشل في مذكراته..
4. دور لبنان: برميل البارود الطائفي الذي يحتاج تفجيره إلى عود كبريت كلما احتاج الغرب إلى تدخل مباشر في المنطقة بحجة إطفائه..
5. دور سوريا: منطقة نفوذ فرنسي صرف..
سوريا هي ما يهمني في هذه العجالة..
خرجت فرنسا من الحرب العالمية الثانية منهكة ومفتتة وغير قادرة على مدّ نفوذها حتى ضمن الأراضي الفرنسية.. في هذا الوقت حصل الجلاء وتسلم الوطنيون الحكم و إدارة البلاد..
شعر شكري القوتلي وحكومته بأنهم أصحاب قرار.. وقد كانوا كذلك فعلاً بسبب انعدام نفوذ الدولة الفرنسية على الأرض السورية..
انتظر الأمريكيون ثلاث سنوات وهم يراقبون الوضع.. وعندما تأكدوا أن فرنسا ما تزال عاجزة قاموا بتحريض حسني الزعيم على القيام بأول انقلاب عسكري في المنطقة..
حسني الزعيم حكم سوريا لمدة 137 يوماً حقق خلالها للأمريكيين ثلاث مطالب:
الأول: توقيع اتفاقية الهدنة مع اسرائيل
الثاني: توقيع اتفاقية التايبلاين التي كان مجلس النواب يرفض توقيعها ويراها مجحفة..
الثالث: تسليم أنطون سعادة لحكومة رياض الصلح وإعدامه..
شعرت بريطانيا بأنها أحقّ من الأمريكيين في مد نفوذهم إلى سوريا.. فنظمت الانقلاب على حسني الزعيم عن طريق سامي الحناوي..
كان عديل الحناوي أسعد طلس (الأمين العام لوزارة الخارجية) هو المحرض الأساسي للحناوي على القيام بانقلابه.. وقد كانت لأسعد طلس رابطة نسب مع آل الألوسي المقربة من الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق..
صحيح أن سامي الحناوي استدعى السياسيين وطلب منهم تشكيل الحكومة.. لكنه ومع مجلسه العسكري ضغط على الحكومة من أجل إعلان الوحدة الفورية مع العراق الذي كان خاضعاً بشكل كامل للنفوذ البريطاني..
تحرك الأمريكيون عن طريق العقيد أديب الشيشكلي مجدداً لمنع قيام هذه الوحدة وبالتالي منع بريطانيا من مدّ نفوذها إلى سوريا.. فقام الرجل بثلاثة انقلابات خلال فترة لا تزيد عن سنة..
انقلابه الشيشكلي الأول حصل بعد 127 يوماً من انقلاب الحناوي ضد حسني الزعيم تخلّص فيه من العسكريين المؤيدين لفكرة الوحدة مع العراق..
انقلاب الشيشكلي الثاني كان يهدف إلى شلّ حركة السياسيين..
أما انقلابه الثالث فقد كان لتكريس حكمه و تسلمه رئاسة الجمهورية..
قصة الانقلابات في سوريا حتى نهاية عهد الشيشكلي في شباط 1954 كانت مرآة للصراع بين الأمريكيين والبريطانيين على وراثة النفوذ الذي كان من المفترض أن يكون لفرنسا..
بعد سقوط الشيشكلي دخل منافس جديد للبريطانيين والأمريكيين إلى الساحة السورية هو جمال عبد الناصر..
وبعد حرب السويس 1956 دخل منافس آخر قوي إضافة إلى عبد الناصر هو الاتحاد السوفييتي..
في عام 1958 سافر مجموعة من ضباط القيادة السورية إلى مصر واتفقوا على الوحدة مع الرئيس عبد الناصر دون علم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع.. وفرضوا الوحدة على الجميع..
وهذا العمل يمثّل انقلاباً عسكرياً جديداً..
سوريا الخمسينات لم تكن سوى ريشة خفيفة في مهب رياح السياسات الاقليمية والدولية يتقاذفها اقليمياً بشكل دوري محور مصر/السعودية المرتبط بأميركا والمحور الهاشمي (العراق و الأردن) المرتبط ببريطانيا..
وهناكَ من لا يزالُ مصرّاً (إلحاحاً) أنها كانت فترة ديموقراطية ذهبية..