عن العدالة الانتقالية
2026.09.07
وائل سواح
لا أعتقد أن المؤسّسات التي أُنشئت حتى الآن تتمتّع بالاستقلال الذي تتطلّبه هذه المهمّة. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين مرتبطتان بالسلطة التنفيذية، في حين يُفترَض بالمؤسّسات المعنيّة بكشف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها أن تكون قادرة، عند الضرورة، على فتح ملفّات تمسّ السلطة نفسها أو جهات قريبة منها.
بلى، سقط نظام الأسد، وللأبد. سوى أن سقوطه لا يعني أن سوريا أنجزت عمليّتها الانتقالية، وأنه صار بإمكاننا طيّ صفحة الماضي إلى الأبد، بمجرّد تغيّر السلطة ووضع عدد من رموز النظام السابق خلف القضبان. والحقّ أننا في سوريا نواجه اليوم مسألة أكثر تعقيداً: كيف نتعامل مع إرث يمتدّ لعقود من الاستبداد والعنف، ومع خمسة عشر عاماً من الحرب والانتهاكات، من دون أن تنزلق العدالة إلى الانتقام أو تتحوّل إلى عدالة انتقائية يرسم حدودها ميزان القوّة الجديد؟
هذه قضيّة يتوقّف عليها شكل سوريا المقبلة، وقدرتها على بناء سلام مستدام ومنع إعادة إنتاج أسباب العنف الذي عاشه السوريون على مدى عقود.
وتجب المسارعة إلى القول إن مشهد بعض رموز النظام السابق في قفص الاتّهام، يحمل بالنسبة إلى الضحايا معنى لا يجوز التقليل من شأنه. وثمّة شيء من استعادة التوازن حين يرى من حُرم من أبسط حقوقه أن من كان جزءاً من منظومة القمع بات مضطرّاً إلى المثول أمام قاضٍ والاستعانة بمحامٍ والدفاع عن نفسه والكلام بحرّية، من دون تعذيب أو سوء معاملة. وفي المشهد مفارقة قاسية: من حرم الآخرين من المحاكمة العادلة يحصل عليها اليوم. غير أن هذه المفارقة هي أحد الامتحانات الأولى لأيّ عدالة جدّية. فالانتصار الحقيقي يتحقّق حين نطبّق، ونحن في موقع القوّة، القيم التي ناضل السوريون من أجلها، لا حين نُعيد إنتاج أساليب الجلّاد.
ولكنّ العدالة تفقد معناها حين تقتصر على ضحايا الطرف المهزوم أو تنزلق إلى ما يُعرَف بـ “عدالة المنتصر”. لا توجد ضحيّة تستحقّ العدالة وأخرى يمكن تجاوزها، ولا جريمة يجوز غضّ الطرف عنها لأن مرتكبها يقف اليوم في صفّ المنتصرين، أو لأن موقعه السياسي والعسكري تغيّر. ولئن كان ذلك مقبولاً من الجانب السياسي، فإنه لا يمكن أن يكون كذلك من جانب الحقّ والأخلاق.
بديهي أن نظام الأسد هو من يتحمّل المسؤولية الأكبر عن الجرائم الجسيمة التي عرفتها سوريا. فحجم الجرائم التي ارتكبتها أجهزة الدولة وميليشياتها لا يُقارن بما ارتكبته الأطراف الأخرى. إلا أن هذه الحقيقة لا تلغي جرائم “داعش” و”جبهة النصرة” وفصائل من “الجيش الوطني” و”هيئة تحرير الشام” وغيرها. وأنا أعتقد أن العدالة لا تقتضي مساواة مصطنعة بين مسؤوليّات متفاوتة، إنما تقتضي ثبات حقّ الضحيّة أياً كانت هويّة الجاني.
وتزداد هذه المسألة إلحاحاً اليوم، بعدما أصبحت أطراف شاركت في الصراع جزءاً من السلطة أو من المؤسّسات العسكرية والسياسية الجديدة. فإذا أدّى تغيّر موقع الجاني إلى إسقاط حقوق ضحاياه، نكون قد أعدنا إنتاج القاعدة القديمة نفسها: الأقوى يقرّر من هو الضحيّة ومن هو الجاني، ومن يستحقّ الإنصاف ومن ينبغي له أن يصمت.
العدالة أكبر من المحاكم
من هنا تبرز ضرورة الاتّفاق أوّلاً على معنى العدالة الانتقالية.
عندما بدأنا عملنا منذ السنة الأولى للثورة في مشروع “اليوم التالي” أدركنا أهمّية تحديد مفهوم العدالة الانتقالية وأبعادها. ولذلك كان أوّل فصل في تقرير اليوم التالي مكرّساً للعدالة الانتقالية، باعتبارها عمليّة وطنية مركّبة للتعامل مع إرث الاستبداد والعنف، تتجاوز محاكمة مرتكبي الانتهاكات إلى معالجة آثارها في الضحايا والمجتمع والدولة. ووضعها، إلى جانب سيادة القانون وإصلاح القطاع الأمني وصياغة الدستور، في صلب الأسس التي لا يستقيم من دونها أيّ انتقال سياسي ناجح.
وقامت هذه المقاربة على الجمع بين العدالة العقابية والعدالة الترميمية. فقد شدّد التقرير على ضرورة انسجام برنامج العدالة الانتقالية مع المعايير الدولية، بحيث يتضمّن آليّات لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومعالجة ما خلّفته هذه الانتهاكات لدى الضحايا وفي المجتمع. وحدّد ستّة أهداف رئيسية: إنصاف ضحايا الانتهاكات الراهنة والسابقة، وتوفير بدائل عن الانتقام والعنف الأهلي، وكشف الحقيقة بشأن أفعال الجناة وتجارب الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات واستعادة الثقة بمؤسّسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين السوريين، وصوغ تصوّر إيجابي مشترك لمستقبل البلاد، وأخيرا تحقيق ما سمّاه التقرير “الإصلاح الاجتماعي” للضحايا وللمجتمع ككل بعد عقود من القمع والعنف والسلطوية.
اليوم، يقلّص البعض مفهوم العدالة الانتقالية إلى قضيّة المساءلة والمحاكمات، وفي ذلك، كما كان أجدادنا يقولون، “خُلْفٌ” ـ أي تناقض منطقي ـ فهي أوسع من سلسلة محاكمات جنائية، مهما بلغت أهمّيتها، وأكبر من هيئة تنشأ بمرسوم ثم يقال إن ملفّ الماضي أصبح بين يديها. العدالة الانتقالية مسار شامل للتعامل مع الماضي، ومع ضحاياه، ومع المؤسّسات والأفكار والممارسات التي صنعت ذلك الماضي وأدامته.
وأوّل ابتسار لمفهوم العدالة الانتقالية هو جعل الحساب يبدأ من العام 2011. والحال أننا إذا أردنا التعامل بجدّية مع التاريخ السوري، فلا يمكن أن يبدأ التعامل مع الانتهاكات قبل ذلك بكثير، فجذور الدولة الأمنية السورية أقدم من ذلك. وقد شكّلت مرحلة الوحدة السورية المصرية في عام 1958 منعطفاً مهمّاً في اتّجاه تغوّل الأجهزة الأمنية وتراجع المؤسّسات السياسية والمدنية، قبل أن تأتي العقود التالية فتعمّق هذا المسار وتحوّله تدريجياً إلى بنية راسخة في الدولة.
وهذا يعني أننا أمام ضحايا ينتمون إلى أجيال متعاقبة. كثير من المسؤولين عن الانتهاكات القديمة ماتوا، وربما مات معظمهم. ولا معنى لتحقيق جنائي مع ميت، لكنّ موت الجاني لا يُسقط حقّ الضحيّة في الاعتراف بما جرى لها وردّ اعتبارها، كما يؤكّد الحقوقي البارز مازن درويش.
إذاً، لا يجوز اختزال العدالة في أحكام الحبس، وقد يكون كشف الحقيقة، وتصحيح السجلّ العامّ، وإعادة الاعتبار إلى أشخاص عاشوا وماتوا وهم موصومون أو منسيّون، جزءاً أساسياً منها.
وينطبق الأمر نفسه على ملايين السوريين الذين لا تظهر خسائرهم في لوائح الاتّهام. ماذا عن مئات الآلاف ممّن أصبحوا من ذوي الإعاقة بسبب الحرب أو القصف أو الألغام أو التعذيب؟ ماذا عن الآثار النفسية التي خلّفتها سنوات السجن والنزوح والخوف؟ وماذا عن ملايين الأطفال الذين حُرموا من التعليم، ومن حياة طبيعية، ومن فرص لن تعود؟ إذا اختزلنا العدالة في سؤال واحد عمّن سيدخل السجن ومن سيتجنّبه، فسوف نترك خارج الحساب الجزء الأكبر من الضرر الذي أصاب المجتمع السوري.
ثمّة بعد اقتصادي لا يمكن إغفاله. فالفقر والدمار وفقدان مصادر الرزق وضياع سنوات التعليم والعمل لا تنفصل عن سؤال العدالة، لأن قسماً كبيراً منها نتج مباشرة عن سياسات الدولة والحرب والنزوح والعنف. ولهذا ينبغي أن تدخل قضايا التعويض وإعادة التأهيل وجبر الضرر وإعادة بناء شروط الحياة الطبيعية في صلب النقاش.
ثم نصل إلى مسألة أخرى قد تكون الأهمّ، وهي ضمان عدم التكرار. فما جدوى محاكمة مسؤول سابق بتهمة التعذيب إذا استمرّ التوقيف خارج القانون أو الاعتقال التعسّفي أو سوء المعاملة في السجون الجديدة؟ لا يمكن لعدالة انتقالية أن تطارد جرائم الأمس وتتسامح مع بذورها اليوم. ومنع التكرار يقتضي إصلاح القضاء وأجهزة الأمن والمؤسّسات، وبناء دولة يشعر فيها السوري بالأمان بصرف النظر عن طائفته أو قوميته أو عائلته أو منطقته.
نحاكم اليوم بقوانين الأمس
فإذا فرغنا من المسائل السابقة، وجدنا أنفسنا أمام قضيّة أعمق، وهي أننا نحاول معالجة جرائم استثنائية بأدوات قانونية لم تصمّم أصلاً للتعامل معها. فقانون العقوبات السوري ليس قادراً على معالجة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة على نحو ملائم، ولا يوفّر الإطار المطلوب لمسؤوليّة القيادة. وما هذه بمسألة تقنية هامشية، إذ لا تكفي، في منظومة أمنية وعسكرية هرمية، محاكمة من نفّذ الجريمة بيده، بل قد لا يكون لتلك المحاكمة معنى حقيقي، لأن المعنى يكمن في تتبّع سلسلة المسؤولية: من أصدر الأمر؟ من كان يعلم؟ ومن امتلك سلطة المنع أو المحاسبة ولم يستخدمها؟ وتمتدّ المشكلة إلى قانون أصول المحاكمات والإجراءات القضائية، وإلى البنية المؤسّساتية التي ورثناها من النظام السابق.
فإذا نظرنا إلى الأمور من هذه الزاوية، سنجد أن مساراً جدّياً للعدالة الانتقالية يتطلّب قانوناً خاصّاً يوفّر تعريفاً أدقّ للجرائم، ويحدّد آليّات أوضح للمساءلة، وينظّم العلاقة بين القضاء العادي والآليّات الانتقالية.
ومع ذلك، لا ينبغي لهذه الثغرات أن تصبح ذريعة لتعليق المحاكمات إلى أن نبني منظومة مثالية. فسوريا خارجة من عقود من القمع، ومن خمسة عشر عاماً من الدم والرصاص والبراميل والتهجير. والمجتمع محتقن سياسياً وطائفياً واجتماعياً، فيما ينتظر الضحايا منذ سنوات طويلة بداية جدّية للمحاسبة.
فلا مندوحة إذاً من أن تبدأ العمليّة، وأن تتطوّر أثناء سيرها. وهذا ما يمكن ملاحظته في بعض الجلسات الحالية، حيث يظهر تعلّم تدريجي، وتبدو بعض الجلسات أفضل من سابقاتها. ويبقى أن يتحوّل هذا التطوّر إلى قاعدة، وأن تُصحّح الأخطاء بصورة مستمرّة، فلا تتحوّل مشكلات البدايات إلى معايير دائمة.
وفي المقابل، ينبغي مقاومة الدعوات إلى محاكمات سريعة هدفها شفاء الغليل. فالمتّهم، مهما كانت الجرائم المنسوبة إليه، له حقّ الدفاع، وحقّ معرفة التهمة، وحقّ المثول أمام قضاء مستقلّ، وألّا يتعرّض للتعذيب أو الترهيب. وإلا نكون قد غيرنا أسماء السجانين من دون أن نغادر المنظومة الأخلاقية التي حكمتنا طويلاً.
من يقود هذا المسار؟
هنا نصل إلى إحدى أعقد المشكلات: من يقود العدالة الانتقالية في سوريا اليوم؟
لا أعتقد أن المؤسّسات التي أُنشئت حتى الآن تتمتّع بالاستقلال الذي تتطلّبه هذه المهمّة. فالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين مرتبطتان بالسلطة التنفيذية، في حين يُفترَض بالمؤسّسات المعنيّة بكشف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها أن تكون قادرة، عند الضرورة، على فتح ملفّات تمسّ السلطة نفسها أو جهات قريبة منها.
إننا لا نعمل في دولة ذات مؤسّسات مستقرّة أصابها خلل عابر. نحن نحاول إعادة بناء دولة أُفرغت مؤسّساتها من مضمونها على امتداد أكثر من نصف قرن. ليست لدينا تقاليد راسخة لاستقلال القضاء، ولا محكمة دستورية ذات تاريخ في موازنة السلطة، ولا برلمان اعتاد مساءلة الحكومة، ولا أجهزة رقابة مستقلّة يمكن البناء عليها بسهولة.
صعوبة المهمّة تجعل استقلال المؤسّسات أكثر إلحاحاً، لأنه جزء من العدالة الانتقالية نفسها، لا تفصيل تنظيمي ملحق بها. وإلى جانب مسألة الاستقلال، ثمّة نقص واضح في الشفافية. ما النظام الداخلي للهيئة؟ ما صلاحياتها على وجه الدقّة؟ ما معايير اختيار ملفّاتها؟ ما مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي تعمل عليه الدولة؟ وأيّ من المسوّدات المتداولة يمثّل أساساً فعلياً للنقاش؟ لقد شارك عدد من المنظّمات الحقوقية السورية ذات التاريخ والخبرة في مجال العدالة الانتقالية، بعد مطالبة وضغط من المجتمع المدني، في مناقشة إحدى المسوّدات التي أُعدّت في جامعة دمشق، وقدّمت ملاحظاتها عليها. ثم ظهرت مسوّدات أخرى، بينها ما عملت عليه الهيئة ووزارة العدل، ولكن بعد أن طويت صفحة دور المجتمع المدني في الاستشارات.
لا تسير الأمور على هذا الشكل إذا كان الهدف الوصول إلى غاية تصبّ في صالح البلد والضحايا على حدّ سواء. وإذا اتّفقنا على أن ما نصبو إليه هو الإنصاف وليس الانتقام، فإن الطريق إلى ذلك سيكون صعباً إذا ما فشلنا في بناء الثقة. والحال أن بناء الثقة سيكون صعباً في ظلّ هذا الغموض. فعندما لا يعرف الناس القواعد، سيقرأون كل قرار باعتباره قراراً سياسياً: لماذا حوكم هذا الشخص ولم يُحاكم ذاك؟ لماذا عُقدت تسوية هنا ولم تُعقد هناك؟ وهو ما نراه اليوم منتشراً في منتدياتنا وعلى حساباتنا الافتراضية. وليس كالشفافية ما يسمح للضحايا وللمجتمع بفهم الأسس التي تُتّخذ وفقها القرارات، والحكم على عدالتها.
المحاكمة ليست الأداة الوحيدة
وهذا يقود إلى سؤال يثير حفيظة كثير من (غالبية؟) السوريين اليوم: لماذا يُحاكم بعض الأشخاص، بينما تتمّ تسوية أوضاع آخرين قد تكون مسؤوليتهم أكبر؟
أرى أن لهذا السؤال أسبابه مشروعيته، ولا سيّما في ما يتعلّق برجلين من أشدّ المؤيّدين لنظام الأسد: فادي صقر ومحمّد حمشو. المشكلة ليست أن كل متّهم يجب أن يمثل أمام المحكمة، إنما افتقارنا إلى استراتيجية وطنية معلنة تشرح لماذا يُحاكم شخص وتُسوّى أوضاع آخر، وما المعايير التي تفصل بين الحالتين؟
دعونا نتّفق: لم تعتمد أيّ تجربة للعدالة الانتقالية في العالم على المحاكمات وحدها. فثمّة، إلى جانب العدالة الجنائية، تسويات، ومصالحات محلّية، واعتراف، واعتذار، وكشف للحقيقة، وتعويض، وجبر للضرر. وهذا أمر مفهوم، لأن الصراعات الواسعة تنتج أعداداً من المتورّطين تفوق قدرة أيّ جهاز قضائي على التعامل معهم جميعاً.
يمكن لبعض القضايا أن تعالَج من خلال المصالحة المحلّية. وقد يكون الاعتراف بالحقيقة والاعتذار وضمان حقوق الضحايا مناسباً في حالات أخرى. بالمقابل، ثمّة جرائم لا يصلح لها سوى طريق المحاكمة. والأساس أن تكون المعايير معلنة ومفهومة وقابلة للدفاع عنها. ومن المهمّ أن التسوية السياسية أو العسكرية لا ينبغي أن تتحوّل إلى وسيلة لمحو الماضي أو إعادة تدوير أشخاص ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات جسيمة في الحياة العامّة. فإذا تمّت تسوية أوضاع شخصيّات مثل فادي صقر أو محمّد حمشو، فإن ذلك قد ينظّم وضعهم القانوني أو الأمني، لكنّه لا يعني بالضرورة منحهم دوراً في حاضر البلاد أو مستقبلها، ولا يؤهّلهم تلقائياً لتولّي مواقع عامّة أو سياسية. فالتسوية شيء، وإعادة إضفاء الشرعية العامّة شيء آخر. والأهمّ أن أيّ اتّفاق مع هؤلاء، متى ثبتت مسؤوليتهم عن انتهاكات، لا يُسقط حقوق الضحايا في الحقيقة والمساءلة والتعويض وجبر الضرر، ولا يُجيز للدولة أن تتنازل عن تلك الحقوق باسمهم، أو أن تجعلها ثمناً للاستقرار السياسي.
لا يمكن محاكمة الجميع
ثمّة حقيقة مؤلمة لا يمكن تجاهلها وهي أن قدرة الدولة محدودة للغاية. فسوريا تعاني نقصاً كبيراً في عدد القضاة، وقد يصل العجز، وفق بعض التقديرات، إلى نحو ستّين في المئة من احتياجات البلاد. ولا تتوقّف المشكلة عند عدد القضاة. نحن بحاجة إلى محقّقين ووكلاء نيابة ومحامين وخبراء، وإلى أرشيف وأدلّة ومؤسّسات قادرة على إدارة ملفّات ضخمة ومعقّدة. وإذا أخذنا بتعريف واسع لكل من ارتكب مخالفة أو جريمة خلال السنوات الماضية، فقد نكون أمام مئات الآلاف من الأشخاص، وربما أكثر. ولم تستطع أيّ دولة خاضت نزاعاً بهذا الحجم أن تحاكم كل مرتكب.
لهذا نحتاج إلى استراتيجية للمحاسبة تحدّد الأولويات. ينبغي البدء بالجرائم الأشدّ جسامة، وبمن يتحمّلون المسؤوليات القيادية، وبالقضايا التي تحمل قيمة خاصّة للضحايا والمجتمع. وفي المقابل، يجب تطوير آليّات أخرى للتعامل مع الملفّات التي لن تصل جميعها إلى المحاكم.
وهنا ينبغي التمييز بين هدفين كثيراً ما يختلطان: محاسبة جميع الجناة وإنصاف جميع الضحايا. قد يكون الأوّل مستحيلاً عملياً، أمّا الثاني فيجب أن يبقى هدفاً لا نتنازل عنه. قد لا نستطيع محاكمة كل شخص، لكن علينا الاعتراف بكل جريمة. وقد لا يدخل كل مرتكب السجن، لكن لا يجوز أن يقال لضحيّته إن ما تعرّضت له فقد أهمّيته. وعبقرية العدالة الانتقالية أنها تقوم على أعمدة عدّة، فثمّة الاعتراف، والتعويض، والاعتذار، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والتأهيل، والمصالحة. وهذه الأدوات كلها قادرة على منع العجز القضائي من التحوّل إلى إنكار لحقوق الضحايا.
العدالة الانتقالية للضحايا… ولكنْ أيضاً للمنتهكين
ثمّة جانب آخر كثيراً ما يغيب عن النقاش السوري، وهو أن العدالة الانتقالية لا تقتصر آثارها على إنصاف الضحايا، بل يمكن أن تفتح أيضاً مساراً أمام بعض المنتهكين أنفسهم للخروج من دائرة الخوف والإنكار والعزلة. فالصراعات الطويلة والأنظمة القمعية لا تُنتج حفنة من كبار المسؤولين عن الجرائم فحسب، إنما تُنشئ دوائر واسعة من الأفراد الذين يتورّطون بدرجات متفاوتة، وقد يكون بعضهم قد تورّط تحت الإكراه أو الخوف أو ضغط المؤسّسة التي ينتمي إليها. والتعامل مع هذه الفئات جميعاً بمنطق الإدانة المطلقة والإقصاء الدائم لا يسهم في بناء مجتمع جديد، وقد يرسّخ لديها الشعور بالتهديد ويدفعها إلى مزيد من الانغلاق والعداء تجاه الدولة الناشئة.
وهنا تتجلّى إحدى الوظائف الأعمق للعدالة الانتقالية: أن تجمع بين المحاسبة وفتح مسارات للاعتراف بالحقيقة، وتحمّل المسؤولية، والاعتذار، وجبر الضرر، ثم إعادة الاندماج في المجتمع حيثما كان ذلك ممكناً ومتوافقاً مع مقتضيات العدالة وحقوق الضحايا. وهذا يقتضي التمييز بوضوح بين درجات المسؤولية، فلا يوضع صغار المنفّذين في مرتبة من أصدروا الأوامر أو خطّطوا للجرائم الجسيمة، ولا تتحوّل التسويات أو برامج إعادة الاندماج إلى حصانة لمن يتحمّلون المسؤولية الرئيسية عنها. فالغاية أن تساعد العدالة المجتمع على التحرّر من إرث الانتهاكات، من دون أن تجعل كل من مرّ عبر مؤسّسات النظام أو الجماعات المسلّحة خصماً دائماً لمستقبل البلاد.
وختاماً…
إنما على عاتق الحكومة الانتقالية تقع اليوم، مسؤولية إعادة بناء مسار العدالة الانتقالية في سوريا على أسس أكثر رسوخاً من الاستقلال والوضوح والمشاركة العامّة.
بداية ينبغي الكفّ عن الاتّجار بفكرة العدالة وتحويلها إلى ترند واستثمار المؤثّرين المؤيّدين للحكومة، الذين يسيئون إلى البلد والحكومة والعدالة أكثر بكثير ممّا يفيدون. ويمكن أن تكون البداية المنطقية العمل على إنشاء هيئة عامّة جديدة للعدالة الانتقالية تتمتّع باستقلال قانوني وإداري حقيقي، على أن تحدّد ولايتها وصلاحياتها وعلاقتها بالسلطتين التنفيذية والقضائية تحديداً دقيقاً يحول دون الالتباس أو تداخل الاختصاصات.
وينبغي أن يسبق إنشاء هذه الهيئة ويواكبه مسار واسع ومنظّم من المشاورات مع الضحايا وذويهم، ومع منظّمات حقوق الإنسان، والخبراء القانونيين وخبراء السياسات والمجتمعات المحلّية. ولا تكتسب هذه المشاورات قيمتها إلا بقدر ما تسهم فعلياً في تحديد الأولويات وصوغ السياسات والخيارات، بدلاً من أن تتحوّل إلى إجراء شكلي أو استحقاق بروتوكولي لا أثر له في صنع القرار.
ولن يكون ثمّة مسار حقيقي للعدالة من دون قانون شامل للعدالة الانتقالية يحدّد أهداف العمليّة وأدواتها، ويُرسي معايير واضحة للمساءلة والتسويات وجبر الضرر وكشف الحقيقة، وينظّم بدقّة العلاقة بين المؤسّسات والجهات المعنيّة بتنفيذها، بما يحول دون تضارب الاختصاصات أو خضوع هذا المسار للاجتهادات والقرارات الظرفية.
وفي موازاة ذلك، ينبغي منح المجتمع المدني دوراً أوسع وأكثر تأثيراً في مختلف مراحل العملية، لا كمراقب من خارجها، إنما كشريك حقيقي في صوغ السياسات، ومراجعة التشريعات، والمساهمة في التوثيق، وصون حقوق الضحايا، ومراقبة التنفيذ. فنجاح العدالة الانتقالية لا يتوقّف على إنشاء مؤسّسة جديدة فحسب، إنما على الكيفية التي تؤسّس بها، والضمانات التي تكفل استقلالها وفاعليتها، والإطار القانوني الذي يحكم عملها، ومدى مشاركة السوريين أنفسهم، وفي مقدّمتهم الضحايا، في رسم هذا المسار وبناء الثقة به.
ومنذ أيّام قال مازن درويش إن المفاضلة بين “عدالة كاملة تحتاج عشرين عاماً” و”عدالة ناقصة تحقّق استقراراً أسرع” هي أكثر تعقيداً ممّا توحي به العبارة. ولعمري إن هذا القول حقّ، فالمطلوب ليس التضحية بالعدالة من أجل الاستقرار، ولا انتظار اكتمال كل المؤسّسات قبل مواجهة الماضي. المطلوب الجمع بين المبدأ والواقعية: محاسبة ممكنة وعادلة، وترتيب واضح للأولويات، وآليّات متعدّدة تضمن إنصاف الضحايا.