كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات.. (الحلقة الأولى)

أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات... (الحلقة الأولى)
بقلم: وسام الأسعد
يقدّم هذا البحث دراسة تستند إلى مجموعة من المراجع والمؤلفات التاريخية، إلى جانب وثيقة عثرنا عليها، تكشف ـ وفق ما تتضمنه من معطيات ـ عن الأدوار التي اضطلع بها أديب الشيشكلي، وما ارتبط بشخصيته من صلات وانتساب إلى الماسونية وبعض المحافل الدولية.
وتبرز هذه الدراسة شخصية أديب الشيشكلي بوصفها نموذجاً لواحد من أوجه الصراع والتآمر الدولي على سورية الطبيعية، في ظل السعي المتواصل للقوى الدولية إلى التأثير في مسار السلطة فيها والوصول إلى مراكز القرار، انطلاقاً من الأهمية المحورية التي تتمتع بها الشام، وموقعها الاستراتيجي، ودورها التاريخي والسياسي في قضايا المنطقة.
من هو أديب الشيشكلي؟
وُلد أديب الشيشكلي في حماة عام 1909، والتحق بالجيش السوري في شبابه، وبرز اسمه بعد استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي. شارك في الحياة السياسية والعسكرية، وكان أحد قادة الانقلابات العسكرية في سورية.
تولى السلطة فعلياً في أوائل خمسينيات القرن العشرين، ثم أصبح رئيساً للجمهورية عام 1953. واتسم حكمه بالمركزية وتشديد قبضة الدولة، كما سعى إلى الحد من نفوذ الأحزاب السياسية وتعزيز سلطة الجيش والدولة المركزية.
يعتقد القوميون الاجتماعيون وغيرهم من شرائح المجتمع أن أديب الشيشكلي كان رفيقاً سورياً قومياً اجتماعياً، إلا أنه لا يوجد في الحزب كله، بحسب ما هو متداول، من يشهد على انتمائه ودخوله الحزب. وظل أديب يُعتبر قومياً اجتماعياً منذ عام 1947 حتى عام 1964، تاريخ مقتله على يد نواف غزالة، في مزرعته بالبرازيل.
ومع مرور الوقت، بدأ القوميون يصحون من غفلتهم ويتساءلون عن حقيقة انتماء هذا الرجل إلى الحزب من عدمه، حتى إن شقيقه الرفيق صلاح لم يكن يعرف ما إذا كان أديب قد انتمى إلى الحزب ودخله أم لا. وربما كانت قومية صلاح هي التي غطّت على أديب وصبغته بصفة القومي الاجتماعي. كتاب شحادة الغاوي: قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، ص: (334 - 335)
ومؤخراً، تم العثور على وثيقة يُقال إنها تثبت انتساب الشيشكلي إلى الماسونية، جاء فيها:
"الرئيس الشرفي الأعظم لمجلس الشيوخ العارفين لدرجة 30 ش. دمشق.
الأخ (العقيد أديب الشيشكلي)
انتسب إلى الماسونية عام 1940 في محفل الإخلاص، ونال درجة 18 في مقام النيرين رقم 3، دمشق، ثم في عام 1950 رُقّي إلى درجة 30 من قبل المجلس السامي السوري العربي، ويحمل البراءات والشهادات والأوسمة الممتازة".
العنوان: الأركان العامة للجيش.
النشرة العامة رقم 6، المحفل الأكبر السوري العربي.
ويؤكد المهندس إحسان أديب الشيشكلي أن والده لم ينتمِ إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وذلك خلال لقاء في برنامج خاص مع الدكتور أسامة فوزي. الحلقة رقم 3889. رابط الحلقة (الدقيقة 15): https://youtu.be/FYgnEDbjnVg?si=qzOgi8eDemMAybj_
أديب الشيشكلي وأنطون سعادة:
كانت المرة الأولى التي لفت فيها اسم أديب الشيشكلي نظري عام 1948، عندما اقترحت مجموعة من الضباط القوميين الاجتماعيين على سعادة أن يقوم الحزب السوري القومي بانقلاب عسكري في لبنان. وكان أديب يقاتل آنذاك ضمن جيش الإنقاذ في فلسطين، فاجتمع به سعاده في منطقة بنت جبيل، على أساس أنه قومي اجتماعي، للوقوف على رأيه في هذا الموضوع.
ثم برز اسمه عندما قام أنطون سعادة بالمقابلة الأولى مع حسني الزعيم، بعيد انقلابه العسكري وإطاحته برئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، بتاريخ 30 آذار 1949، أي قبل حادثة الجميزة بشهرين ونصف.
يومها، اعتقد الكثيرون أن أديب كان هو واسطة حسني الزعيم إلى سعاده. وكان أديب قد اشترك في انقلاب حسني الزعيم، وكان آنذاك عقيداً وقائد اللواء الأول. "لكن في الواقع كان الواسطة هو الدكتور صبري القباني". (قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، شحادة الغاوي. ص: 332- 333).
ويقول رجل الاستخبارات الأميركية مايلز كوبلاند، مؤلف كتاب "لعبة الأمم"، في كتابه:
"كان انقلاب حسني الزعيم من إعدادنا وتخطيطنا. لقد قام فريق العمل السياسي، بإدارة الميجر ميد، بإنشاء علاقات صداقة منتظمة مع حسني الزعيم، الذي كان رئيساً لأركان الجيش السوري. ومن خلال هذه الصداقة، أوحى الميجر ميد لحسني الزعيم بفكرة القيام بانقلاب عسكري، اضطلعنا نحن في السفارة بمهمة وضع كامل خطته وإثبات كافة التفاصيل المعقدة.
إلا أن تحركاتنا هذه لم تثر أكثر من شكوك عند الساسة السوريين، فقد كانت كلها سرية ومتقنة الوضع والتخطيط.
كان وزيرنا المفوض السيد كييلي يكن حباً خاصاً للسوريين، ويرى فيهم ميلاً فطرياً للحياة الديمقراطية. إلا أن الأحداث قد أوجدت عندهم عقداً نفسية وهواجس حيال تسلط الأجنبي عليهم، ورأى أن قيام حكم ديكتاتوري لمدة قصيرة سوف يحررهم من النفوذ الأجنبي ومن هواجسهم وأوهامهم عنه.
وفي اليوم الثاني للانقلاب، أمضى الميجر ميد ساعات طويلة مع حسني الزعيم، وهو يحدد له أسماء أولئك الذين يجدر بهم أن يكونوا في مناصب دبلوماسية".
وأيضاً يذكر سامي جمعة في كتاب مذكراته أوراق من دفتر الوطن في (الصفحة 75): يعتقد الكثيرون حتى الآن أن استقبال حسني الزعيم لأنطون سعادة في سورية ودعمه له كان لمواجهة لبنان بشخص رياض الصلح أو رداً على الموقف العدائي الذى وقفه هذا الأخير ضد حسني الزعيم وانقلابه أو محاولة من الزعيم للضغط على الصلح لتغيير موقفه فى قضية النقيب أكرم طيارة المعتقل آنذاك فى لبنان بسبب قيامه باغتيال كامل الحسين. كل ذلك غير حقيقي ولا يمت للواقع بصلة إذ أنه كان بإمكان الفرنسيين الذين شاركوا أمريكا بدعم وإنجاح انقلاب الزعيم أن يوعزوا لأصدقائهم من موارنة لبنان للضغط على بشارة الخوري ورياض الصلح لتغيير موقفهم من حسني الزعيم وانقلابه، والواقع أن الأمريكيين وضعوا (سيناريو) مأساة الحزب السوري القومى وزعيمه أنطون سعادة ولم يطلعوا حسني الزعيم إلا على ذلك الجزء اليسير من (السيناريو) ليرضي طموحاته وعنجهينة، وقد كان هذا السيناريو مؤلفاً من ثلاثة أجزاء هي:
1 - استقبال أنطون سعادة وإيواؤه في سورية .
2 - دفع حسني الزعيم لتحريض سعادة على إشعال الثورة المسلحة في لبنان، شرط أن تكون هذه الثورة محكومة بالإخفاق.
3 - تسليم أنطون سعادة للسلطات اللبنانية لإعدامه.
هذا (السيناريو) وضعه الميجر ميد وطلب من حسني الزعيم تنفيذ البند الأول منه دون إطلاعه على البندين الثاني والثالث. فرح الزعيم بذلك لأنه اعتقد أنه سوف يكسب تأييد حزب منظم وله وجود مؤثر على الساحة السياسية وكان صادقاً بفرحه ومخلصاً بنواياه وبعد البند الأول، وعندما حان موعد تنفيذ البندين الباقيين شرح الميجر ميد لحسني الزعيم الأسباب التي توجب القضاء على الحزب السوري القومي وزعيمه وعزا ذلك لمتطلبات التوازن في المنطقة والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وطلب منه تنفيذ البندين الباقين فأذعن الزعيم وباشر التنفيذ صاغراً.
وأكثر ما يلفت في هذه المرحلة هو ورود اسم الشيشكلي على لسان سامي جمعة، ضابط المخابرات السورية (أوراق من دفتر الوطن. ص: 67 - 110)، الذي تحدث عن دور لأديب عقب الاجتماع السري بين حسني الزعيم وابراهيم الحسيني ووزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شاريت، أو شرتوك، في بلودان قبل ظهر 15 حزيران 1949.
وكان ذلك في اليوم نفسه الذي جرى فيه الاجتماع الثاني بين أنطون سعادة وحسني الزعيم، بعد ظهر 15 حزيران.
وبحسب الرواية المطروحة هنا، فإن أديب كان يعلم باجتماع حسني الزعيم مع شاريت، لكنه كتم هذا الأمر عن سعادة، وهو ما يُقدم باعتباره خيانة صريحة ودوراً في عمالة مفضوحة للعدو. وهذه، وفق هذا الطرح، أولى جرائمه، التي لا يقل دوره فيها عن دور حسني الزعيم وبشارة الخوري ورياض الصلح.
( يتبع... )
19 أيلول 2026.
المراجع:
- النشرة العامة رقم 6، المحفل الأكبر السوري العربي.
- سامي جمعة: أوراق من دفتر الوطن، طبعة 2018 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- جولييت المير سعادة: مذكرات الأمينة الأولى، الطبعة الرابعة 2022 بيروت، دار سعادة للنشر.
- متى أسعد: الماضي المجهول، الطبعة الثالثة، دمشق 2021 دار دلمون الجديدة للنشر.
- شحادة الغاوي: قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، الطبعة الأولى بيروت 2019، دار أبعاد للنشر.
- سامي أيوب الخوري: أمل لا يغيب، الطبعة الأولى بيروت 2007، دار نلسن للنشر.
- أكرم الحوراني: مذكرات أكرم الحوراني، طبعة الأولى 2000 القاهرة، دار ومكتبة مدبولي للنشر.
- مايلز كوبلاند: لعبة الأمم، طبعة أولى 1969 لندن.
- محمد معروف: أيام عشتها 1949 - 1969، الطبعة الأولى 2003 بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر.
- مصطفى رام حمداني: شاهد على أحداث الانفصال، الطبعة الثالثة 2008 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- محمد رضوان الأتاسي: هاشم الأتاسي حياته عصره 1873 - 1960، طبعة أولى 2005 دمشق، الناشر المؤلف نفسه.
مجلة انتماء