كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العماد علي حبيب.. قصة الرجل الذي قال "لا" فدفع الثمن

خلدون عبد العزيز الخن

العماد علي حبيب
بين وسام الشرف العسكري ولعنة العقوبات.. قصة الرجل الذي قال "لا" فدفع الثمن
المقدمة: ظل استثنائي في جدار النظام
في تاريخ سوريا المعاصر، قلّما نجد قائداً عسكرياً رفيعاً جمع بين النقيضين: وسام البطولة في الحروب، وقائمة العقوبات الأمريكية؛ بين منصب وزير الدفاع، والإقامة الجبرية كسجين في بلدته. العماد علي حبيب محمود ليس مجرد وزير دفاع أسبق، بل هو "الأيقونة المزعجة" للنظام السوري، والرجل الوحيد الذي يقال إنه تجرأ على مواجهة الرئيس في ذروة الأزمة، ليدفع ثمن جرأته بعزلته الصامتة حتى الموت.
من تراب صافيتا إلى قمة الهرم
· المولد والنشأة: وُلد عام 1939 في مدينة صافيتا الساحلية (محافظة طرطوس)، لعائلة متواضعة تنتمي للطائفة العلوية التي شكّلت العمود الفقري للنظام.
· النشأة العسكرية: التحق بالجيش عام 1959، وتخرج من الكلية الحربية عام 1962، ليصبح ضابط مشاة. لم تكن ترقيته بالوراثة أو المصاهرة، بل عبر دماء المعارك.
· المعارك الكبرى: قاد معركة "السلطان يعقوب" عام 1982 ضد إسرائيل في لبنان، وتولى قيادة القوات السورية في حرب الخليج الثانية (1990-1991) لتحرير الكويت. تلك المعارك منحته هيبة استثنائية داخل المؤسسة.
· القمة: عُين رئيساً لهيئة الأركان عام 2004، ثم وصل إلى منصب وزير الدفاع في يونيو 2009، خلفاً للفريق حسن تركماني.
لماذا فرضت أمريكا العقوبات عليه؟
في مايو 2011، وبموجب أمر تنفيذي من الرئيس أوباما، فرضت واشنطن عقوبات على علي حبيب شملت تجميد الأصول ومنع التأشيرات.
التهمة الرسمية: "التورط في انتهاكات حقوق الإنسان والقمع العنيف ضد المتظاهرين السلميين".
وهنا تكمن المفارقة الجريئة: فبينما وضعته أمريكا في قفص الاتهام كجزء من آلة القمع، كانت المصادر العسكرية والمنشقون يتحدثون عن حقيقة معاكسة تماماً، جعلته يدفع ثمن العقوبات وهو في عزله!
القصة غير المروية.. رفضه لأمر القمع وتحديه للرئيس
في صيف 2011 المشتعل، اجتمع قادة النظام، وطُرح خيار "الحل العسكري" لسحق المظاهرات. هنا، وبحسب روايات قيادية منشقة، وقف العماد علي حبيب ليقول كلمته التي غيّرت مصيره:
"إطلاق النار على الشعب سيدمر الجيش والبلاد.. لن أكون جزءاً من هذا".
لم يكتفِ بالرفض الشفهي، بل اشترط أن يُعطى أمراً خطياً من الرئيس ليحفظ ظهره، مدركاً أنها جريمة حرب سيدفع ثمنها مستقبلاً. لكن هذه الجرأة كلفته منصبه فوراً. في 8 أغسطس 2011، أُعلن عن إقالته "لأسباب صحية"، لكن الحقيقة كانت عزلته القسرية.
العزلة والصمت القسري
انتقل العماد من قيادة الجيش إلى الإقامة الجبرية في منزله المتواضع ببلدته صافيتا. عاش سنواته الأخيرة كـ"رجل ميت سياسياً"؛ تم عزله تماماً عن المشهد، وحتى عندما ترددت شائعات عن انشقاقه وهروبه إلى تركيا أو فرنسا عام 2013، خرج في فيديو نادر ليؤكد ولاءه للنظام، في مشهد اعتبره البعض إجبارياً لإنقاذ عائلته، واعتبره آخرون انكساراً لرجل أنهكه العزل.
الوفاة.. رحيل الضمير المكبوت
في 20 مارس 2020، أعلن النظام وفاة العماد علي حبيب في مستشفى الأسد الجامعي بدمشق عن عمر ناهز 81 عاماً. نُقل جثمانه إلى صافيتا في جنازة عسكرية رسمية، لكن الغياب كان أكبر من الحضور؛ لم يُمنح مرتبة القادة الراحلين، وكأن النظام كان يتخلص من ذكرى الرجل الذي قال "لا".
الخاتمة: شهادة متناقضة لا تُنسى
يبقى علي حبيب الغامض الأكثر إثارة في الجمهورية السورية. هل هو مجرم حرب استحق العقوبات أم ضمير الجيش الذي أُسكت بالقوة؟ الحقيقة أن الجُرأة الحقيقية ليست في اتهامه أو تبرئته، بل في الاعتراف بأن رجلاً واحداً داخل كبرياء المؤسسة العسكرية امتلك الشجاعة ليرفع صوته رفضاً للدمار، ودفع الثمن غالياً. بموته، مات السر الأكبر عن كيفية عمل النظام، وبقيت سيرته نافذة على لحظة نادرة كان فيها الضمير أقوى من السلاح.
 
المراجع والمصادر:
1. الأرشيف الرسمي لوزارة الدفاع السورية (البيانات الرسمية للرتب والمناصب).
2. وكالة الأنباء السورية (سانا) - بيان إقالته في 8 أغسطس 2011.
3. قرارات الخزانة الأمريكية (OFAC) - مايو 2011 (القرار التنفيذي 13572).
4. تقارير منظمات حقوق الإنسان ومنصة "The Syria Report" حول العقوبات.
5. شهادات الضباط المنشقين والتحليلات السياسية الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط حول انشقاقات الضباط عام 2011.
أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات- ح4 و5
أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات- ح2 و3
أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات.. (الحلقة الأولى)
سورية إلى أين؟
حدود دولة اسرائيل كما قدمتها المنظمة الصهيونية الى مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الاولى
الدكتور أحمد فايز الفواز (أبومحمد) في ذكرى وفاته
العماد علي حبيب.. قصة الرجل الذي قال "لا" فدفع الثمن
مروان حديد
طلال سلمان متذكراً جمال عبد الناصر
عن العدالة الانتقالية
طلال سلمان يروي حكاية ليبيا مع الإمام الصدر
وحدة الكوماندوز البحرية الإسرائيلية اغتالت جنرال الأسد على شرفة منزله في المدينة الساحلية: «لم يلاحظهم أحد» ..
من التغيير في المؤسسات إلى التغيير بالمؤسسات
في ذكرى مغادرة القوات الفلسطينية للبنان
القصة شبه الكاملة لاغتيال اللواء محمد عمران