أديب الشيشكلي بين الظاهر والباطن، حقيقة الدور والارتباطات- ح2 و3
2026.09.23
بقلم: وسام الأسعد
أديب الشيشكلي واختراق الحزب:
سيصبح أديب لاحقاً رئيساً للجمهورية، وسيقرّب إبراهيم الحسيني إليه، ويسلمه مناصب حساسة للغاية.
وبعد استشهاد سعاده، سطع اسم أديب كثيراً ولعب دوراً كبيراً؛ فهو الذي تطوع لتسهيل مجيء جورج عبد المسيح إلى دمشق واستلامه إدارة الحزب. ومنذ ذلك اليوم، بقي أديب لصيقاً بجورج عبد المسيح وعصام المحايري وقيادة الحزب.
وهنا تنطبق عليه، وفق هذا الطرح، صفة القاتل الذي يظل يحوم حول مكان ارتكاب جريمته، مجسداً اختراقاً أمنياً داخل الحزب لا مثيل له.
ومنذ ذلك الحين، لعب أديب دوراً رئيسياً في الدولة الشامية، كما لعب دوراً في توجيه سياسة الحزب في الشام، أو على الأقل التأثير فيها والحضور في تفاصيلها، حتى صار الحزب في الشام، وعلى ألسنة القوى والأحزاب السياسية الشامية (الجمهورية السورية)، يُعرف باسم "حزب الشيشكلي".
الجريمة الثانية: اغتيال العقيد محمد ناصر
في التفاصيل، كانت السيارة السوداء تشق طريقها مسرعة على الطريق الواصل من دمشق إلى بيروت مساء 31 تموز 1950، عندما اعترضتها سيارة قرب مطار المزة العسكري حالياً. نزل منها شخصان وأطلقا النار على الشخص الذي كان يقود السيارة، ليتبين أنه الضابط اللامع العقيد محمد ناصر، آمر سلاح الجو وعضو مجلس العقداء الثمانية الذي شكله نائب رئيس الأركان العامة العقيد أديب الشيشكلي غداة الانقلاب على اللواء سامي الحناوي في كانون الأول 1949.
وكان العقيد ناصر أحد الذين خططوا لهذا الانقلاب ونفذوه، بالتعاون مع العقداء: توفيق نظام الدين، وأمين أبو عساف، وشوكت شقير، وعزيز عبد الكريم.
كان محمد ناصر في طريقه إلى بيروت، ملجأ المعارضين السوريين في تلك الأيام، للإعداد لانقلاب على العقيد الشيشكلي بالتعاون مع المحور الهاشمي، بعدما حلّ الشيشكلي مجلس العقداء الذي حكم البلاد قرابة ستة أشهر، خوفاً من انقلابهم عليه.
ويقول مصطفى رام حمداني في كتابه "شاهد على أحداث الانفصال" إن محمد ناصر كان قد غادر، في الساعة العاشرة مساءً، مطار المزة العسكري، حيث كان يتوسط لحل خلاف وقع داخل المطار.
وفي اليوم التالي، 1/8/1950، أذاع راديو دمشق البيان التالي:
"وقع اعتداء أثيم في الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم أمس 31/7/1950، ذهب ضحيته آمر سلاح الجو السوري محمد ناصر، إذ هاجمه مجهولون يمتطون سيارة وأطلقوا عليه عيارات نارية، وذلك بالقرب من مفرق كيوان. وقد نُقل إلى المستشفى العسكري، حيث أُجريت له عملية جراحية توفي على أثرها في الساعة الثالثة والنصف من صباح الثلاثاء، وقد تولى القضاء العسكري التحقيق في هذه الجريمة".
وقد ذكر أكرم الحوراني في مذكراته المجلد الثالث (ص: 1226- 1235): أن محمد ناصر، الذي كان قد أصيب برصاصة في فكه منعته من الكلام، كتب اسميّ المقدم إبراهيم الحسيني والملازم عبد الغني قنوت باعتبارهما الشخصين اللذين استهدفاه.
وكان المقدم إبراهيم الحسيني رئيس الشعبة الثانية، أي مخابرات الجيش، ومعروفاً بقربه من الولايات المتحدة، وكان على خلاف مع العقيد ناصر، الذي لمح مراراً إلى أصول إبراهيم الحسيني اليهودية وعلاقته بإمرأة قُتلت في نادي الصفا الدمشقي، وترددت أنباء عن دور للحسيني في مقتلها، نشرتها صحيفة "النصر" الدمشقية.
كما عبّر ناصر مراراً عن انزعاجه من مراقبة الحسيني المستمرة له.
حكمت المحكمة العسكرية ببراءة إبراهيم الحسيني وعبد الغني قنوت، وعزلت الحسيني من رئاسة الشعبة الثانية، وأرسل ملحقاً عسكرياً إلى باريس، في إجراء اتخذه العقيد الشيشكلي، الذي يُقدَّم هنا بوصفه صاحب المصلحة الحقيقية في التخلص من محمد ناصر، الذي كان منافساً خطراً له.
وفيما بعد، عيّن أديب الشيشكلي إبراهيم الحسيني مديراً للشرطة والأمن العام، وبقي في هذا المنصب حتى الانقلاب على الشيشكلي.
ولعب الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة والسعودية من جهة، والنفوذ البريطاني عبر المحور الهاشمي وعدة محاور من جهة أخرى، دوراً كبيراً، بحسب هذه الرواية، في التخلص من العقيد محمد ناصر، كونه كان مقرباً من تكتل الضباط المنتمين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، والذي ترأسه فيما بعد المقدم غسان جديد.
المراجع:
- النشرة العامة رقم 6، المحفل الأكبر السوري العربي.
- سامي جمعة: أوراق من دفتر الوطن، طبعة 2018 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- جولييت المير سعادة: مذكرات الأمينة الأولى، الطبعة الرابعة 2022 بيروت، دار سعادة للنشر.
- متى أسعد: الماضي المجهول، الطبعة الثالثة، دمشق 2021 دار دلمون الجديدة للنشر.
- شحادة الغاوي: قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، الطبعة الأولى بيروت 2019، دار أبعاد للنشر.
- سامي أيوب الخوري: أمل لا يغيب، الطبعة الأولى بيروت 2007، دار نلسن للنشر.
- أكرم الحوراني: مذكرات أكرم الحوراني، طبعة الأولى 2000 القاهرة، دار ومكتبة مدبولي للنشر.
- مايلز كوبلاند: لعبة الأمم، طبعة أولى 1969 لندن.
- محمد معروف: أيام عشتها 1949 - 1969، الطبعة الأولى 2003 بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر.
- مصطفى رام حمداني: شاهد على أحداث الانفصال، الطبعة الثالثة 2008 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- محمد رضوان أتاسي: هاشم الأتاسي حياته عصره 1873 - 1960، طبعة أولى 2005 دمشق، الناشر المؤلف نفسه.
*****
الجريمة الثالثة: اغتيال مجيب سلمان المرشد:
يُعتبر مجيب سلمان المرشد (1930–1952)، المنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، صاحب الدعوة المرشدية.
فبعد أن قام والده سلمان المرشد بتصحيح المعتقد وذكر بالوعد القائل إن الله "سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً"، دعا مجيب أتباعه إلى المعرفة الجديدة عن الله، ونصحهم بالالتزام بالأخلاق الطاهرة، وكوّن بإخلاص مذهباً جديداً شديد التماسك.
لكن إلتفاف أتباعه حوله ومحبتهم الشديدة له أثارا نقمة الحاكم آنذاك أديب الشيشكلي. فهذا الأخير لم يكن باستطاعته، وفق هذه الرواية، احتمال رؤية شعبية لأحد غيره في البلاد، فاتخذ قراراً بتصفيته، وعمد إلى سجنه.
لكنه أطلق سراحه تحت ضغط الطائفة المرشدية، حيث نفذت الطائفة في ذلك الوقت، في 5/10/1952، إضراباً شاملاً عن العمل والطعام، مما اضطر حكومة أديب الشيشكلي إلى إطلاق سراحه.
لكن ذلك لم يطل، إذ أرسل الشيشكلي قائد شرطته العسكرية عبد الحق شحادة ليقوم باغتياله في 27/11/1952، ثم أخفى جثمانه.
وتقول الأمينة الأولى جولييت المير في كتاب مذكراتها (ص: 208 - 209): "في أعقاب الرحلة التي قمنا بها إلى مناطق الشمال، أخذ يتردد على بيتنا في دمشق مجموعة من الطلاب، بينهم شابان من عائلة سلمان المرشد هما مجيب وسميع. وكان مجيب شاباً بهي الطلعة، ذكياً ويحب المطالعة كثيراً. وعلمت منه أن شقيقه فاتح أمضى في المزة حوالي سبع سنوات بعد إعدام والده، وأظن أن الأمين الياس جرجي قنيزح كان على اتصال به. وكان فاتح يقرأ في السجن كتابات أنطون سعاده وغيرها من الكتب الحزبية التي كان يسمح له بها، وأظهر إعجابه بأفكار الزعيم. وكان المحامي الياس إسبر يقوم بمساعٍ حثيثة للإفراج عنه، وخلال وقت قصير كان مجيب وشقيقه سميع قد أقسما يمين الانتماء، وكنت أراهما يترددان على البيت مرات مع رفقائنا الطلاب ومرات أخرى لوحدهما".
والنتيجة، وفق هذا الطرح، أن اغتيال مجيب المرشد أدى إلى خسارة النهضة السورية القومية الاجتماعية قامة كبيرة من القامات الوطنية الواعدة، كانت تسعى إلى الإصلاح ووحدة المجتمع السوري، وتسبب ذلك في امتعاض كبير داخل صفوف القوميين وجرح عميق لم تنتهِ تبعاته حتى الآن.
الشيشكلي وحظر الحزب السوري القومي الاجتماعي:
في عام 1952، وخلال تشكيل الحكومة السورية، عُرض على رئاسة الحزب القومي تولّي وزارتَي الدفاع والداخلية، لكن رئيس الحزب آنذاك، جورج عبد المسيح، رفض المشاركة!؟ وبعدها حصل خلاف بينهما وانقطع التواصل مع الشيشكلي، الذي قرر إنشاء حزب. (الماضي المجهول، مذكرات متى أسعد. ص: 99).
"كان معظم الضباط الذين كانوا يحيطون بأديب، من زعماء وعقداء، يرغبون في أن يكون للشيشكلي حزب يخدمه ويخوض كل معاركه السياسية.
وقد قرر أديب، على ما يبدو، أن يلعب دوراً سياسياً في الدولة، مما تسبب له بالضياع، إذ كان يحيط به أصحاب مآرب ومصالح شخصية.
وجاء التأثير الكبير على الشيشكلي من قدري قلعجي، المعروف بشيوعيته، وكان صديقاً قديماً لأديب في شبابهما، ثم تجددت صداقتهما.
وبسبب التوجيه الخاطئ الذي شجّع عليه قدري، قرر أديب أن ينشئ حزباً لنفسه أسماه "حركة التحرير"، وألغى بعدها الأحزاب كلها، وفي مقدمتها الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي كان أيضاً من المطالب الأولى التي وضعها له قدري، أي حظر الحزب السوري القومي أولاً، وبعده الأحزاب الأخرى". (مذكرات الأمينة الأولى، ص: 209).
انتخابات 9 تشرين الأول 1953:
"ليس من الواضح من أقنع أديب الشيشكلي بألا يسمح لأي مرشح من غير مرشحي "حركة التحرير العربي" بالنجاح.
وعندما أُعلنت النتائج، كان الناجح الوحيد من الحزب السوري القومي في الجمهورية السورية هو الرفيق زكي نظام الدين، الذي أعلن المحافظ نجاحه في المساء، وقبل وصول تعليمات وزارة الداخلية بإسقاط جميع المرشحين من غير حركة التحرير. وقيل إنه عوقب على هذا التسرع فيما بعد.
أما الآخرون في جميع المناطق السورية، فلم يحالفهم الحظ في النجاح، ومنهم عصام المحايري، وعدوية الطباخ، ويوسف سمارة، وفاضل كنج، وبديع إسماعيل.
كان فشل الحزب في انتخابات عهد أديب الشيشكلي نكسة موجعة للقوميين الاجتماعيين. فالحزب السوري القومي الاجتماعي، على الرغم من أنه أعطى غطاء الشرعية للانتخابات بدخوله فيها ونزع عنها صفة الحزب الواحد، تلقى ضربة لم تكن تتماشى مع ما قدمه بدخوله الانتخابات.
وإن كان قد اتضح للجميع أن أديب الشيشكلي، لأسباب قد تكون داخلية أو خارجية، لم يفِِ بما كان يعلنه باستمرار من حرية الانتخاب وصدق النتائج". (سامي خوري، أمل لا يغيب، ص: 242).
وقبل سقوط نظام حكمه ببضعة أيام، أمر بإقفال جريدة "البناء" والمطبعة وختمهما بالشمع الأحمر. (مذكرات الأمينة الأولى ص: 223).
(يتبع...)
21 أيلول 2026.
المراجع:
- النشرة العامة رقم 6، المحفل الأكبر السوري العربي.
- سامي جمعة: أوراق من دفتر الوطن، طبعة 2018 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- جولييت المير سعادة: مذكرات الأمينة الأولى، الطبعة الرابعة 2022 بيروت، دار سعادة للنشر.
- متى أسعد: الماضي المجهول، الطبعة الثالثة، دمشق 2021 دار دلمون الجديدة للنشر.
- شحادة الغاوي: قراءة ناقدة في تاريخ صاخب، الطبعة الأولى بيروت 2019، دار أبعاد للنشر.
- سامي أيوب الخوري: أمل لا يغيب، الطبعة الأولى بيروت 2007، دار نلسن للنشر.
- أكرم الحوراني: مذكرات أكرم الحوراني، طبعة الأولى 2000 القاهرة، دار ومكتبة مدبولي للنشر.
- مايلز كوبلاند: لعبة الأمم، طبعة أولى 1969 لندن.
- محمد معروف: أيام عشتها 1949 - 1969، الطبعة الأولى 2003 بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر.
- مصطفى رام حمداني: شاهد على أحداث الانفصال، الطبعة الثالثة 2008 دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
- محمد رضوان أتاسي: هاشم الأتاسي حياته عصره 1873 - 1960، طبعة أولى 2005 دمشق، الناشر المؤلف نفسه.