سورية إلى أين؟
2026.09.21
مروان حبش
من إعادة إعمار الحجر إلى بناء الدولة
ليس السؤال عن سورية اليوم سؤالاً عن المستقبل وحده، بل عن إمكانية الدولة والمجتمع على استعادة القدرة على صناعة المستقبل. فالأزمات الكبرى لا تنشأ من عامل واحد، ولا تُعالج بقرار منفرد، وإنما تتشكل من تفاعل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وديموغرافية وجيوسياسية. وحين يختل أحد هذه العناصر، سرعان ما ينتقل أثره إلى العناصر الأخرى، حتى يتحول الضعف المتراكم إلى أزمة في بنية الدولة نفسها.
لذلك فإن الخطر الأساسي هو النظر إلى المشكلات السورية كملفات منفصلة، بينما هي في حقيقتها أجزاء من أزمة واحدة مترابطة. فالتهديد الخارجي يرتبط بضعف الداخل، والانقسام المجتمعي يرتبط بأزمة الهُوية الوطنية، والاقتصاد يرتبط بالمؤسسات والهجرة، وتراجع الإنتاج يرتبط بالتعليم والكفاءات، كما أن تراجع الثقة يرتبط بقدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: أي سورية يجري بناؤها، ومن يملك القدرة على تحديد ملامحها، وبأي عقد سياسي واجتماعي واقتصادي؟
شبكة التهديدات وأزمة الداخل
تواجه سورية شبكة من التهديدات الخارجية والداخلية، وخطورتها لا تكمن في كل تهديد بمفرده، بل في قدرة كل منها على تغذية الآخر. فالضغوط الخارجية تصبح أكثر تأثيراً حين يكون الداخل منقسماً، والاقتصاد هشاً، والمؤسسات ضعيفة، والمجتمع فاقداً للثقة. وفي المقابل، يمنح استمرار الانقسامات الداخلية القوى الخارجية مجالاً أوسع للتدخل والتأثير.
ولا يمكن لدولة أن تكون قوية في الخارج وهي ضعيفة في الداخل. فالقوة الوطنية لا تقاس بالأدوات العسكرية والأمنية وحدها، وإنما بوجود مجتمع متماسك، ومؤسسات شرعية وفاعلة، واقتصاد منتج، ونظام سياسي يحظى بقدر من القبول، ودولة قادرة على تحويل مواردها البشرية والمادية إلى قوة وطنية.
ومن أخطر ما أصاب سورية تراجع الوحدة المجتمعية. فالدولة لا تقوم على الجغرافيا والمؤسسات فقط، بل تحتاج إلى شعور مشترك بالانتماء إلى وطن واحد. وعندما تتقدم الهُويات الفرعية على الهُوية الوطنية، يتحول التنوع الطبيعي إلى خطوط انقسام سياسية واجتماعية وأمنية. واستعادة الوحدة الوطنية لا تعني إلغاء التنوع، بل تحويله إلى مصدر غنى داخل دولة تقوم على المواطنة المتساوية.
الدولة والمواطنة وعلاقة الدين بالدولة
من القضايا الأساسية التي تحتاج إلى حسم واضح مسألة العلاقة بين الدين والدولة. فالمطلوب ليس إقصاء الدين من المجتمع، ولا تحويل الدولة إلى مؤسسة دينية، وإنما إقامة إطار دستوري وقانوني يضمن حرية الاعتقاد والممارسة، ويمنع تحويل الانتماء الديني إلى أساس للتمييز في الحقوق والواجبات.
إن وضوح هذه العلاقة جزء من الاستقرار السياسي، لأن الغموض يفتح المجال أمام توظيف الدين في الصراع على السلطة، أو استخدام الدولة لفرض رؤية دينية بعينها. والدولة التي تحمي المواطن من التمييز تحمي في الوقت نفسه الدين من التوظيف السياسي والدولة من التحول إلى ساحة للصراع الديني.
ويرتبط ذلك مباشرة بأزمة المؤسسات والصلاحيات. فالدولة القوية ليست الدولة التي تكثر فيها المؤسسات، وإنما التي تعرف كل مؤسسة حدود اختصاصها، وتعمل وفق قواعد واضحة، وتخضع للمساءلة. أما تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القرار وغموض المسؤولية، فيؤدي إلى ضعف الأداء وتأخير القرارات والتهرب من المسؤولية وتراجع ثقة المواطن.
وهنا تظهر الفجوة التأسيسية: فإذا لم تكن قواعد الدولة ومؤسساتها وصلاحياتها واضحة، فإن إصلاح الاقتصاد والاستثمار والقضاء والتنمية.... سيظل معرضاً للانتكاس.
الخارج وإعادة الإعمار
لا يمكن لسورية أن تتعامل مع العالم باعتباره فضاءً للمساعدة فقط. فالدول تتحرك وفق مصالحها، ورأس المال يبحث عن عائده، والقوى المختلفة تسعى إلى توسيع نفوذها. وهذا لا يعني أن كل تعاون خارجي مؤامرة، ولا أن كل استثمار خطر، بل يعني أن سورية تحتاج إلى معرفة مصالحها الوطنية والتفاوض من موقع الدولة القادرة، لا من موقع المحتاج الذي يقبل بأي شروط. وتبرز هنا قضية إعادة الإعمار: لمن ستكون فائدتها؟
فيمكن أن تُبنى الأبراج والمراكز التجارية والفنادق والمجمعات السكنية، بينما تبقى الصناعة والزراعة والتعليم والبحث العلمي ضعيفة. عندها تكون البلاد قد أعادت بناء الحجر، لكنها لم تُعِدْ بناء الوطن.
والخطر أن يتحول العقار إلى مركز العملية الاقتصادية، وأن تصبح المناطق التي تراجعت قيمتها خلال الحرب فرصاً ضخمة لرؤوس الأموال، بينما يُهمَّش السكان الذين عاشوا فيها. لذلك لا يكفي السؤال: كيف نبني؟ بل يجب أن نسأل: لمن نبني؟ ومن سيستفيد من البناء؟
فإذا تحولت المدن إلى مجرد أصول عقارية، وتحول المواطن إلى مستأجر داخل المكان الذي كان وطنه، تصبح إعادة الإعمار إعادة تشكيل للمكان من دون استعادة المجتمع.
اقتصاد منتج وإنسان قادر على البقاء
لا يمكن للاستقلال السياسي أن يستند إلى اقتصاد عاجز عن الإنتاج. فالصناعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل عنصر من عناصر الاستقلال الوطني، والزراعة ليست مجرد مصدر للغذاء، وإنما جزء من الأمن الاجتماعي والاستراتيجي، والتعليم استثمار في قدرة الدولة على المستقبل، والبحث العلمي أحد مصادر القوة في عصر المعرفة.
ولهذا ينبغي أن تنتقل الأولوية من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والعقار والخدمات غير المنتجة إلى اقتصاد يوسع قاعدة الإنتاج ويخلق قيمة مضافة حقيقية.
ويرتبط ذلك بالنزيف الديموغرافي وهجرة الكفاءات ورجال الأعمال، وحينها لا تخسر سورية أشخاصاً فحسب، وإنما تخسر سنوات من التعليم والخبرة والتجربة. كما أن أصحاب الخبرات المتراكمة، بمن فيهم المتقاعدون، يمثلون ثروة معرفية يمكن الاستفادة منها.
إن دولة تعيد بناء مؤسساتها من دون استعادة أبنائها وخبراتها ستظل في مفارقة مؤلمة: تستورد الخبرة من الخارج، بينما تصدر خبرتها إلى الخارج.
ولا يمكن تجاهل البطالة والفقر واتساع الفجوة الاجتماعية. فالفقر لا يعني نقص الدخل فقط، بل يولد التهميش ويضعف الثقة ويدفع الشباب إلى الهجرة أو إلى أنشطة غير منتجة. لذلك فإن معيار نجاح الاقتصاد ليس عدد الأبراج والمشاريع العقارية، بل عدد فرص العمل المنتجة، والمصانع التي عادت إلى الإنتاج، والأراضي التي عادت إلى الزراعة، والأسر التي أصبحت قادرة على تأمين حياة كريمة.
الفجوات الثلاث
يمكن اختصار جانب أساسي من المأزق السوري في ثلاث فجوات مترابطة:
أولاً، الفجوة التأسيسية: وتتعلق بطبيعة الدولة، وشكل النظام السياسي، والمواطنة، والصلاحيات، والعلاقة بين السلطات، وعلاقة الدين بالدولة، والحقوق والحريات.
ثانياً، الفجوة التشغيلية: وتتعلق بقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ قراراتها، وكفاءة الإدارة، ووضوح المسؤوليات، ومكافحة الفساد، وتحويل السياسات إلى نتائج.
ثالثاً، الفجوة التنموية: وتتعلق بقدرة الاقتصاد على الإنتاج، وخلق فرص العمل، واستعادة الصناعة والزراعة، وإصلاح التعليم والبحث العلمي، واستعادة الكفاءات.
والخطأ هو معالجة الفجوة التنموية مع ترك الفجوة التأسيسية قائمة، أو تغيير القوانين من دون إصلاح الإدارة، أو ضخ الأموال في اقتصاد لا يمتلك قاعدة إنتاجية. فالنتائج لا تستقيم إذا عولجت الأعراض وبقيت الأسباب.
وتبقى الثقة مورداً وطنياً لا يظهر في الموازنة، لكنه ضروري لعمل الدولة. فالثقة بين المواطن والدولة، وبين المستثمر والقانون، وبين المؤسسات والمجتمع، تخفض كلفة العمل والاستثمار والهجرة والقرار. وعندما تنهار الثقة، يبحث رأس المال عن مكان آخر، والكفاءات عن بلد آخر، والمواطن عن شبكات غير رسمية تحمي مصالحه. لذلك فإن استعادة الثقة ليست شعاراً أخلاقياً، بل شرطاً لإعادة تشغيل الدولة.
أي مستقبل ينتظر سورية؟
لا يوجد مستقبل واحد محتوم أمام سورية، بل عدة احتمالات:
الأول هو الاستقرار الهش، تمنع الدولة الانهيار، لكنها لا تعالج الأسباب العميقة للأزمة، فتتحسن بعض المؤشرات وتبدأ مشاريع الإعمار، بينما تستمر البطالة والهجرة وضعف الثقة.
والثاني هو تحول سورية إلى ساحة نفوذ، حين يستمر ضعف الداخل فتزداد قدرة القوى الخارجية على التأثير في القرار الوطني، وتصبح المشاريع الاقتصادية والممرات والأسواق ومناطق النفوذ أقوى من المشروع الوطني نفسه.
والثالث هو إعادة بناء الدولة من الداخل، وهو الأصعب والأكثر قدرة على إنتاج الاستقرار. ويبدأ بعقد سياسي واسع، ومؤسسات واضحة، ومواطنة متساوية، وقواعد مستقرة، واقتصاد إنتاجي، وفتح المجال أمام عودة السوريين ومشاركتهم.
أما الرابع فهو إعادة إنتاج الأزمة، حين تستمر معالجة المشكلات بصورة منفصلة، وتتراكم الفجوات، ويزداد الفقر والهجرة والانقسام، وتضعف الدولة أكثر، فتتحول الأزمة من حالة استثنائية إلى طريقة دائمة لإدارة الحياة السياسية.
من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة
المطلوب ليس قراراً إدارياً أو خطة اقتصادية منفردة، وإنما مسار سياسي يحظى بتوافق اجتماعي واسع. والتوافق لا يعني الاتفاق على كل شيء، بل الاتفاق على قواعد تسمح للسوريين بالاختلاف من دون أن يتحول اختلافهم إلى صراع على وجود الدولة نفسها.
ويجب أن يترافق ذلك مع مشروع اقتصادي لا يجعل سورية مجرد سوق لإعادة توزيع الثروة، بل قاعدة إنتاجية قادرة على خلقها.
فالإعمار الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل الحجر: من المدرسة والجامعة والمصنع والمزرعة والمستشفى ومؤسسات الدولة، ومن استعادة الطبيب والمهندس والعامل والمزارع والباحث ورجل الأعمال. كما يعني أن يكون الاستثمار الخارجي شريكاً في التنمية، لا بديلاً عن القرار الوطني.
سورية ليست أرضاً للاستثمار فقط. إنها مجتمع قبل أن تكون سوقاً، ووطن قبل أن تكون عقارات، وذاكرة وهُوية وحقوقاً قبل أن تكون موقعاً استراتيجياً. ومن يملك المال يستطيع شراء الأرض، لكنه لا يستطيع شراء الانتماء الوطني.
إعادة إعمار بلد أم إعادة بناء وطن؟
إن السؤال «سورية إلى أين؟» ليس سؤالاً تشاؤمياً عن المصير، بل سؤال عن الإرادة السياسية والقدرة على الاختيار.
إما أن تستمر سورية في إدارة الأزمات، فتنتج كلُّ أزمةٍ أزمةً جديدة، ويتحول الضعف الاقتصادي إلى ضعف سياسي، والسياسي إلى اجتماعي، والاجتماعي إلى مزيد من الهجرة والانقسام، فيزداد نفوذ الخارج.
وإما أن تنتقل من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة. وهذا الانتقال يحتاج إلى مراجعة الأفكار وأساليب الحكم، والاعتراف بالأخطاء، وبناء دولة لا تكون ملكاً لقوة سياسية أو اجتماعية واحدة، بل دولة لجميع مواطنيها.
سورية لا تحتاج إلى المال وحده، بل إلى رؤية. ولا تحتاج إلى المشاريع وحدها، بل إلى أولويات. ولا تحتاج إلى مؤسسات كثيرة، بل إلى مؤسسات فاعلة. ولا تحتاج إلى قوانين فقط، بل إلى سيادة القانون. ولا تحتاج إلى استثمارات فحسب، بل إلى اقتصاد منتج. ولا تحتاج إلى عودة السوريين فقط، بل إلى بيئة تجعل العودة عودة إلى المستقبل لا إلى الماضي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تفشل سورية في بناء مدينة حديثة، وإنما أن تبني مدناً حديثة ومجتمعاً يزداد فقراً، أو أبراجاً شاهقة واقتصاداً لا ينتج، أو تستقبل استثمارات ضخمة بينما تستمر عقولها في الهجرة، أو تعيد بناء الحجر من دون إعادة بناء الثقة.
فالبلاد لا تنهض بكثرة الأبنية، وإنما بقدرتها على إنتاج الإنسان والاقتصاد والمؤسسة والثقة.
وفي النهاية، لا يبدأ الطريق إلى سورية المستقبل من السؤال: كم ستدفع الدول لإعادة إعمار سورية؟ بل من السؤال الأعمق: أي دولة نريد أن نبني؟
فإذا كانت الإجابة دولة المواطنة والمؤسسات والإنتاج والعدالة والقانون، تصبح إعادة الإعمار وسيلة لبناء المستقبل. أما إذا كانت مجرد إعادة بناء لما تهدم، فقد تستعيد سورية أبنيتها، لكنها لن تستعيد بالضرورة قدرتها على صناعة مستقبلها. وهذا هو الفارق بين إعادة إعمار بلد، وإعادة بناء وطن.