كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الحرامي الظريف

خطيب بدلة

كان أحد الرجال، ولنسمه- اصطلاحاً- الأستاذ نادر، يعمل بصفة مدير لأحد المراكز الثقافية الرئيسية في إحدى المحافظات. كل الذين يعرفون (نادر) يقولون إنه حرامي من الطراز الرفيع.
ومع أن المراكز الثقافية ليس لها موارد ونفقات كثيرة يمكن للمرء أن يسرق منها، إلا أن صاحبنا قد رتب أموره المتعلقة بالسرقة على الأربعة والعشرين قيراط، فعدا عن الأموال التي كان يسرقها من ميزانية المركز الثقافي، كان يقبض رشاوى من بعض الناس الذين لهم مصالح في دوائر حكومية أخرى، أو في العاصمة، ويحل قضاياهم عند المسؤولين الآخرين، إما بالصداقة والـ (يا عيني، يا روحي)، أو بالنفوذ، أي بإجراء اتصالات هاتفية بين المسؤولين الـ (فوق) والمسؤولين الـ (تحت).
وكان ظريفاً للغاية، والذين كانوا يجالسونه قالوا إن الجلسة معه، على كاس عرق، رائقة جداً، فهو، من كثرة ما ينكت، وبطريقة بارعة، لا يترك هماً من هموم الدنيا على قلوب جلاسه.
من الأشياء الظريفة التي رويت عن (نادر) أنه استضاف، ذات يوم، شاعراً سورياً حداثوياً يتسم شعره بالغموض.. وكان يحضر، في الأمسية، أحد عناصر الأمن..
بعد انتهاء الأمسية دخل عنصر الأمن على الأستاذ نادر، وأغلق الباب من الداخل، وقال له:
أرجوك يا أستاذ أخرجني من هذه الورطة، فلقد أرسلني (المعلم) بمهمة إلى هنا، وعلي الآن أن أكتب تقريراً عن القصائد التي ألقاها الشاعر.. وبصراحة يا أستاذ أنا أصغيت للشاعر جيداً، وفتحت أذني عشرة على عشرة، ومع ذلك لم أفهم جيداً.
ضحك (نادر) حتى انقلب على قفاه وقال له: الله وكيلك أنا مثلك وأكثر، الله يحرمني نظري إذا كنت فهمت من شعر هذا الزلمي كلمة واحدة!
قال العنصر: والحل؟
قال (نادر): الحل ما في أسهل منه. اكتب في التقرير (هذا الشاعر معنا).. وإذا سألك معلمك عن مصدر هذه المعلومة حَوّلْه علي، فأنا متأكد أنه (معنا).
من أحد كتبه القديمة