كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سلمية واحة كتب نبتت على أطراف الصحراء.. ولها بنات مثل غزل الحاج

منصور المنصور

سلمية ليست مدينة بلا حزن؛ ربما سرها أنها تعرف كيف تحمل حزنها دون أن تفقد قدرتها على الحلم. إنها مدينة تعلمت أن تبني سماءها حين تضيق بها الأرض. لكن الحزن يسكنها، لا لأنها خالية من الحياة، بل لأنها تعرف معنى الفقد. طيورها تبحث عن أغصان تأوي إليها، وأحلام أبنائها كثيرًا ما تضطر إلى الرحيل بعيدًا. وللماغوط قول فيها. هي مدينة:
يحدها من الشمال الرعب
ومن الجنوب الحزن
ومن الشرق الغبار
ومن الغرب.. الأطلال والغربات
ويمكن أن اقول إنها مدينة الشعراء والفنانين التشكيلين والمثقفين، بل هي مدينة الثقافة. بابها مفتوح على الصحراء، وبهذا هي واحتها. فيء الواحة هو الكتاب، ومائها هو اللهجة السلمونية المرحبة بالضيف، والتي تجعل حرف الياء الفا.
سلمية مدينة فقيرة وهمشت كثيرا، إلا في الإنسان. وحين بخلت عليها الأرض بالماء، أنبتت الكتب، وحين ضاقت بها الجغرافيا، اتسعت بالخيال. يرحل أبناؤها ويتركون قلوبهم معلقة على نوافذها، مصابيح لا تنطفئ، يعيشون على الحنين حتى يأتي قطار العمر فيعودون حاملين حبهم.
في مدن كثيرة يكون المال هو الميراث الأول الذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء، أما في سلمية فقد كان الميراث كتابًا، أو شهادة جامعية، أو فكرا. لم يكن التعليم ترفًا ثقافيًا، بل كان طريقًا للخروج من ضيق المكان إلى اتساع العالم، هو اسلوبا للعيش. فالكتاب هو راس المال المتداول بين اهالي سلمية.
سلمية مشروعا للحرية، تشرع ابوابها للعقل. غزاها مجموعة من الرعاع وعكروا صفوها الاسبوع الماضي. واليوم يختطفون صبية جميلة "غزل الحاج". فاسمها يشبه سلمية، والسلامنة يعتبرون الغزل خبزا ومشروعا لمن يملك قلبا.
لي في سلمية ثروة من الاصدقاء، قاسمهم المشترك الطيبة وبساطة الحياة ورفض الظلم. سأردد مع الكبير الماغوط:
سلمية: الدمعة التي ذررفها الرومان
على أول أسير فك قيوده بأسنانه
ومات حنينا اليها
سلمية... الطفلة التي تعثرت بطرف أوربا
وهي تلهو بأقراطها الفاطمية
وشعرها الذهبي