كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين الشيخ شعبان منصور ومشايخ الأسلمة: هنا يبدأ التزوير ونعرف من الدخيل

ريتا خير بك

منطقيا، وبأبسط قواعد الفهم الاجتماعي، الإنسان لا يستهجن ما تربّى عليه، بل يستهجن ما يشعر في أعماقه أنه دخيل على ذاكرته وهويته وتكوينه الأول.
يعني:
إذا شفت ناس رايحة ع المقام، تشعل بخور، تجتمع، تعمل عيد، ترسم العيد، وتبعث أولادها ليتعلموا الدين عند الشيخ بعمر معيّن، فأنت كعلوي لا ترى في هذا مشهدًا صادمًا، حتى لو اختلفت معه ببعض التفاصيل. لماذا؟ لأن هذا المشهد موجود في الذاكرة الجمعية، في الطفولة، في البيوت، في الوجدان، في تفاصيل النشأة نفسها. هذا ليس تفصيلاً. هذا هو جوهر الهوية: ما يدخل إلى الطفل قبل أن يدخل إلى اللغة نفسها.
أما حين ترى بنتًا علوية عمرها خمس سنوات جالسة في جامع محجبة، أو شيخًا علويًا يقف ليؤدي صلاة المسلمين على الملأ تحت عنوان التقية أو إثبات الإسلام، فمن الطبيعي جدًا أن ترى جمهورًا واسعًا يرفض، ويستنكر، ويتنكر لهذا المشهد. ليس لأن الناس “تكره الدين”، ولا لأن النساء “جاهلات”، بل لأن الحسّ الاجتماعي أصدق أحيانًا من ألف تنظير. الجسد يتذكر. الطفولة تتذكر. الذاكرة الدينية تتذكر. والناس تميّز، حتى لو لم تدرس علم اجتماع ولا علم نفس ديني، بين ما هو نابع من صلب تكوينها، وما هو مفروض عليها من خارجها.
ولو كان هذا السلوك من صلب العقيدة فعلًا، لما أثار كل هذا النفور. هذه نقطة منطقية بحتة. لأن الممارسات الأصيلة لا تصطدم بالوجدان الجمعي بهذا الشكل. ما ينسجم مع البنية الرمزية للمجتمع يمرّ طبيعيًا، أما ما يأتي كاقتحام للرموز والذاكرة والطفولة، فيُستقبل كعدوان، لا كتديّن.
المسألة هنا ليست “حلال وحرام” بالمعنى الساذج، بل مسألة تنشئة اجتماعية وذاكرة جمعية وعنف رمزي. حين تغيّر الرموز، وتعيد تشكيل صورة الطفولة، وتستبدل المقام بالجامع، والذاكرة المحلية بخطاب إثبات الإسلام، فأنت لا “تصلح الدين”، بل تعيد هندسة المجتمع من الداخل. أنت تعبث بوجدان الناس، ثم تستغرب غضبهم.
ولهذا بالضبط، يبقى الشيخ شعبان منصور علامة فارقة لا يزاود فيها أحد على أحد. أنا لا أتكلم هنا من سماع، بل من ذاكرة شخصية ومعايشة حقيقية. هذا الرجل كان صديق العائلة، ورأيته وجالستُه مئات المرات. وأعرف تمامًا الفرق بين شيخ خرج من قلب البيئة، وبين من خرج ليؤدي دورًا على حسابها.
الشيخ شعبان بنى مشفى، ولم يبنِ جامعًا.
هذه وحدها جملة تكفي ليفهم العاقل كل شيء.
لم يقف في مسجد الضيعة ليصرخ: نحن مسلمون لم يحتج أن يعتدي على ذاكرة الناس حتى يثبت إسلامه وإسلامهم.
لم يحوّل الدين إلى استعراض هوية أمام جمهور مأزوم.
ولم يدخل إلى كرامة الناس الدينية من باب الإنكار عليهم، أو إعادة تربيتهم على صورة غريبة عنهم.
هنا الفرق بين من يفهم الناس، ومن يريد اقتلاعهم من أنفسهم.
بين من يحترم الذاكرة، ومن يعلن الحرب عليها.
بين شيخ خدم المجتمع، وشيخ يريد محو ذاكرته.
بين من بنى مستشفى، ومن يبني منصة إنكار.
المشكلة ليست أن الناس “لا تفهم”.
المشكلة أن بعض المشايخ يفهمون جيدًا ما يفعلونه، ومع ذلك يصرّون على العبث بذاكرة جماعية كاملة، ثم يطالبون الناس بالصمت، وكأن الكرامة الدينية تفصيل، وكأن الطفولة لا تترك أثرًا، وكأن النساء لا يفهمن.
والحقيقة؟
كثير من النساء يعرفن من دين البيئة، ومن صدق الفطرة، ومن حدود الدخيل، أكثر من رجال قضوا أعمارهم في التبرير واكل البرغل وتبويس اليدين !
الأسلمة هنا ليست تدينًا. الأسلمة هنا مشروع اقتحام.
اقتلاع بطيء للرمز، وتشويه للطفولة، وإهانة لذاكرة الناس باسم التصحيح والتقية !
ومن لا يفهم قيمة الذاكرة، لن يفهم أبدًا لماذا تغضب الناس حين ترى بنتًا صغيرة محجبة في الجامع، بينما لا تستهجن زيارة المقام ولا طقوس العيد.
لأن الأولى اقتحام، والثانية امتداد.
الأولى دخيلة، والثانية نابعة.
الأولى تزوير، والثانية ذاكرة.
الناس لا تثور على ما تعرفه.
الناس تثور على ما تشعر، بالفطرة والذاكرة معًا، أنه جاء ليقتلعها من نفسها!