من ذاكرة الطفولة البعيدة
2026.02.07
سميرة جبارة
العشرون من أيلول عام 1961..
كنتُ طفلاً.. كنا نقيم منذ أكثر من عشرة أيام في بيت عمتي المتزوجة من رجل لبناني..
أبي و زوج عمتي و معهما ابن أخ زوج عمتي و كان قاضياً في الأربعينات من عمره و قد أصبح لاحقاً رئيساً لمحاكم الاستئناف في لبنان.. كانوا جالسين في غرفة الجلوس يتناولون كأساً قبيل موعد الغداء..
علت الأصوات.. القاضي يقول لأبي: "خلص.. سوريا أصبحت مستعمرة مصرية.. و عليك أن تبقى في بيروت حتى آخر عمرك"..
أجاب أبي غاضباً و بصوتٍ مزمجر: "الشام ما بتنام على ضيم يا سهيل.. الشام ما بتنام على ضيم"..
ثمّ التفتَ إلى والدتي و قال لها: "قومي ضبي الشناتي.. هلأ بدي ارجع عالشام"..
شاهدتُ ملامح الخوف على وجه أمي و وجه عمتي.. لم أفهم سبب خوفهما يومذاك.. لكنني فهمتُ لاحقاً..
عدنا إلى دمشق بعد أن وافق أبي بصعوبة على تناول الغداء الذي كانت عمتي قد تعبت ساعات في تحضيره..
بعدها بثمانية أيام حصل انقلاب الانفصال.. و لم يصدق زوج عمتي و القاضي ابن أخيه حتى وفاتهما أن والدي لم يكن على علم بحركة الضباط..
أنا صدّقتُ أبي و ما زلت أصدّق ما قاله..
فأبي لم يكذب يوماً..