كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قصة من الماضي.. عن العنصرية البعثية

أسامة سلامة

كنت في صف البكالوريا علمي في تجهيز مرمريتا الرسمية، أواخر ستينات القرن الماضي، وكان يتوجب على الطلبة صباح كل يوم ترداد شعار حزب البعث الحاكم قبل الدخول إلى قاعات التدريس.
في تلك السنوات لم تكن الدنيا تتسع لنشاطنا وطموحنا، الطلبة في أغلبهم غير بعثيين بل كانت الغالبية منهم تنتمي إلى الحزب السوري القومي الإجتماعي بحكم إنتماء أهلهم التاريخي حيث كانت مرمريتا معقلا تاريخيا للحزب القومي منذ منتصف ثلاثينات القرن الماضي، كما أن هناك بعضا من الطلبة ذوي الميول الشيوعية.
ذات صباح من عام 1967 وقف العريف الأسبوعي الدائم، وهو ذو صوت جهوري مرددا الشعارات الحزبية ليرددها الطلبة من بعده، كنت على الدوام أثناء ترداد الشعار أقف صامتا، يومها لاحظ العريف الأسبوعي ذلك وطلب مني ترداد الشعار فرفضت، دخلنا إلى الصفوف وبعد لحظات جاء الموجه إلى الصف وأستدعاني لمقابلة المدير البعثي، وعندما وقفت أمام مكتبه زعق بي بأعلى صوته: ستردد الشعار غصبا عنك، وسأكسر رأسك ورأس عائلتك الرجعية "ملمحا إلى كوننا عائلة تنتمي بكل أفرادها للحزب القومي الإجتماعي المصنف رجعيا في أدبيات البعث"، ثم أردف أخرج أنت مطرود من الثانوية، خرجت من مكتبه حانقا ودخلت الصف لآخذ محفظتي وأخبرت زملائي بأنني مطرود، همهم الطلبة وساد جو من الإستياء وخرجوا جميعا من الصف ومن الصفوف الأخرى، وجرت معركة بين غالبية الطلبة وبين الأقلية البعثية بالعصي والقشاطات وبالأحجار المتوفرة، جرح بعض الطلاب على الأثر، وبعد قليل حضرت الشرطة والمخابرات وأعتقلت بعضا من الطلبة، وفررت أنا وأختبأت في منزل أحد الأقرباء لمدة تزيد عن الأسبوع، ذهب أثنائها المرحوم والدي إلى دمشق وقابل وزير التربية آنذاك الذي تدخل مع الجهات الأمنية المختصة وطلب من والدي عودتي إلى متابعة دروسي، ثم عاد زملائي المعتقلين إلى الثانوية بعد قضاء أسبوع في بيت خالتهم مع الضيافة اللائقة في مثل هذه المناسبات، وها أنا أستذكر بعد تلك السنوات الطويلة هذه الحادثة بألم شديد وأحزن على تلك التصرفات القهرية، وأترحم على بعض زملائي الذين عانوا مرارة السجن وهم فتية صغار وقد توفي بعضهم فيما بعد، وأعتقد أن من عاش تلك الحقبة يتذكر تلك الأحداث بتفاصيلها المؤلمة.