كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ما في إسعاف!

محمد صباح الحواصلي
علمنا بوفاة والد صديقة لنا.. فاتصلتْ بها فريال وقدمت لها كلمات العزاء، واتفقنا أن نزورها في اليوم نفسه عند السادسة مساءً في منزلها بمدينة (أفريت) في ولاية واشنطن.
في الطريق الطويل إلى بيتهم، مع دخول المساء، وتوقع هطول الثلج، تحدثتُ وفريال عن الراحل الذي التقينا به منذ عشر سنين خلال قدومه من دمشق إلى واشنطن لزيارة ابنته، وعلمنا يومها أنه محامي، وأنه من الحزب السوري القومي الإجتماعي، وأنني استمتعت بحديثه وسعة معرفته على الرغم من اختلافنا في الرأي.. والرائع أننا لم نتحدث في القومية (سورية كانت أم عربية) بل تحدثنا والتقينا بحب الوطن سوريا. كان يجيد الحديث كما يجيد الإصغاء، ويجيد انتقاء الأفكار والشواهد واللطائف، وكانت له ابتسامة رصينة أخذتْ عيناهُ منها الإشراق.
وقلت لفريال أيضاً: الرائع إننا تحدثنا في السياسة عندما تكون السياسة من أجل وطن أفضل ، وتحدثنا عن اعجابنا المشترك في أشياء وأسماء كثيرة كان في مقدمتها الدكتور هشام شرابي وكتابه (جمر ورماد)، وتنمني أدونيس لو يكتب كتاباً مثله!
وصلنا إلى منزل الصديقة في (أفريت). قدمنا لها كلمات العزاء واتبعناها بكلمات السلوان، وشربنا القهوة المرّة مع التمر.. واصغينا للأحزان: كيف تلقتْ ابنته الخبر الفاجع.. وكيف انقلبت الدنيا على عقبها في لحظات، وكيف تصارع التصديق مع عدم التصديق، وطغى الحزن، وعظُم الشوق، ثم أخيراً كيف بسط التسليم سلطانه على ذوي الراحل.
وحدثتنا ابنته عن دقائق الرحيل الأخيرة في صباح دمشقي كان يتأهب لطرد البرودة واستقبال الربيع من جديد.. قالت الابنة:
"دخلت أمي بصينية القهوة، وما أن وصلت قرب أبي حتى قال لها: أشعر بألم في صدري.. اتصلي بالإسعاف. أسرعت أمي وأتصلت بالإسعاف وأخبرتهم بحالة المريض الخطرة، فجاء الرد:
(ما في إسعاف، ما في وقود ولا خدمات!)
أي بمعنى آخر: (دبري راسك)!! واتصلت أمي بطبيب قريب أتى مسرعاً.. ولكن بعد أن فارق الغالي الحياة.
السبت ٢٥ شباط ٢٠١٧
كافنغتون - واشنطن