كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العلم مترجلاً

خالد نعمة

مع أن الموت هو الوجه الآخر للحياة واستكمال لها، إلا أن وقعه صعب على الأنفس، لأنَّ كلَّ فرد هو شيء لا يمكن أن يتكرَّر بسبب فرادته وتميزه.
ويزداد الوقع صعوبة إن كان الراحلون من جملة القامات العلمية، التي يقلُّ نظيرها.
قبل أيام كنت ورفيقي (جان تارك) في حديث عنه وعن مناقبه وعن طول باعه العلمي منذ أن كان طالباً في ألمانيا الديمقراطية، وما كان في البال أنَّ ماء حياته قد شارف على النفاد.
في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته جمعتنا اجتماعات الكادر الهندسي الشيوعي، وكانت لقاءاتنا تلك تجري أغلب الأحيان في شقة رفيقنا الدكتور (فاروق الدريعي) في شارع خالد بن الوليد بمدينة دمشق، كما جمعتنا مؤتمرات نقابة المهندسين السوريين العاصفة، التي دأبنا على جعلها حامية الوطيس بمداخلات مندوبينا الشيوعيين، بينما كنا نتداخل لنطرح هموم جماعتنا الهندسية مضافة إلى هموم باقي أفراد الشعب السوري الحياتية والسياسية والاقتصادية.
كان منارة علمية في مجال اختصاصه فلهج باسمه طلابه، كما كان شخصية بالغة الاستقامة في سلوكها إلى درجة أنَّ لا ذقن ممشوطة لديه، حتى لو كانت لصاحب أكبر بيضة سلطوية في البلد، إذ لا مساومة في العلم، ولا تهاون. فما نال طالبه عنده إلا ما استحق وبمقدار ما اجتهد دون زيادة أو نقصان أو ظلم أو محاباة.
خسرت سوريا كثرة من أبنائها لا تعد، إلّا أنَّ أعظم خساراتها هي في قناديلها العلمية، التي يطفئها بالتدريج الموت أو التطفيش أو الاستبعاد أو الإهمال.
آخر الخسائر السورية الكبيرة في هذا المجال هو ذلك الفراغ العلمي والأخلاقي، الذي سيخلفه وراءه الدكتور (مطانيوس عقل)، إذ انتقل من دنيا الحق إلى أخرى لا نعرف كنهها بعد.
طيب الذكر لاسمك وعلمك وسيرتك أيها الراحل.