من جعبة نصر شمالي
2025.09.24
نصر شمالي
واشنطن تفتعل الأزمات والحروب في العالم عموما كتجارة، كمصادر دخل هائل لخزينتها، وهي تديرها على جميع جبهاتها أحيانا، وتبيع الحلول لجميع أطرافها أحيانا، أو تستثمرها كأزمات وحروب مفتوحة لزمن قد يطول كما هو الحال في بلادنا العربية، وإن ما نشهده اليوم من عمليات حربية رهيبة في فلسطين وغيرها يأتي في سياق الاستراتيجية الأميركية هذه، أما عن إسرائيل فهي ليست وطنا ولا شعبا ولا دولة، بل مجرد أداة أو قاعدة أو حاملة طائرات أرضية أميركية.
*****
عن سورية، ذكرنا في منشور سابق أن سنوات الحكم العسكري لسورية التي بدأت في العام 1949 انتهت في العام 1954، إنما إلى حين، فقد كانت جميع التيارات السياسية مجمعة على إنهاء ذلك العهد العسكري بما فيها قيادات وطنية عسكرية في الجيش، لكن تلك السنوات من العسكرة كانت قد فعلت فعلها السلبي في أوضاع التيارات السياسية عموما، حيث زال النظام العسكري مخلفاً سهمه المسموم في جسد الوطن، فضعف التركيز على تحقيق تطوير سورية ديمقراطياً، وبخاصة تطوير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية..
لقد ضعف التركيز وإن هو لم يتوقف! وجاء اغتيال العقيد عدنان المالكي ليدق إسفيناً آخر في علاقات التيارات السياسية بعضها ببعض ويبذر المزيد من بذور الصراع بينها، وهو الصراع الذي سرعان ماشمل الجميع: اليسار عموماً ضد اليمين عموماً وبالعكس، وداخل معسكر اليسار عموماً بعضه ضد بعض، وداخل معسكر اليمين عموماً بعضه ضد بعض! أي أن العدو الأنجلوسكسوني الصهيوني نجح في إرباك التيارات الوطنية وفي شغلها ببعضها إلى حد كبير عن أهدافها الستراتيجية الثلاثة: التطور الطبيعي الديمقراطي للمجتمع السوري، والتصدي للإسرائيليين، والسعي من أجل وحدة أو اتحاد البلاد العربية!
ونشبت حرب السويس ضد مصر عام 1956، وتلتها الحشود التركية/الأميركية ضد سورية عام 1957، فاشتد الاضطراب في أوضاع التيارات السياسية كلها بالرغم من الإجماع العام المؤثر على المقاومة.. أما عامة الشعب السوري، كرأي عام، فقد كان يتابع بانتباه ما يحدث ويشعر فطريا بالأخطار العظمى المحيقة بسورية (سورية المقلصة أصلاً!) ويشعر بأن ما حدث لفلسطين والفلسطينيين يمكن أن يحدث له أيضاً، ومن هنا جاء تطلعه إلى الوحدة مع مصر التي يقودها رئيس عربي أممي متميز ومتألق، يذكر بالناصر صلاح الدين، هو الرئيس جمال عبد الناصر طبعاً.
*****
وعن تركيا، وبمناسبة دخول الأتراك بلادنا العربية طرفاً ميدانياً في الصراع الدولي الحالي عليها، نقول أننا لو عدنا إلى مرحلة تأسيس الجمهورية التركية في أعقاب الحرب العالمية الأولى سوف نجد أن تركيا بكاملها كانت معرضة للزوال! ففي ٤-٣- ١٩١٥ سلم وزير خارجية روسيا القيصرية المدعو زانوف مذكرة إلى سفيري بريطانيا وفرنسا تضمنت ما يلي: "ترغب الحكومة الروسية بعد انتهاء الحرب العظمى في أن تضم إلى ممتلكاتها الأراضي التالية: مدينة الأستانة مع ضفاف البوسفور الغربية وبحر مرمرة ومضيق الدردنيل وتراقية الجنوبية وسواحل آسيا الصغرى الواقعة ما بين البوسفور ونهر سقاية مع بعض المراكز على خليج إزميت وجزر بحر مرمرة وجزيرتي أميروس وتندوس الواقعتين قرب مدخل الدردنيل، على أن لا يخل ذلك بما لفرنسا وبريطانيا من حقوق! .. إلخ!
وقد ردت الحكومتان البريطانية والفرنسية ببيان جاء فيه أنهما توافقان على مطالب حكومة القيصر الروسي! ..الخ..
وبعد عام بالضبط، في ٤-٣-١٩١٦، عقد الأطراف الثلاثة معاهدة تضمنت أن الدول المتحالفة الثلاث: "مقتنعة بوجوب إنقاذ الأمم الخاضعة للسلطة العثمانية واقتسام بلادها كمناطق نفوذ فيما بينها"! الخ.. وحددت المعاهدة الثلاثية بالتفصيل حصة كل دولة، فالقيصرية الروسية ستضم إليها ولايتي أرض روم وتبليس والمناطق التابعة لهما!..الخ.. وفرنسا ستضم السواحل السورية حتى مشارف عكا مضافاً إليها جبل لبنان وجزيرة إرواد وولاية كيليكيا!..الخ.. وبريطانيا ستضم العراق والسواحل السورية الممتدة من الحدود المصرية إلى عكا، الخ، إضافة إلى حق الدول الثلاث في تشكيل الحكومات العربية! وإضافة إلى اعتبار فلسطين قضية بريطانية خارج موضوع التقاسم!.. الخ..
لقد استفاد الأتراك حينئذ من مأزق الأوروبيين الذي نتج عن انتصار الثورة الروسية وسقوط الحكومة القيصرية من جهة، ونتج عن الهجمة الأميركية على المصالح الأوروبية والروسية، والأهم عن حاجة الأميركيين إلى حليف تركي، بل إلى تابع تركي، في مواجهة الثورة الروسية ولزعزعة نفوذ الأوروبيين أكثر فأكثر، وهو ما تحقق للأميركيين في تركيا، بل أكثر، ولولا ذلك لكانت دولة تركيا قد زالت من الوجود، أو كان وضع الأتراك أصعب من وضع العرب!