في زيارة الى قبر ادوارد سعيد في برمانا اللبنانية
2025.08.16
علي بدر
اكتفى ادوارد سعيد بتحويل حق العودة الفلسطيني إلى حق الدفن في لبنان. هذا الحدث الرمزي لا يكتفي بترتيبات الجنائز ولا يترك الحق معلقا.
لقد رفض إدوارد سعيد أن يعود إلى أرضه الأولى. وطلب أن ينفى إلى قبر بلا وطن فانتقلت بقايا رفاته من نيويورك إلى برمّانا اللبنانية، انتقلت إلى مدافن جمعية الأصحاب الكويكرز، هناك تراه وسط رقعةٍ صغيرة تخفيها سروات عاليات وتؤانسها زيتونات كثيرات الظل، حيث تقف شاهدة سوداء على قاعدة رمادية كأنهما نص بصري أخير لرجل كتب حياته في لغتين ولم يساوم على معنى واحد منها. على القاعدة العربية كتب اسمه بخطّ الثلث إدوارد وديع سعيد، وتحتها تاريخان بالأرقام المشرقية الولادة والموت وعلى الشاهدة السوداء Edward W. Said مع التاريخين بالإنكليزية.
بين التاريخين شرطة قصيرة تبدو كجسر مكثف بين هنا وهناك، بين الولادة والغياب، بين الاسمين واللغتين، ترسم قدر المنفى بلا زخرفة وتذكر بأن ما انقطع لم ينقطع عن المعنى.
لم يترك القبر قصة كي تباع وتشترى، بل حجة تفهم هكذا: أن السياسة التي لا تمنح الحق في الحياة لا تصلحه البلاغة بعد الموت، والذاكرة التي تستدرج إلى العرض لا ترد إلى أصحابها وطنا ولا كرامة.
في هذا المشهد الصغير المكتمل الصمت تظهر قسوة السؤال الأول الذي أطلقه شلومو رايخ ساخراً أين سيدفن الفلسطينيون؟ ويظهر جواب آخر أكثر مرارة وصدقا إن المقبرة قد تمنح إقامة قانونية أخيرة لا يطردك منها أحد لكنها لا تمنح وطنا.
لقد قاوم إدوارد سعيد أن يتحول مثواه إلى تعويض رمزي عن الحق، فدلنا قبره الأنيق على التمثيل الصحيح للكرامة وهو أن تحمي المعنى من التسليع وأن ترد السياسة إلى معيارها البسيط الصعب وهو العدالة في حياة الأحياء لا التجميل في موتهم. هكذا يثبت القبر نصه الهادئ: اسم مزدوج لا يتصالح إلا على أرض تتسع لثنائية اللغة والهوية، وتاريخان يربطهما خيط قصير لا يقطع صلة الميت بعالمٍ أراد له أن يكون أكثر إنصافا مما كان. ومن فوق الرخام المستوي يخرج درس بلا خطابة لا أحد ينتصر بالموت على ما خسره في الحياة، ولا ذاكرة تستقيم إذا وقفت على دعامات العرض لا على أعمدة الحق.
الحكمة تقول: إن الحقوق التي تستعاد للأحياء، لا تستحضر كزينة على شواهد القبور.