سورية بين القضم الإسرائيلي – الأمريكي وبناء دولة الحزب الواحد
2025.04.15
عدنان بدر حلو
الترحيب العارم الذي استقبل به الشعب السوري عملية الإطاحة بالنظام السابق لم يدم طويلاً. فسرعان ما بدأ يتآكل بسبب جملة من العوامل الداخلية والخارجية التي تضافرت مع بعضها البعض:
على الصعيد الداخلي:
1- في الوقت الذي كان فيه الشعب، الذي عانى لسنوات من حالة عوز وبؤس لا نظير لها، يتطلع إلى انفراج تضاعف مع إعلان السلطة الجديدة عن قرار بزيادة الأجور والرواتب بمقدار أربعمائة بالمائة، جاءت الوقائع بعكس ذلك تمامًا. فبالإضافة إلى تسريح آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين (على أساس أن بناء الدولة الجديدة يتطلب هدم القديمة)، تبخرت آمال المسؤولين في الدولة الجديدة بما كانوا يتوقعونه من مساعدات سخية موعودة من قبل الدول العربية الغنية، إذ حال عدم رفع العقوبات الدولية، خاصة الأمريكية، دون حصولها. فكان أن أضيف البؤس الجديد إلى البؤس القديم.
2- وإذا كانت عملية التحرير قد تمت من بدايتها في حلب إلى اكتمالها في دمشق من دون حصول أي مجازر أو معارك دموية، خلافًا لما كان متوقعًا اعتبارًا لوحشية النظام القديم واستعداده لارتكاب أفظع المجازر دفاعًا عن وجوده (وقد اعتُبر هذا الإنجاز السلمي رصيدًا بالغ الإيجابية للنظام الجديد)، فإن ما أعقب ذلك من ارتكاب دموي فظيع من قبل بعض التنظيمات “الجهادية” المحسوبة على الثورة ضد أبناء الطائفة العلوية في منطقة الساحل قد أرخى بظلاله السوداء على ذلك الوجه الناصع للدولة الجديدة.
3- مع توالي الخطوات القانونية لبناء الدولة الجديدة في مرحلتها الانتقالية التي منحتها لنفسها على امتداد خمس سنوات، والتي كانت تذكر في كل مرحلة من مراحلها بـ”نظام الحزب الواحد والقائد الخالد” الذي أسسه حافظ الأسد، بدأت تساهم بشكل متصاعد في تآكل الجو الإيجابي الذي كان قد أطلقه الرئيس أحمد الشرع من خلال ما طرحه من وعود وتصريحات وخطب ومقابلات، سواء كانت موجهة إلى الداخل أو إلى الخارج.
4- وإذا كان الشعب السوري قد شعر في الثامن من كانون الأول أن قيوده الحديدية التي تجاوز عمرها نصف قرن قد تحطمت بصورة غير مسبوقة، وبات يتمتع بحرية مطلقة، فإنه سرعان ما بدأ يشعر بأن هناك من يحاول الاستيلاء على تلك الحرية ويسحبها من بين يديه، ويعيد ربط حلقاتها خطوة بعد خطوة. وقد بلغت هذه المحاولات ذروتها مع إصدار وزير الخارجية الجديد قراره رقم 53، القاضي بإحداث “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، التي كُلِّفت بمصادرة أموال وممتلكات حزب البعث وأحزاب الجبهة، والإشراف على النشاطات السياسية، وتجميد النشاطات والتنظيمات الحزبية بانتظار صدور قانون تنظيم الأحزاب.
على الصعيد الخارجي:
1- لقد وقع النظام الجديد في الفخ الذي نصبته الولايات المتحدة لسوريا (بغض النظر عن طبيعة الحكم فيها)، ألا وهو العقوبات التي فرضتها عليها، والتي فرضت على كل الدول الأخرى (وخاصة العربية) الالتزام بها. وإذا كانت واشنطن قد أبدت شيئًا من المرونة أو الإيجابية في التعامل مع النظام الجديد، فإنها لم تُخفِ أبدًا ربط ذلك بشروط تعجيزية يمكن أن تُجرد البلاد من كل علامات استقلالها قبل أن تتكرم عليها بالسماح لبعض الدول العربية بتقديم حد أدنى من المساعدات الضرورية.
2- لم يتوقف الأمر الأمريكي عند العقوبات التي كان يُفترض أنها مفروضة على النظام القديم، وتاليًا، ستسقط بسقوطه، بل تعدى ذلك إلى التلاعب الأمريكي بالجغرافيا السورية من خلال الاستمرار في احتلال أجزاء مهمة منها، كما في “التنف” وعدد كبير من المناطق في شمال شرق البلاد. بل أكثر من ذلك، تتوارد أنباء عن أن الولايات المتحدة قد أطلقت القوات التي احتضنتها ودربتها في قاعدة “التنف” تحت مسمى “الجيش السوري الحر” باتجاه مدينة تدمر، ومنها إلى بلدة الضمير على بعد عشرين كيلومترًا من العاصمة، لاحتلال القاعدة الجوية السورية هناك وإقامة قاعدة جوية أمريكية فيها تشرف على دمشق وتفرض سطوتها عليها.
3- هذا كله في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل قضم الأراضي والمواقع في الجنوب السوري حتى باتت على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة، وتشرف عليها إشرافًا مباشرًا من قمة جبل الشيخ التي استولت عليها بالكامل، بالإضافة إلى استمرارها في تنفيذ غاراتها الجوية المتمادية على جميع المواقع العسكرية وغير العسكرية في جميع أنحاء سوريا.
على ضوء ذلك كله، يطرح السؤال الآتي:
هل يستطيع الرئيس أحمد الشرع، بكل ما أبداه خلال الأشهر الماضية من مرونة وذكاء ونوايا إيجابية تجاه الداخل والخارج، أن يتجاوز كل هذه المعوقات ويقود السفينة السورية إلى بر الأمان في خضم هذه الأمواج المتلاطمة؟
بوليتيكا اللبنانية