كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الطوفان... والتقاطعات الدولية

عدنان بدر
من المهم، بعد مرور عام على اندلاع طوفان الأقصى، أن نلقي نظرة على التقاطعات الدولية التي أحاطت بهذا الحدث المفصلي لتترك آثارا مصيرية على المنطقة كلها، وربما على العالم بأسره.
قبل السابع من أكتوبر 2023 كانت المنطقة تعيش المراحل الأخيرة من عملية تثبيت إسرائيل وصيا أمريكيا عليها فيما تقوم واشنطن بنقل اهتمامها ووسائل قوتها العسكرية إلى منطقة شرق آسيا لمجابهة العملاق الصيني الذي بات يهدد وحدانية الهيمنة الأمريكية على العالم.
في هذا السياق كانت المظلة الإسرائيلية على وشك الاكتمال انطلاقا من المركز بالتطبيع مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وامتدادا إلى الشرق مع دويلات الخليج (الإمارات والبحرين) وإلى الجنوب والغرب (السودان والمغرب) ثم الشمال حيث مشروع الدولة الكردية في شمال سورية والعراق وربما جنوب شرق تركيا. ليتوج المشروع اكتماله بالتطبيع مع المملكة العربية السعودية.
في هذا السياق أيضا كانت إسرائيل بانتظار ذلك الاستكمال لتقوم باجتياحين عسكريين:
الأول: اختراق جنوب شرق سورية بدعم من القاعدة العسكرية الأمريكية في التنف، وصولا إلى البوكمال لقطع الطريق بين سورية والعراق بدعوى إبعاد إيران عن الأراضي السورية واللبنانية وكذلك لتحقيق التواصل المباشر مع المشروع الانفصالي الكردي والمساهمة الجدية والمباشرة في تثبيت التقسيم في سورية.
والثاني: غزو لبنان للإجهاز عل قوات حزب الله التي باتت آخر ما يشكل تهديدا جديا لمشروع الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.. والدليل على ذلك هو ما كشفته التطورات من استعدادات استخباراتية وتخريبية ظهرت على الأرض، إضاقة إلى ان وزير الدفاع غالانت كان قد اقترح الشروع بالهجوم على لبنان مباشرة بعد 7 أكتوبر قبل اجتياح قطاع غزة.
كل ذلك في الوقت الذي كانت فيه القضية الفلسطينية قد طويت (أو هكذا بدا) تحت سجادة الوضع العربي المتهالك في أعقاب التدمير الذي أحاق بأبرز دوله (العراق وسورية وليبيا والسودان واليمن).
أول وأبرز ما حققه طوفان الأقصى هو النيل من صورة السطوة الإرهابية التي ترتكز عليها الهيمنة الإسرائيلية على كل دول المنطقة، وأول من أدرك هذه الحقيقة هو الولايات المتحدة الأمريكية التي سارعت على الفور إلى إرسال بوارجها وحاملات طائراتها إلى الشرق الأوسط (لا من أجل الحرب مع مقاتلي حماس في أنفاق غزة, بل من أجل استدراك ما اعتبرت أن الفشل الإسرائيلي في تلك المعركة قد أحدثه في موازين القوى الدولية في البحر الأبيض المتوسط ومحيطه.. ما يعني سد فجوة أحدثها الطوفان في الثقة الأمريكية بقدرة إسرائيل على لعب الدور الذي كان موكلا لها).
ولعل أبرز ما جرى التفاهم عليه بين القيادة الإسرائيلية والمسؤولين الغربيين الذين هرعوا لنجدتها على عجل هو كيفية استعادة هذه السطوة عن طريق الاجتياح الأكثر وحشية قي هذا العصر لقطاع غزة ولبنان، فيتم تحقيق هدفين معا: تصفية الأثر المدمر للطوفان واستئناف مسيرة المشروع الأمريكي لتنصيب إسرائيل وصية على المنطقة من جديد. وتم التفاهم مع القيادة الأمريكية خاصة على توفير جميع لوازم هذه المهمة بجميع اشكالها العسكرية والمالية والسياسية والدبلوماسية. بما في ذلك مسرحية الخلافات المصطنعة بين القيادتين كي تحافظ الولايات المتحدة على علاقاتها مع الأنظمة العربية حرصا على الأخيرة مما يمكن أن يثيره هذا التواطؤ العدواني من غضب لدى الشعوب العربية. ما يذكرنا بأسلوب صيد الفيلة حيث ينقسم الصيادون بعد إيقاع الفيل في حفرة المصيدة إلى فريقين يقوم الفريق الأول يوميا بضرب الفيل وتعذيبه داخل الحفرة ليسارع الفريق الثاني إلى طرد الفريق الأول وتقديم الطعام والماء للفيل المعذب. وتستمر هذه المسرحية عدة أيام حتى ينضج لدى الفيل نوع من الاستئناس للمجموعة الثانية فيطيعهم ويسلم قياده لهم.
لقد كشف العام الماضي أن ما اعتقد الإسرائيليون وأسيادهم في واشنطن أنه لن يكون أكثر "نزهة" سيتم إنجازها خلال أيام أو بضعة أسابيع على الأكثر، اعتمادا على ما وفروه لها من إمكانيات وما تزودوا به من وحشية ومن دعم وحماية أمريكية مطلقة، قد تحول إلى كابوس في مواجهة المقاتلين الفلسطينيين البواسل وشعبهم الصامد المستعد لتقديم أغلى التضحيات التي أثارت إعجاب العالم وتضامنه غير المسبوق منذ الثورة الفيتنامية.
وها هي المقاومة تفتح أبواب العام الثاني من هذه المواجهة غير المسبوقة وقد تحولت مع انخراط محورها الكفاحي في لبنان واليمن إلى مشروع نهضة جديدة لصد المشروع التدميري كله، لا عن غزة ولبنان فقط بل عن الأمة العربية كلها وربما عن العالم لأن نجاح المشروع الصهيوني الأمريكي لن يقف عند حدود ما كان معدا له قبل الطوفان بل أكثر من ذلك بكثير حيث ستصل الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية إلى التهديد المباشر لمشروع الحزام والطريق الصيني بإنجاز مشروع "الممر الاقتصادي" الذي تم الإعلان عنه في قمة العشرين التي انعقدت في نيودلهي بتاريخ 9 أيلول 2023 ليصل بين الهند وأوروبا مرورا بالإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، في حين تهدف الهيمنة الأمريكية على كل شرق المتوسط إلى قطع الطريق على المشروع الصيني، كما ستعمد إلى تطويق الوجود الروسي على الشاطئ الشرقي لذلك البحر.

إننا نواجه في مطلع العام الثاني من هذا الطوفان معركة مصيرية محليا وإقليميا ودوليا لا نملك فيها غير صمود هذا الشعب وأبطاله ومقاومته واستبسالهم وتشبثهم بأرضهم وقضيتهم.

مجلة الهدف