عن سعد الله ونوس والشرطة
2024.06.12
عبد الكريم عمرين
كنّا قد خرجنا من بيت بندر عبد الحميد في أولى ساعات صباح يوم صيفي من عام 978، أو 979 لم أعد أذكر بالضبط، سعد الله ونوس ووليد عكاوي وكاتب هذه السطور، بعد سهرة عرمرمية، كان فيها ثلة من الأصدقاء سعيد حورانية وآخرين لاأستطيع تذكرهم بسبب كثرة سهراتنا في بيت بندر التي كان يتبدل فيها الأصدقاء حضوراً أو غياباً، ومشينا من شارع بيت بندر المتفرع من شارع العابد بدمشق باتجاه عرنوس.
كنا قد شربنا حتى الثمالة، وتناقشنا وتحاورنا ورقصنا وغنينا وحلمنا بالقادم الأجمل حد التخمة، ولأن سعد الله كان منتشياً فقد رافقناه لنصل به إلى بيته، وشنكلناه أنا وضعت يدي تحت إبطه الأيسر ووليد تولى إبطه الأيمن. كانت دمشق تحبو لتصنع يومها في صباح رائع، ومن بعيد نسبياً كان ثمة شرطي قادم، لاندري هل هو عائد من نوبته أم أنه مكلف بمراقبة المنطقة، حين شاهدنا الشرطي عن قرب نتمايل قليلاً وقف قبالتنا رافعاً يده اليمنى كالفوهرر وسألنا: وين كاينين؟ (أين كنتم؟)، جاوبته: هنا في القريب في زيارة لبيت صديقنا بندر وأشرت بيدي صوب بيت بندر الذي لم نبتعد عنه سوى عشرات الأمتار، حدق الشرطي في وجوهنا على طريقة شارلوك هولمز، وهزَّ برأسه حين اشتم روائح الأبيض المثلث من أفواهنا وقال: هاتوا هوياتكم، بسرعة البرق مددنا أيدينا أنا ووليد لتنفيذ المطلوب، أما سعد الله فبعد أن حدج الشرطي بنظرة لاأستطيع اختزالها بكلمة، إلا أن نظرة سعد فيها من الأبوة والحنان والشفقة، وربما العتاب والشكيمة مالم أجد تفسيره حينها، وفرد يديه باتجاهي واتجاه وليد وقال: قفوا. ثم توجه للشرطي بالكلام قائلاً: شوف ياأخونا الشرطي، لن نعطيك هوياتنا لكننا سنكون صادقين جداً في التصريح عن أسمائنا وأبدأ بنفسي: أنا سعد الله ونوس. هنا وقف الشرطي مذهولاً وتفرس في وجه سعد بحب وبغاية الاحترام، وأطرق رأسه هنيهة خجلاً وقال بصوت خفيض: آسف أستاذ سعد الله وأعتذر، وشرف لي أني التقيتك.
هذه هي جماهيرية سعد الله وحب واحترام الناس له...