كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ناشدك بالله

إحسان عبيد

كان عندي في حمّام البيت مدفأة وعليها قازان ماء يشتغل على المازوت شتاء والكهرباء صيفا، شأن جميع الناس.. ذات يوم، وبسبب انقطاع الماء أخذ القازان هواء فانطعج قليلا.. لكنه بدأ يدمع وينز ماء من شق صغير في ثلثه الأعلى.. فككته وأخذته إلى السيد فهد بلان (وهو غير المرحوم المطرب) وكان محله في آخر سوق القمح النافذ إلى شارع البلاط.
.
- مساء الخير
- مساء الخيرات
- هذه مشكلة القازان، هل لها دواء عندك؟
- سيكلفك 25 ليرة
- المستعان بالله.. سأنزله.
.
كان يقف هناك رجل ربما في الأربعين من العمر، بعين واحدة، وبجانبه طفل ربما 6 سنوات، يتفرجان على شغل فهد (رحمه الله حيا و ميتا).. كان الطقس باردا، وشاهدت الولد يلبس قميصا نصف كم وشورتا وجزمة نصف ساق بدون جرابات، ويتسكسك من البرد.. سألت الرجل: كيف تخرج من البيت مع ابنك بهذا اللباس؟ وكيف سمحت أمه بهذا؟
.
قال: ثيابه مغسولة، ولما تنشف بعد، وعندما تعود أمه من الوظيفة تنشفهم على الصوبيا!
قلت: الآن ستغيب الشمس، فأي وظيفة مداومة إلى الآن؟
قال: إنها موظفة في مطعم سقراط (كان على الزاوية المقابلة للسرايا وبيت المحافظ).. هنا عرفت السبب.
.
أمسكت الولد من يده وقلت له: تعال معي حبيبي.. نظر إلى أبيه الذي لم يقل شيئا.. ثم جاء معي.. دخلنا من الزاروب المقابل للمحل، ومشينا تجاه دخلة فطائر المذاق..
.
كان هناك محل يبيع ثيابا جاهزة وفيه بائعتان صبيتان شيختان.. طلبت منهما بنطلونا مخملا وكنزة وجرابات ومعطفا.. قالت إحداهما: كم عمره؟ قلت له كم عمرك.. استغربتا أنني لا أعرف عمر ابني.. فأفهمتهما الموقف، فتولّتا كسوته وتلبيسه كما لو كانتا أمه.. وكان الحساب 74 ليرة، وقالتا أنهما باعتا برأس المال دون ربح وأعتقد أنهما كانتا صادقتين.
.
عندما شكرتهما وخرجت، ركض الولد وسبقني ليخبر أباه، فوجدت أباه وصاحب المحل مسرورين لسرور الولد.. قال لي أبوه: ليش تعذبت يازلمي؟ ناشدك بالله ما أنت من بيت فلان أو من فرع الحزب؟
.
طلع خلق المعلم فهد، وكربس لبيت فلان وللفرع.. والاثنان لا دخل لهما بالموضوع.
.
الرجل غادر ومشى.. وفهد لم يأخذ مني أجرة القازان إكراما لي، وقال: لعل الله يشركني معك بالأجر.
.
(يشهد الله أنني لم أكتب ذلك للاستعراض، فالمبلغ زهيد وغير محرز، ولكن لطرافة الموقف.)