وسكي
2023.01.17
إحسان عبيد:
أول قدومي للكويت قبل أكثر من ربع قرن، جئت وحيدا ولم أصطحب معي أسرتي، مؤجلاً ذلك حتى أدبر أوضاعي وأسدد ديوني البنكية وغيرها، وقد استمر ذلك أربع سنوات، وكنت كل سنة أسافر للوطن مرتين، والثالثة تكون في إجازة الصيف.
.
في إحدى الإجازات عزمت الأصدقاء على سهرة، و أحضر أحدهم معه ليترا من الويسكي نوع بلاك ليبل، وهذا الليتر لم أفتحه لأنني كنت وضعت مثله على الطاولة.
.
ليلة السفر والعودة إلى الكويت، رتبت أم العيال حقيبتي، ودست فيها ليتر الوسكي إياه دون علمي.. عرفت ذلك عندما اتصلت بها من مطار دمشق وقالت لي: دير بالك أوع ينكسر ليتر الويسكي.. ولو علمت أنها دسّته لما قبلت.. وعند استلام الحقائب في مطار الكويت، ظهرت كل الحقائب ماعد حقيبتي.. طال الانتظار وخرج جميع المسافرين، ولم تهلّ الحقيبة المزيونة..
.
فجأة جاءت هجمة ودربكة بشرية.. إنهم ركاب طائرة من الباكستان والتفوا حول الحزام المتحرك بانتظار حقائبهم.. وبعد دقائق من وجودهم جاءت حقيبتي، فتناولتها وإذا هي متروسة على جنباتها بإشارة X حمراء بمادة شمعية صعبة الإزالة.. انتحيتُ جانبا، وكان معي محرمة معطرة أخذتها من الطائرة ففتحتها ومسحت إشارات الـ X كلها.
.
جاء موظف وقال: كلكم روحوا هناك على التفتيش، فذهبت مع الباكستانيين ووقفت.. كنا خمسة أرتال، ودوري الخامس في الرتل الأول.. وبدأنا ننتظر حوالي 20 دقيقة، والموظفون واقفون وراء طاولات التفتيش لكنهم لا يشتغلون.. بعد قليل جاء موظف يحمل حقيبة، فتحها ووزع على كل جمركي بينسه وكماشة ومفك براغي، وبدأ التفتيش.
.
كانوا يخلعون قبضات الحقائب أولا لعلها محشوة مخدرات، وبعد فتحها يخلعون قعرها، ويخلعون كعبي الحذاء الجديد إذا كان داخل الحقيبة، ويفتشون جيوب القمصان والسراويل المطوية، ويشمون رائحتها.. وكل وأحد يأخذ زمنا بالتفتيش حوالي 10 دقائق، خاصة هذا الذي أمامي حيث كانت لحيته تلامس سرّته.
.
حاول باكستاني أمامي ان ينتقل إلى الرتل الثاني أثناء انشغال الجمركي بالتفتيش، لكنه رآه.. فتوقف عن شغله وناداه إلى غرفة منفردة ليخلع كامل ثيابه ويفتش ما تحت الثياب.
.
في هذه الأثناء مرّ موظف مدني، فنظر إليَّ ووجدني غير دقّة عمّن حولي أي لا أشبههم، فقال: أنت على أي طائرة قادم؟ قلت على السورية. قال: ليش واقف هني؟ السورية هناك يبه.. روح هناك.
.
حمدت الله وذهبت، وربما كان قد راح اللون من وجهي وأنا أمام أبي اللحية لأنه كان سيعثر على الوسكي، وبعدها ألله أعلم بالجريرة.. القانون معه في أي قرار سيتخذه...
.
لم يكن موجودا على خط السورية إلا جمركي واحد لأن الآخرين أنهوا عملهم وذهبوا.. تناول جواز السفر وقال: إيش معاك يا احسان؟ قلت: والله هذه الشنطة وضبتها أم العيال على أساس فيها ثيابي وشوية حلويات، وقلتُ مازحاً: لكن ما أدري إذا حطت زوجتي فيها شي يوديني السجن؟
.
ضحك وقال: انشالله ماعليك شر.. مع السلامة.. وناولني جواز السفر دون تفتيش.. خرجت وتنفست عميقا لعل خفقات قلبي تهدأ من حالتها التي تشبه دبيك الحصينية.
.
ليتر الوسكي في مساء ذلك النهار زحط عن رف المطبخ بحركة خاطئة مني ولاقى حتفه فورا بعد أن جهزت المازة.. ولا تدري نفس بأي أرض تموت، كما أن الوسكي لا تدري بأي مطبخ ستسيل.. لكن لا تتخيلوا مقدار زعلي.. تمر على الإنسان مشاكل فيها الحلو والحامض.. وما مر معي هو من المشاكل الأكثر حموضة، وما زلت زعلان على ذاك الليتر نظرا لحاجته وندرة وجوده بالكويت أنه ممنوع.