يوم لا ينفع الندم
2022.11.09
إحسان عبيد
كنا أربعة أصدقاء نجلس في مضافة.. دخل شاب زائر له معرفة وطيدة بالجالسين، ومعرفتي به سطحية منذ أن كان طالباً في الثانوية، إنه من إحدى القرى، حيث كان يستأجر غرفة قريبة من مكان سكني مع أختيه الجميلتين..
.
المهم.. هنأه الجميع بسلامة وصوله من السفر، وقالوا: أنت في البال.. لقد عرفنا بقدومك، ونريد أن نزورك لنسلم عليك، وفهمت من الحديث أنه هشل لإحدى الدول الإسكندنافية، فاشتغل بالأعمال الشاقة في القطب لعدة سنوات مع إحدى الشركات بأجرٍ مجزٍ.. وحصل على الجنسية،ثم تنقل في عدة وظائف، واستقر به المطاف في مركز مرموق بالبلدية.. لم يتأخر معنا كثيراً بالجلسة.. ثم أعطى الشباب موعدا لزيارته في السهرة وطلب مني بإلحاح أن أكون معهم.
.
حول طاولة عامرة بالمازات والمشروبات، انفتحت بوابات الذاكرة عند الجميع.. ذهب الحديث يلف ويدور، ثم قال لنا صاحب المنزل: قبل سنين، دخلتُ ذات يوم مع صديق عربي إلى متجر في المدينة التي أسكن فيها.. رافقتنا إحدى العاملات للمساعدة وكانت مليحة الوجه والقوام رغم عمرها الذي يقارب الخمسين..
.
تكلمتُ مع صديقي بالعربية أستشيره وهي واقفة.. قالت لنا بلغتنا: أنتما عرب، ومن السويداء حصراً لقد عرفتكما من اللهجة.. استغربنا هذا الكلام.. قلت لها: نعم.. كلامك صحيح.. سألتها منذ متى أنت هنا؟ ومع من تعيشين؟.. قالت أنا من قرية كذا.. كان في قريتنا مخفر جمرك، وأحببتُ أحد عناصره عندما كنت صغيرة.. كان كردياً وسيماً، فتواعدنا ومشيت معه خطيفة، ودبر موضوع نقله بعيداً عن المحافظة لعلمه أن أهلي سيقتلونني..
.
وتابعتْ قائلة: لقد سكنا في عين العرب كم سنة، ثم استقال زوجي، وقررنا الهجرة، وتصادف أن جاء إلى المخفر في عين العرب مساعد بالشرطة من السويداء مع عائلته، فتبرع بعض الأهالي بإخباره عن قصتي، وخشيت أن يتسرب الخبر، ويعلم أهلي بمكان وجودي عن طريقة المساعد وعائلته، فأسرعنا بأوراق الهجرة وجئنا إلى هنا وكان عندي ولدان، وهنا جاءت ابنتي الأخيرة.. وبعد كم سنة مرض زوجي وتوفي، وكنا قد أخذنا الجنسية وبقيت أنا أربي الأولاد.
.
قلتُ له: يامعزّب: إحفظ باقي كلامك.. هل هي من قرية كذا؟ وهل اسمها فلانة؟ وهل هي من عائلة كذا؟.. اندهش، وقال: كيف عرفت وقد مر على زواجها حوالي أكثر من عشرين سنة؟
.
قلت له: كنت طالباً وقد نجحت على الصف السابع، أخذتني المرحومة والدتي معها إلى تلك القرية حيث كانت مكلفة مع امرأة ثانية في مهمة (نقد عروس) لأحد الأقارب.. وقررتْ والدتي أن تضيف عند صديقة لها تحبها كثيراً، وكانت تذكر اسمها على مسامعنا دائماً لأنها كانت جارتها في فلسطين أيام كان الرجال من السوريين يتطوعون مع الإنكليز بعد الحرب العالمية الثانية في ما يسمى (بوليس الإضافة).
.
رحبتْ المرأة صديقة الوالدة بنا كثيراً، وجلستا تتذكران الماضي، ولكنني ضجرت من حديث النساء، فخرجت إلى فسحة الدار وجلست على المصطبة، كانت المرأة – وأنا أوجه كلامي للمعزب - التي تتحدث عنها صبية في بيت أهلها مكلفة بإعداد الغداء، رأيتها تجلس في الفيء على مقعد خشبي يرتفع عن الأرض حوالي 25سم، وتنظف البطاطا من القشور مستخدمة حجراً خاصاً بتنظيف الرجلين، ولم تكن مهتمة بجلستها غير المحتشمة حيث انشمرت تنورتها كثيراً عن ساقيها، وأذكر أنني كنت أسترق النظر إليها وربما كانت تعلم أنه يقبع في أعماقي شيطان صغير لكنها لم تكن مبالية أو أنها تعمدت اللامبالاة.. وفتحت معي أحاديث أكبر من عمري لا داعي لذكرها، وربما كانت في العشرين من عمرها..
.
بعد أشهر سمعت أمي تقول: الله يساعدك يافلانة (تقصد صديقتها) على البلوى التي جاءتها، وبعد الاستفسار قالت لنا: إن ابنتها فلانة خطفت جمركي كردي.
.
قال المعزب المسافر: هذه هي بلحمها وشحمها، وما زالت تحتفظ بمرحها وهيبتها، وقالت: ليتني أستطيع أن أشاهد ماتبقى من أهلي ولو ليوم واحد، ثم أموت مرتاحة.. وقبل سفرتي هذه أوصتني أن أحمل لها معي كمشة تراب.. وتدحرجت على وجنتيها دمعات كاوية.. لقد ندمت يوم لا ينفع الندم.
.
أليست غريبة تلك الصدفة.