كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تجربتنا في التربية

إحسان عبيد:

أحسست في منشوري منشوري بوم أمس عن التربية.. وكأنني نكأت جرحاً عند بعض القراء، حيث كانت بعض ردّات الفعل غاضبة ولا تخلو من تعصيب، ومنها قصص وأسئلة جاءني عبر الخاص، مما جعلني أعود لتسليط الضوء على هذه الظاهرة الاجتماعية التي تستحق التنبيه والمعالجة.. خاصة وأن مثل هذه الظاهرة وغيرها يجب أن تطرح على أجهزة التواصل، بدلاً من سلال الورد وفناجين القهوة وصباح الخير وأحبكم جميعكم وحفلات الأكل والشرب وأعياد الميلاد.. فمواضيع النقاش أراها أوجب وأكثر ضرورة.
.
في بداية زواجنا كانت تأتينا وفود المهنئين والمهنئات صحبة أطفالهم وكنا نلاحظ مايلي:
.
• الفروق بين الأمهات في رعاية أولادهن عند الزيارة، ومدى ترتيب هندامهم فنعجب بهؤلاء، ولا نعجب بأولئك.
• البعض يطلب من زوجتي تدهين لقمات خبز (باللبن – بالجبن – بالمربى – بالحلاوة – وحتى بالزيت والزعتر أو الدبس للهرهرة والتنقيط) هذا غير تقشير الفاكهة والشرشرة والغسيل والتنشيف ومشاركة شرب السوائل الباردة والساخنة.
• البعض يذهب إلى المطبخ لتسخين الماء وصنع ببرونة حليب.
• كانت عيني عشرة على عشرة إذا دخل ولد إلى مكتبي خائفاً أن يلعب بالكتب، أو يتناول أقلاماً ليشخط على الحيطان.
• ومشكلة المشاكل إذا جلبت معها لابنها لعبة ولها صوت.
.
الملاحظات كثيرة، وتعدادها يأخذ الكثير.. سأروي تجربتنا الشخصية:
.
تحدثت وزوجتي: هل سنكون مثلهم عندما يأتينا أولاد.. قالت: يا ويلتي هل هذا معقول؟
.
كانت ابنتنا هديل هي المولودة البكر، وجاءنا تمام بعد سنة تماماً بيوم ميلادها.. الفرق بينهما سنة وثلاث ساعات وربع.. كانا بين يديها كالتوأم، وحرمنا أنفسنا أكثر من سنة من الزيارات ماعدا زيارة أخواتي وأخواتها.. كنا نزورهن بعد إلحاحهن وكنت أتركها عندهن أثناء غياب أزواجهن.
.
عندما صارا يدرجان، واضطررنا لزيارة خاطفة لها طابع الأهلية أو نصف أهلية، كانت تصطحب معها أم تمام مايلي:
.
- ترمسا صغيراً فيه ماء ساخن لتجهيز الحليب.
- كيساً بلاستيكياً صغيراً فيه منشفة صغيرة عليها ماء وصابون، وكيساً آخر فيه منشفة ناشفة.
- كيساً ثالثاً فيه سندويش جاهز بحال طلب الأولاد ذلك.
- كيساً رابعاً فيه تفاحة مغسولة وسكين نظيف.
- .
كل ذلك كي لا تدخل على مطابخ عباد الله وكي لا تطلب شيئاً من صاحبة البيت، لأنه ليس كل امرأة ترغب بدخول امرأة ثانية على مطبخها.. مع توصية مسبقة منّا للأولاد بعدم القيام من مكانهما إلّا بإذن، و إلّا لن نأخذهما مشواراً آخر، وتوصية مشددة بعدم الأخذ من صفط النقل إلّا حبة واحدة حتى ولو طلبت ربة البيت أن يأخذا أكثر من حبة، ونحن نعدهما بمكافأة في المنزل إذا تقيدا بالتعليمات، وبالحرمان منها إذا لم يتقيدا.. كنا نقول وننفذ الوعود.. وكان كل منهما ينام مبكراً ليجد العصفورة قد وضعت له ليرة تحت مخدته فيجدها عند الصباح مكافأة له على التقيد بتعاليم الزيارة، فيفرح بها كثيراً.
.
الحقيقة أننا ارتحنا، ويشهد الله أنه لم يشخط أي من أولادي على جدار أو باب أو كتاب.. كنا نوفر لهما البديل، وكانت تربيتهم مضرب المثل.. ولا أدل على ذلك، عندما ضربت جرس البيت إحداهن ظهراً، وقامت أم تمام لتفتح الباب للزائرة الغريبة، فوجدت معلمتهما الحلبية معهما.. قالت: جئت أتعرف إليك لأشكرك على هؤلاء الأولاد المميزين باجتهادهم، بوظائفهم المنزلية، بسندويتشاتهم، بتنظيف يديهم بمناشفهم في المدرسة، بسلوكهم بين زملائهم.. كل شيء فيهم مميز.. هكذا قالت المعلمة، ومازالت صديقة الأسرة حتى أنها أرسلت ابنتها المهندسة إلى الكويت واستضفناها شهرين حتى رتبت أمورها.
.
أخيراً.. لقد رويت هنا تجربة شخصية غير مكلفة بناء على سؤال أحد الأصدقاء.. نحن لسنا نموذجاً، وهناك طرق كثيرة للتربية السليمة.. فتربية الأطفال قد تقود إلى روابي نهضة المجتمع ورفع رأس الأسرة، وقد تقود إلى السباب والشتائم والفضائح.. وحتى إلى وراء القضبان عند الكبر.
***********
المنشور المقصود بالأمس عن التربية:
 تربية
.
هناك أهل بربّون أطفالهم.. وهناك أطفال بربّون أهلهم.
.
جاءت تزورنا صحبة ابنها 2,5 سنة وزوجها.. أراد القرد الذي معها أن يشاركها شرب القهوة.. خطف الفنجان من يدها، فاندلق ونزع الكنبة وثيابها وثيابه وكل المطارح.. وتوعدته قائلة (لما نروح البيت بتشوف شو بيصير فيك).. ولما عادت إلى مكانها قالت: يالله انكب الشر.
.
بعد استبدال الفنجان بآخر مملوء بقي مصرا على رأيه.. فوضعت القهوة بالصحن حتى تبرد وتسقيه.
.
تضرب هي وابنها وزيارتها.. وزوجها كمان على هالمربى العاطل.