كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مؤسسة الإسكان العسكري (سابقا) في سوريا.. دولة ينقصها علم ونشيد

ربيع بستاني

يوم 14 شباط/ فبراير 1975 صدر المرسوم رقم 12 القاضي بإحداث مؤسسة الأسكان العسكري، وصفت مهمة هذه المؤسسة بأنها "تعمل على تنفيذ مشاريع الأبنية والمؤسسات" فأعفيت من كافة الضرائب والرسوم واستثني العاملون فيها من الحدود القصوى للتعويضات.
كانت الغاية من تأسيسها بناء مساكن للعسكريين قرب وحداتهم العسكرية لتخفيف انتقالهم اليومي بعيداً إلى دمشق، وسمي مشروعهم "مشروع إسكان الفرق". سرعان ما تخطت المؤسسة دورها الذي انشأت من أجله لتصبح مؤسسة ذات طابع إنشائي، صناعي، زراعي، حيث قامت بتنفيذ العديد من المشاريع الهامة والكبيرة، وراح نشاطها يزداد تنوعاً وانتشاراً حتى شمل معظم المحافظات السورية.
تم تكليف ضابط يدعى خليل البهلول بإدارة المؤسسة الأكبر في سوريا، وخليل بهلول اصلا صف ضابط سابق عمل دورة كلية عسكرية في تشرين الأول 1963 وتمت مكافأته برتبة ضابط، ورفع إلى رتبة مقدم عند تعيينه على رأس المؤسسة، وكان قد نال نشاطه إعجاب حافظ الأسد بعد نجاحه في بناء حظائر طائرات ومدارج طيران لسلاح الجو بعد حرب 1973.
منح البهلول صلاحيات واسعة على طريقة القطاع الخاص، إذ لم تكن هذه المؤسسة تخضع للقوانين والأنظمة التي تحكم المؤسسات العامة، حيث كانت منظمة على نحو لا مركزي بصلاحيات لا مركزية واسعة، وكانت جميع الفروع ذات استقلال مالي وإداري ومحاسبي وكان كل منها يعمل كشركة مستقلة وله موازنته وميزانيته وحساب ارباح وخسائر وحساب مصرفي يدار من قبل مدير الفرع والمدير المالي للفرع.
يصف باتريك سيل وضع المؤسسة في عهد خليل بهلول بالقول (كان ينقصها فقط علم ونشيد وطني).
كان معظم مديري الفروع ومديري الأقسام من المدنيين وكان جلهم غير بعثي، وكان في المؤسسة عدداً محدوداً من العسكريين يصفهم أ. سمير سعيفان "بأن جهلم فاسدون" مثل حبيب يونس الذي كان مدير الفرع المالي ثم ازيح وقصي درويش مدير فرع الآليات وأبو مدين ضابط الأمن في المؤسسة وهو من قرية عين شمس قرب مصياف.
قفز حجم أعمال المؤسسة إلى 1500 مليون ليرة سورية عام 1980، وبلغ عدد عمالها 37,852 بينهم حوالي ألفي مهندس، حيث تزاحم المهندسون على العمل في المؤسسة لما كانت تقدمه من رواتب عالية وحوافز كالسيارة التي توضع تحت تصرف المهندس. كانت الرواتب في الاسكان العسكري تعادل وسطيًأ ثلاثة أمثال رواتب الدولة.
في عام 1985 بلغ حجم أعمال المؤسسة 7200 مليون ليرة سورية مقابل 5450 مليون ليرة سورية لكل شركات الإنشاءات العامة الأخرى.
من المشاريع الكبرى التي نفذتها مؤسسة الاسكان العسكري مبنى مطار دمشق الدولي, ومكتبة الأسد، وقاعة ضيافة رئيس الجمهورية بطراز شرقي، وفندق ميريديان حلب، والمدينة الرياضية في اللاذقية (لدورة ألعاب البحر المتوسط عام 1987)، ومدارس وأبنيه جامعية، وخمسة الآف منزل في "قرى الأسد" قرب دمشق، تميزت ببنائها النموذجي الذي عكس ذوق بهلول نفسه في كل مشاريعه بتخصيص كل منزل بحديقة صغيرة.
يقول سعيفان: "لقد نمت المؤسسة كأخطبوط، وكان بها مئات المشاريع فيد التنفيذ على امتداد سورية، وكانت تستحوذ لوحدها قرابة نصف أعمال المقاولات الحكومية بقطاعيها العسكري والمدني، وكان بها قرابة 100 ورشة صناعية ومعمل، من بينها مصنع للإسمنت بطاقة مليون طن سنويًا في حلب وأربع معامل للموبيليا وأربع معامل للآجر، ومصنع للسيراميك، ومصنع للمصاعد، ومصنع لأسلاك الكهرباء وورشة أعمال معدنية تنتج سيور ناقلة للأفران ولغيرها، وعدد من مقالع البحص والرمل والكسارات وغيرها الكثير". و"كان في المؤسسة قرابة 11 ألف سيارة ومعدة وآلية هندسية، وكان بها فروع تنفيذ مشاريع البناء وفروع صناعية وفرع تجارة محلية وفرع تجاري للمشتريات الخارجية “فرع العقود”).
منذ عام 1985 أخذت أوضاع مؤسسة الإسكان تتدهور بسبب شح الأموال وتزايد الضائقة الاقتصادية، وبدأ التضييق على المؤسسة، وخاصة من قبل رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم الذي كان يعادي خليل بهلول. خاصة وأن الإسكان العسكري كانت أحد مسببات تدهور سعر صرف الليرة السورية امام الدولار لأن الاسكان كانت تدفع كل شهر نحو 100 مليون ليرة سورية تسديدًا لمستحقات/ديون الموردين وكانت تعادل 20 مليون دولار.
في تشرين الأول 1987 أقيل خليل بهلول من رئاسة المؤسسة بعد اصطدامه برئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم.
وتم تسمية العقيد احمد سعيد صالح بدلًأ عنه، وقد كان رئيس كتيبة هندسية في الجيش لا يفقه شيئاً في الإدارة، وأودع السجن بعد فترة بتهم فساد.
بعد إقالته طلب من بهلول مغادرة سوريا، فتوجه مع أمواله وعدد من مهندسيه نحو ليبيا، وأسس هناك شركة صغيرة للمقاولات شراكة مع القيادة القومية الليبية، ولكنه وبعد مضي أربعة أعوام غادر ليبيا لآخر مرة على آخر طائرة غادرت ليبيا في 14 شباط 1992 قبل يوم واحد من فرض الحصار الجوي على ليبيا وكانت الطائرة تتجه الى دمشق، ولكنه بعد وصوله لدمشق طلبوا منه المغادرة فورا، فغادر إلى باريس التي توفي فيها فقيرا مشردا عام 1998.
_مصدر الأرقام: كتاب "حلب بين التاريخ والهندسة" للدكتور فيصل الرفاعي
_مصدر المعلومات حول خليل البهلول مقالة للأستاذ سمير سعيفان بعنوان "تجربتي في مؤسسة الإسكان العسكرية".
الصورة للعقيد خليل بهلول مدير المؤسسة عند تأسيسها.
خديعة اجتزاء التاريخ و تحويله لصراع بين الاقطاع مع اكرم الحوراني
مسألة الملكية الزراعية في سوريا، بين الحقيقة ونصفها
تاريخ نظام النقد الأساسي وإنشاء مصرف سورية المركزي
بيان ومداخلة تفكيكية.. عن مرحلة أكرم الحوراني
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930