كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930

سيمون خالد علي

مشاهد من الحياة اليومية في قرية تفاحة وجوارها في جبال الساحل السوري خلال بدايات ثلاثينيات القرن العشرين. ومن خلال وصف العمل الجماعي، والنزاعات المحلية، والولائم الريفية، وجولات ألبرتين بين القرى، عالم ريفي قاس وبسيط في آن واحد، تتداخل الحاجة والفقر والمرض مع روح الجماعة والذاكرة الدينية والطرق القديمة والمزارات تحت اشجار البلوط.
حوليات علوية
جهود الصيف
كان حفر الارض وتسويتها حول مركز تفاحة هو عمل الاجازة كله. جهد كبير، جهد ضخم، اشترك فيه جميع سكان القرية. بدأ الرجال العمل بادواتهم البدائية، وهم ينتظرون ان تحمل البغال من طرطوس معاول ومجارف، بل وحتى عربة يدوية. وكانت هذه العربة اول مركبة ذات عجلات تدخل القرية، لذلك لم يتردد الاطفال في تسميتها فورا: “السيارة”.
اقتلع الرجال من الارض اطنانا من الحجارة، وكانت النساء ينقلنها في صفائح التنك، تلك الصفائح المنتشرة في كل مكان، حتى يضعنها عند قدمي عبد الله، “الرجل الحاذق”. فبناء الجدار ليس عملا بسيطا، بل هو فن يحتاج الى يد خبيرة. فالحبل والمطرقة الصغيرة، حتى المطرقة الفرنسية التي كان عبد الله يزعم انها “لا تنكسر”، لا ينفعان شيئا من دون مهارة صاحبهما.
وكان عبد الله يعرف قيمته جيدا. طلب زيادة في اجره، وكان ذلك عادلا. ثم طلبت زوجته زيادة ايضا، وكان ذلك اقل عدلا. لكنها قالت عبارة جميلة بطريقتها: “وهل يمكن لزوجة عبد الله ان تكسب خمس عشرة قرشا فقط؟” أي ثلاثة فرنكات.
وفيما كان العمل يتقدم، كان هناك عمل اخر يجري في النفوس ايضا. كان الاب يقود جهد الرجال، واحيانا يمسك المعول بيده، فيجمع بين الكلام والمثال. ومن خلال الاحاديث العابرة، كان يمرر فكرة مسيحية، او يوقظ معنى روحيا في نفوس العاملين.
وطوال اسابيع، وجد هؤلاء الرجال انفسهم يعملون معا تحت الشمس القاسية. كانوا قبل لا يرون عملا يستحق غير الحراثة، وكثيرا ما تذمروا وتعبوا، لكنهم في النهاية شعروا بالفخر بما انجزوه معا. لقد ذاقوا لذة العمل المتقن، “العمل الجميل”، ثم التفتوا الى الاب، واشاروا الى الارض التي صارت مستوية بعدما كانت مليئة بالنتوءات والحجارة، وقالوا له بلطف: “يا ابانا، هذا عملك”.
اما النساء فقد شاركن في العمل ايضا، وهذا لم يكن امرا جديدا عليهن، فالعمل الشاق جزء من حياتهن اليومية. لكن اللافت ان الجو لم يكن ثقيلا او صامتا، بل كان فيه شيء من المرح والمزاح العائلي. كان الرجال يمازحون النساء ويتهمونهن بأنهن يجلسن عن العمل كلما ادار الاب ظهره، فيقولون له:
“يا ابانا، انظر اليهن! يجلسن للعمل كلما ادرت ظهرك”.
فترد النساء بسرعة وحيوية:
“صحيح يا ابانا، لكن انظر اليهم! انهم لا يعملون شيئا حتى وانت تراقبهم”.
ومن خلال هذا الاحتكاك اليومي بهم، أمكن التعرف اليهم عن قرب ومحبتهم اكثر، لا رغم عيوبهم فقط، بل من خلالها ايضا. قد يقال عنهم انهم كسالى، لكن من لا يتعب اذا عمل وهو جائع او شبه جائع تحت شمس حارقة؟ وقد يقال انهم متعلقون بالمصلحة، لكن من لا يفكر في غده اذا كان لا يملك شيئا؟ أليس المحتاجون هم الذين جاء المسيح من اجلهم؟
اما صفاتهم الطيبة، فهي كثيرة ولا يمكن حصرها بسهولة.
في الارض التي شقت وسويت، ستنبت محاصيل جميلة. كانت الاخت مقتنعة بذلك، وكانت منذ عيد الميلاد تشير الى بعض الاعشاب الخضراء وتسميها خضروات. اما انا فلا اجرؤ على الجزم. لكن ما يستطيع الجميع رؤيته، باستثناء من عاد الى فرنسا بعد ان قاد جهد الصيف ولم يدرك حصاد الشتاء، هو ان القرية تبدلت. تبدلت الى درجة صار الناس يتحدثون عنها في القرى المجاورة.
لقد القيت الحبة في الارض، لكنها نبتت ايضا في النفوس.
القضاء والشرطة
كان القديس لويس يقيم العدل تحت شجرة بلوط، وفي بلاد العلويين ما زالت الخصومات تحل تحت اشجار البلوط ايضا. والخصومات هناك لا تنتهي: تين او جوز مسروق، ماشية دخلت ترعى في خضار الجار، او ماء احتفظ به صاحبه اكثر مما يجب.
وقد حدث ذات يوم، وكانت الراهبات غائبات فلم يدق ناقوس الظهر، اذ تشاجر علويان بسبب الماء. احدهما كان يريد ان يحتفظ بدوره في السقاية، والاخر يقول ان الشمس تجاوزت منتصف النهار، وبالتالي صار من حق ارضه ان تروى.
في الماضي، وهو ليس ماضيا بعيدا جدا، كانت الخلافات تحسم بالقوة. يذكر الكاتب انه رأى في قرية قريبة من تفاحة بيت آغا كان قد غضب من سكان قرية مجاورة، فذهب اليهم مع بعض رجاله، ولكي لا يترك مجالا للشك في سلطته عليهم، قطع ارجل مواشي القرية كلها.
وتروى ايضا حكاية شيخ شعر ان زوجته اهانته، لانها طلبت منه ان يذهب ليجلب الحطب من اجل خبز الخبز. وبما انه كان يملك، بين جماعته، سلطة الحكم والعقاب، يقال انه اوقد فرنه بقطع من جسد زوجته. أهي حقيقة ام حكاية؟ لا يهم كثيرا، فالمقصود ان الامور تغيرت اليوم، واصبح في بلاد العلويين شرطة.
في بعض المراكز، وهي احيانا بعيدة جدا، بحسب الطرق على ما يبدو، يقيم الدرك تحت امرة رقيب يعرف باسم “الشاويش”. اما بالنسبة الى تفاحة، فهو يحتاج الى ثلاث ساعات على الاقل حتى يصل لنجدة الناس، وغالبا ما يحتاج الى اكثر من ذلك، وقد تمر ثمانية ايام بين وقوع الخلاف وحله. ومع ذلك، فربما في هذا شيء من الحكمة، لان الشاويش رجل “سلام”، ويفضل ان يتعامل مع الناس بعد ان تهدأ النفوس.
يبدأ كلامه عادة بقوله: “ثلاث كلمات فقط...” وهو يبتسم ابتسامة تكشف عن اسنان لافتة، ثم لا يقول ثلاث كلمات، بل اربعين او خمسين، يرافقها بحركات واسعة تزيدها العصا في يده قوة ووضوحا.
وكان الشاويش، في نهاية الامر، رجلا يعرف كيف يدير الامور. كان يأخذ احد الخصمين جانبا، ومن ملامحه يبدو انه يتنقل بين الاقناع والتهديد. وفي هذه الاثناء، يتولى رفيقه حراسة الخيل، ويشغل بقية المتخاصمين ريثما يحين دورهم. وكان هذا الرفيق ايضا يعرف قيمة الصورة، فيقف بكل سرور بين الشهود الذين يستدعون، سواء صادف مرورهم في الطريق، او ارسل في طلبهم عند الحاجة، واحيانا يذهب المتهم نفسه ليحضرهم.
وفي النهاية، تقدم الوعود الكبيرة من الجانبين، ويوقع الجميع على اوراق طويلة عريضة لا يعرف على وجه اليقين ما قيمتها. وسيعلم المرء لاحقا انه، لغياب السجل العقاري، كانت عقود البيع والشراء هناك بلا قيمة قضائية حقيقية. ثم قبل ان ينفض الجمع، يقف الجميع لالتقاط صورة جماعية، في مشهد يوحي كأن الوفاق قد عاد كاملا بين الجميع.
وبعد ذلك، وقد طال الحديث احيانا حتى يمتد طوال بعد الظهر، وجاع القوم وعطشوا، يجلسون جميعا الى مائدة احد المتقاضين.
ثم تمضي العدالة في طريقها، تاركة البلاد وقد عرفت سلاما لثمانية ايام اخرى، وهذا بحد ذاته مكسب. وتغادر تحت ضوء القمر وقد علا في السماء، فيما تتردد وقع حوافر الحصان على الحجارة في ليل الجبال.
عيد عند المسيحيين
على شرف اي قديس اقيم هذا العيد؟ لا يوجد تقويم يذكر ذلك. لكن مسيحيي تفاحة ارادوا ان يقيموا احتفالا، او لنقل بصراحة: كانوا يرغبون في ان تقدم لهم الراهبات وليمة.
استشير الرؤساء، وفحصت خزينة البيت، ثم تقرر الامر. وفي يوم جميل، عند الظهيرة، اجتمع جميع مسيحيي تفاحة قرب الينبوع.
جلس الرجال جانبا، كما تقتضي العادة، يتحدثون او يلعبون، وينتظرون بصبر ان تنتهي النساء، وهن في الخلف كما تظهر الصورة، من اعداد البرغل. اما الياس، فقد قبل ان يذبح الجدي ويسلخه، ليكون لحم الوليمة.
اشتعلت ناران كبيرتان، ووضعت فوقهما قدور اكبر. وفي الهواء الطلق، يحتاج الماء الى وقت طويل حتى يغلي. لكن هذا الانتظار كان نافعا، لان القمح المجروش كان يحتاج اولا الى تنظيف جيد من الغبار والقش وبقايا السنابل العالقة به.
كانوا يذرونه بعناية على اطباق واسعة من القش المجدول، ثم يسكبونه في الماء المغلي. وبينما كانت رحمة تحرك البرغل حتى لا يلتصق في قاع القدر، كانت الاخت تسكب بسخاء الدهن المذاب فوق الحبوب وهي تنتفخ. وبالقرب منها كان اللحم يقطع، فيما كان الصغار يطلبون بلا حرج عظاما ساخنة، يمضغونها اولا، ثم يكسرونها بالحجارة ليخرجوا ما فيها من نخاع. ولو كانت هناك مائدة مفروشة لكان المشهد مختلفا، لكن لم تكن هناك مائدة.
صار البرغل جاهزا، فحمل بسرعة في طبقين كبيرين: طبق للرجال، وطبق للنساء. ومن بعيد، كانت بعض الراعيات اللواتي جئن بقطعانهن الى الينبوع يراقبن المشهد، على امل ان تجد احداهن بعد قليل مكانا امام ما تبقى.
لم يدم الطعام اكثر من عشر دقائق. وماذا يمكن ان ينتظر المرء؟ فالبطن الجائعة لا تعرف الصبر.
وكانت الايدي، وهي تغوص في الطبق، تعرف جيدا ان من يريد ان يأكل كثيرا عليه ان يسرع. هل كان ذلك انانية؟ لا. كان فقرا. فمن عرف وجبات لا يحضر فيها الا الخبز، خبز يخبز للوجبة نفسها خوفا من ان يصبح وجود خبز مخزون لعدة ايام اغراء لا يقاوم، يفهم هذا المشهد. ومع ذلك، ففي هذه الوليمة ، حمل اكثر من واحد نصيبه او بعضه الى زوجة بقيت تحرس الخضار، او الى مريضة لم تستطع ان تمشي وتحضر.
ولهذا، من دون شك، ذكرتني هذه الوليمة التي اكلها مسيحيو تفاحة تحت الاشجار بوليمة قديمة جدا على ضفاف البحيرة، يوم اطعم المسيح وتلاميذه اهل الجليل.
ورد اسم الاخت ألبرتين اكثر من مرة في الحوليات، سواء عند الحديث عن تفاحة او عن جنينة. وكان الناس يطلقون عليها احيانا لقبا غير متوقع: “الاخت الصغيرة”، وكان هذا اللقب يعجبها كثيرا. وهي نفسها كانت تقول عن ذاتها انها “صغيرة... صغيرة جدا”، لكنها سرعان ما تستدرك بتواضع وتضيف: “امام الرب الاله”.
ولعلها كانت محقة في هذا التواضع، فالحادثة الآتية تكشف جانبا اخر من شخصيتها. ففي احد الايام، شهدت تفاحة توترا بين الاغوات والمسيحيين. وكان المسيحيون يطلبون ان يترك لهم الامر ليتصرفوا بطريقتهم، قائلين: “الصبر واللطف كلام جميل، لكن ليس هنا”.
كانت الاخت ألبرتين تصغي وتوافق، كما هو منتظر منها، على نصائح الهدوء والرفق التي كانت تقدم لهم. لكنها فاجأت الجميع، وقالت بالفرنسية لحسن الحظ: “تماما، مسيحيونا على حق... فليأت الاغوات... انا اتكفل باربعة منهم!”.
صحيح ان داود قتل جالوت، لكن الاخت ألبرتين لم تكن داود.
وكانت الاخت ألبرتين تعاني ضعفا في بصرها، لذلك كانت تضع نظارات سوداء. وقد منحها ذلك ميزة طريفة، فهي تستطيع ان تراقب من غير ان يشعر بها احد. قد يظنها المرء بعيدة عن الحديث، لكن عينيها خلف النظارات كانتا تلمعان، كأنهما تنتظران اللحظة المناسبة لاطلاق رد حاسم. وكثيرا ما كانت تقول هذا الرد لنفسها اكثر مما تقوله للمتحدثين، لانهم في الغالب لا يسمعونها.
تراها مثلا في المساء، بعد الصلاة، متكئة على درابزين الدرج. لا تقول شيئا، لكنها تصغي من بعيد الى حديث طويل لا ينتهي، يحاول فيه احد الوجهاء ان يقنع الاخت ماري لوسيان، قائلا: “انه معنا تماما... قلبه قلب طفل... ونواياه في غاية النقاء”. ويكاد السامع يتأثر، حتى يسمع فجأة صوت الاخت ألبرتين يقطع الكلام: “اسكتوا!... الرب الاله يراكم”. هكذا كانت الاخت ألبرتين تختصر الحديث وتغلق النقاش.
ثم تصعد، وبعد لحظات تجدها مشغولة بغسيلها، او منحنية فوق طشت من الطماطم ستتحول الى مربى. وقد اعطى لها بعض الاباء وصفاتهم، والسؤال الكبير كان دائما: هل سينجح المربى ويعقد كما يجب؟ كان ذلك عملا يشغلها بجدية، لكن اول نداء كان يكفي لتترك كل شيء: “اختي، يوجد مريض”.
فالمرضى كانوا اختصاص الاخت ألبرتين، وكانت معايناتها مليئة بالمفاجآت. فإذا كان المريض طفلا، كثيرا ما تبدأ بامر حازم: “اذهب واغتسل”. وهو امر مفيد دائما، وضروري احيانا. ثم تعود بلطف شديد لتنظف الجرح، فيصرخ الصغار، وعندها تخرج الحلوى من جيوبها التي لا تنفد، كأنها تخرج وحدها.
وكان نجاحها الاكبر يظهر في علاج امراض الجلد. عندها يظهر “الانبوب”. ماذا كان في داخله؟ لا ادري. لكن الاخت ألبرتين كانت تؤكد انه يشفي كل شيء. والمرضى، بكل طاعة وثقة، كانوا يأتون بما تيسر عندهم من اوعية ليأخذوا فيها شيئا من هذا المرهم العجيب: قوارير عطر، كأنها بقايا رحلة قديمة الى طرطوس والحضارة، وعلب مختلفة عثروا عليها في اماكن لا يعلمها الا الله، بل حتى اوراق جوز وغيرها من الاشياء.
وكان هناك علاج اخر لا يقل شهرة: الكينا. فالحمى لم تكن نادرة في تلك البلاد، وحبات الكينا البيضاء الصغيرة كانت تبدو جميلة في العيون. وفي جولات القرى، ما ان يأخذ مريض الحمى عشر حبات او اثنتي عشرة حبة، مع التعليمات الواضحة: “كل يوم... حبتان... هل فهمت؟”، حتى يكتشف الجميع فجأة انهم مصابون بالحمى او بالملاريا، وتمتد الايدي من كل جهة: “يا اخت، اعطينا كينا”. وهكذا تختفي الحبات الثمينة، مربوطة في طرف حجاب امرأة، او في زاوية كوفية رجل.
اما في الحالات الاكثر خطورة، فكان هناك “العطر”: كلس حي يطفأ في سبع مياه متتابعة، ثم يمزج بزيت الزيتون. وكانوا يعدونه علاجا نافعا لا يرد.
والحق ان حالات الشفاء كانت كثيرة. اما نحن، المشككين الممازحين، فكنا نحاول ان نقنع الاخت بأن السر ليس في الدواء وحده.
كنا نقول لها مازحين:
“عطرك لا يساوي شيئا يا اختي، لكنك انت من تصنعين المعجزات”.
فتجيب:
“نعم يا ابانا... بصلاتك”.
فنقول لها:
“على كل حال يا اختي، انت قديسة عظيمة”.
فترد، وهي تمد الكلمة بشيء من الغناء:
“هذا اكيد... نعم”.
وفي بعض الايام، كانت الاخت ألبرتين تخرج في جولات البعثة، وذلك مرتين في الاسبوع، بعد ان صار عليها ان تقيس خطواتها بما يراه ضميرها معقولا.
والسبب انها، من شدة غيرتها وحماسها، كانت تنسى احيانا ان للجسد حدودا. كانت تمشي طويلا بلا توقف، حتى اغمي عليها ذات يوم من شدة التعب وهي في طريقها الى احدى الجولات. ولما علمت الام العامة بما حدث، عاتبتها، ثم تركت لها الامر بحكمة، على ان تطيع ضميرها ولا تقوم الا بما تراه معقولا وممكنا.
ومنذ ذلك الوقت، صار يقال ان الاخت ألبرتين تمشي “على ما يمليه ضميرها”.
كانت تستيقظ باكرا، وما ان تسمع القداس حتى تحمل حقيبة الادوية، وتأخذ معها الزاد والمظلة التي لا غنى عنها، ثم ترفع طرف ثوبها وتنطلق بلا تردد في الدروب الحجرية، وبين الاراضي الشائكة، وتعبر الجداول كما تستطيع، حتى تصل الى القرى المجاورة.
وهناك كانت تتجه مباشرة الى الينبوع. وبعد صورة تلتقطها استجابة لالحاح الاب، تجلس وتنتظر المرضى. في البداية يأتون صامتين، وحين تسألهم: “هل عندكم مرضى؟ رأس؟ بطن؟ عيون؟” يجيبون جميعا: “لا، الحمد لله، لا يوجد عندنا مريض”.
ثم يتشجع احدهم ويقول:
“يا اخت، الطفل يأكل التراب... هل عندك دواء؟”
فتجيبه:
“نعم، بالتأكيد. في المرة القادمة اذا عاد وفعل ذلك، احضره الي، وانا اعاقبه”.
عندها يفتح المتهم، وهو ولد ممتلئ في الرابعة او الخامسة، عينيه مذعورا، ويختبئ خلف سروال ابيه، ثم يبدأ بالبكاء. فيضحك الناس، وبعدها يظهر المرضى الحقيقيون.
كان الرمد والتراخوما (الرمد) من الامراض الشائعة، وكذلك الجروح التي كان الناس يغطونها بعناية بالطين.
ويأتي رجل اخر، وقد آذى ظهره وهو ينقل حجرا. كان العلاج الطبيعي في مثل هذه الحالة هو الراحة وقليل من زيت الكافور، لكنه يشرح انهم عالجوه بطريقة اخرى: كيات بالنار. ثم يريها ظهره، فاذا فيه عشرة او اثنا عشر ثقبا، كل واحد منها بعرض ساعة اليد، وبعمق مخيف ايضا. بأي اداة كوه؟ بمسمار؟ بسيخ؟ من يدري؟ اما الرجل فكان يبدو مستغربا من اعتراض الاخت على ما فعلوه به.
وشيئا فشيئا، يعالج المرضى، لكنهم لا يغادرون. يبقون حولها، وهنا يبدأ وقت الاحاديث التي كانت الاخت تحسن ادارتها. يتحلق الناس في دائرة، وينادون من هم تحت اشجار التوت: “تعالوا، الاخت هنا”.
وفي احدى القرى الارثوذكسية، كان الجمع كثيفا عند قدمي الاخت. وهناك، اشارت عجوز الى اطفالها، وخرج من فمها طلب قديم كأنه يعبر عشرين قرنا من الزمن، نفس الطلب الذي قاله التلاميذ للمسيح: “علمهم كيف يصلون”.
وبينما كانت الجنادب تغني في المكان، بدأت الاخت تعلمهم الصلاة:
“ابانا... ابانا الذي في السماوات...”
ثم اخذت تشرح لهم ان الله احب البشر حبا عظيما، حتى نزل من اجلهم الى الارض.
عند المنشقين، يطرح الموضوع مباشرة. وفي الارض العلوية، يصل الحديث اليه بالسهولة نفسها. وغالبا ما يكون الاعتراض الكبير حول آلام المسيح: “هل يمكن لله ان يموت؟”. لكن الاخت ألبرتين، وهي التي كانت صامتة في العادة، كانت تجد عند هذه الاسئلة بلاغة لا تنتهي. تصغي بصبر، وتجيب بصبر، وتتابع الاسئلة في تعرجاتها الكثيرة حتى تبلغ جوابها.
واعتقد ان النظرات الودودة التي كانت تستقبلها، والشفاه التي تقبل يدها متى امكن ذلك، وحتى صورة المسيح التي تحملها على صدرها، كانت تجعل تعب “ايام البعثة” اخف على قلبها.
ولا بد هنا من وصف قسوة هذه الجولات في بلاد العلويين. فالمكان كله وديان وتلال، تحت شمس لا يخففها الا قليلا، فوق القمم، نسيم قادم من البحر. والقرى تتوالى واحدة بعد اخرى، ست قرى او سبع احيانا في اليوم الواحد، ومع كل قرية موكب جديد من الفقر والمرض. وعندما يحل المساء، تكون الاخت قد رأت خمسين او ستين مريضا. اما عدد الكيلومترات، فلا احد يعرفه بدقة، لكن المشي الفعلي كان يبلغ عادة خمس او ست ساعات، وعلى اي طرق!
كانت الاخت ألبرتين تقسم الطرق الى ثلاث درجات. فاذا رأت ممرا عرضه نحو متر، مليئا بالحجارة المتدحرجة، اعلنت قائلة:
“هذه هي الطريق”.
اما الطريق نفسها، فكانت كثيرة الالتواء والتقلب. تمضي بين الاراضي، فتبحث هنا عن بيت، وهناك تحت شجر البلوط عن قبر مكرم، ثم تنعطف نحو عين ماء، حتى يضطر المرء من حين الى اخر الى تركها والانحدار على غير هدى فوق سفوح التلال.
وعندها كانت الاخت ألبرتين تعلن: “سنأخذ مسالك الماعز”. فننطلق بين شجر الآس، وتخدش الاشواك ايدينا، على امل ان نعود فنجد “الطريق” التي تركناها بسبب كثرة التفافها وتعرجها. لكننا لا نجدها دائما. وحين نضلها، تتنهد الاخت ألبرتين وتقول: “لقد اضعنا الطريق... سر يا ابانا على صلاتك”. ثم ما ان يظهر الممر من جديد حتى تقول بفرح: “انظر كم ملاكي الحارس لطيف”.
وفي المساء، نعود بخطى ابطأ. ومن فوق القمم نرى القرى البعيدة وقد بدأت النيران تشتعل امام بيوتها. عندها كانت الاخت ألبرتين، كعادتها، تجعل من طريق العودة وقتا للتأمل بدلا من القراءة الروحية. وكانت تلك لحظة هادئة وجميلة: الشمس غابت او كادت، والصمت يملأ المكان، ولا يقطعه الا نباح ابن اوى من بعيد.
اما ما كانت تتأمله الاخت ألبرتين، فلم تقل ذلك. لكن الارجح انها كانت تستعيد في صمتها بؤس النهار كله، وما رأته من مرض وفقر وتعب، ثم ترفع صلاة بسيطة من اجل كل من يتألم في الارض العلوية. وربما كانت تعود الى ذاكرتها تلك العبارة التي سمعتها كثيرا، والتي رأى النص فيها اثرا قديما من زمن الصليبيين في هذه البلاد: “جعلنا الله نموت على دين المسيح”.
وفي تلك الدروب الوعرة التي لم يلينها الزمن، كان الفرسان يمرون قديما، حراسا مهابين ومحسنين الى الضعفاء. ولو انهم يطلون من السماء على هذه الارض التي احبوها، فلا بد انهم سينظرون برضا خاص الى هذه الراهبة التي تمضي في الطرق نفسها، بلا درع سوى ثوبها الابيض، وبلا ترس سوى صليبها.
كانوا سيعرفونها واحدة منهم. فهي، بطريقتها الخاصة، تتابع ما يسميه النص “الحملة الصليبية”، لا بالسيف ولا بالدرع، بل بالمشي بين القرى، وبحقيبة الدواء، ورداء الراهبة، والصليب.
مبشر في العشرين
وهذا الاسم المستعار مأخوذ من عنوان كتاب صدر عند دار ديلان سنة 1931. وقد رآه الكاتب الاسم الانسب لوضعه في نهاية مقال يجمع ذكريات وصورا قدمها عدد من المشاركين في تلك الجولات. 
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار