كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن مدينة دير الزور

علاء الدين تلجبيني

يقول غسان الشيخ الخفاجي في كتاب السيرة الذهبية:
«أظهرت تقارير العقيد تشيني، الذي مرّ بوادي الفرات بين أعوام 1835 و1837، أنه لا توجد بلدة عامرة في منطقة الفرات الأوسط سوى دير الزور، وأن عدد سكانها لا يزيد على أربعة آلاف نسمة».
ويقول كامل الغزّي في كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب:
«كانت مدينة الدير قرية تُعرف باسم (دير الشعار) بضم الشين، غير ملحقة بلواء ولا بولاية، لوقوعها في وسط صحراء مترامية الأطراف. وكانت العشائر العربية تجتمع إليها في مواسم معلومة من السنة لعرض بضائعهم على التجار الذين يأتونها في تلك المواسم لشراء السمن والصوف والغنم والمواشي، وكانت حوادث النهب والسلب وغارات العرب لا تكاد تنقطع في جهاتها.
في سنة 1864م رأى ثريا باشا، والي حلب، أن يُخضع عشائر تلك الناحية ويجعلها مركز قضاء ملحق بولاية حلب، فجهّز إليها حملة عسكرية مؤلفة من كتيبتين (طابورين) بقيادة مقدم ألف (يكباشي)، فأخضع عشائرها المتمردة وجعلها مركز قائمقامية».
من أجل تشجيع الاستقرار وتنمية الزراعة، جرى توزيع الأراضي الزراعية على ضفاف الفرات، حيث وزّع ثريا باشا سندات ملكية خاقانية على الأسر الديرية بحسب عدد أفرادها، وبذلك تكوّنت نواة طبقة «الأعيان» الديريين التي ستؤدي، بالشراكة مع البيروقراطية العثمانية التنظيماتية المدنية والعسكرية، دوراً في تطوير المجال الحضري للبلدة، كما يقول جمال باروت.
يقول باروت:
«سلك قائمقام القضاء الجديد سياسة مكثفة في تحضير البدو وتحويلهم إلى مزارعين وتطوير البلدة، حيث بُنيت في أواسط ستينيات القرن التاسع عشر أول مدرسة ابتدائية ومستشفى، وعشرات القرى لإسكان البدو وتحويلهم إلى فلاحين، لكن ما إن عادت القوات العثمانية للمغادرة نحو الجزيرة حتى هجر البدو هذه القرى». وفي ذات الفترة دخل استثمار التجار الحلبيين، ومنهم آل الجابري، على الخط، إذ حصلوا على مساحات شاسعة من الأراضي السلطانية، فارتفع حجم المال المستثمر بفضل التراكمات المالية لدى تجار حلب، تزامناً مع التطور الذي كانت تشهده مدينة دير الزور.
نشأ في المدينة ما يُعرف بـ«العصبية البلدية»، فإذا كان للبدو المتحولين للزراعة عصبية عشائرية، فلأبناء مدينة دير الزور ثلاث عصبيات: العصبية العشائرية التي انحدروا منها، والعصبية المحلية، والعصبية البلدية الديرية للمدينة، أي تعاضد الجميع للدفاع عن المدينة، وهو ما حدث عدة مرات في التراص الذي شهدته المدينة للتصدي لعدة تهديدات عشائرية بغزوها.
ويمكن القول إن عمران دير الزور الحديثة بدأ منهجياً عام 1865، في إطار التحالف الذي قام بين الإصلاحيين العثمانيين في ستينيات القرن التاسع عشر والسلطان عبد العزيز.
شكّل مركز دير الزور نقطة انطلاق عملية تنظيم الجزيرة الوسطى وإعمارها وربطها بالجزيرتين العليا والسفلى. وبُني المركز الإداري والعسكري للمدينة في النقطة التي يبلغ فيها الفرات أقصى حالات اتساعه، مشكلاً مع الزمن مصاطب مرتفعة عن مجرى النهر، سوف يُنشأ معظم القرى فوقها. وتدريجياً مُنحت العشائر نصف المتحضرة أراضي صالحة للزراعة على ضفاف الفرات والخابور، وأُعفي أبناؤها من الخدمة العسكرية وضريبة الطرق مقابل دفع 17% من إجمالي المحصول كضريبة.
وقد حدّدت طبيعة النهر دائماً تركز التجمعات الحضرية حوله منذ ذلك الوقت حتى الآن، حيث انتشر السكان نتيجة لذلك بشكل شريطي ضيق يتركز فيه ما لا يقل عن 97% منهم، بينما بقيت النسبة الأقل في البادية الشامية.
كانت أول عملية تنظيم إداري لمنطقة وادي الفرات سنة 1870، في إطار التحديث الإداري المؤسسي المرتبط بتطبيق قانون الولايات العثماني.
حوّل أرسلان باشا بلدة دير الزور إلى قضاء (سنجق) تابع لولاية حلب، ونظراً للاتساع الكبير لمساحة سنجق دير الزور، وضرورة تدخل الحكومة لتطويره وضبط حالة الأمن فيه، تحولت دير الزور إلى سنجق أو متصرفية مستقلة ملحقة مباشرة بمقر الحكومة المركزية في الآستانة أواخر عام 1870.
في سنة 1878 جرى تقليص حدود السنجق، فربط قضاء سنجار بولاية الموصل، وربط سنجق ماردين بولاية ديار بكر، وقضاء مسكنة بولاية حلب، ثم أُعيد ربط السنجق مجدداً بولاية حلب.
وشهدت المدينة وصول دفعات من أصحاب المهن والبستنة والكتابة، الذين أتى بهم أرسلان باشا من أورفة، وكان منهم مسيحيون كلدان بلغ عددهم مئة فرد استقروا في المدينة بنية التجارة، كذلك استقر فيها تجار يهود.
وأصبحت المدينة عقدة تجارية مهمة جداً تقصدها القوافل، كمصب تتفرع منه طرق رئيسية من الموصل وبغداد باتجاه الداخل السوري، ونشطت فيها تجارة الخيول والمواشي.
كان متصرف اللواء حسين رشدي باشا المدرس، نجل مفتي حلب، قد سعى نحو تصنيف السنجق بـ«متصرفية ممتازة» إلى جانب متصرفيتي جبل لبنان والقدس، اللتين كانتا تُصنفان بالتصنيف ذاته، حيث كانت تتمتع هذه المتصرفيات بخاصية الاتصال البرقي (التلغرافي) المباشر بالعاصمة «الخط الساخن».
مع دخول القرن العشرين تطورت المدينة، وأصبحت حركة الأفراد باتجاه حلب وبغداد أقوى، ما ساهم بتطور بؤر العمران وتطوير مدن منبج وحلب وبناء وتوسيع الرقة.
التركيبة الديموغرافية للمدينة مطلع القرن العشرين:
تألفت العصبية البلدية في المدينة من ثلاثة أطراف:
- الوسطيون: سكان أحياء غرب المدينة (أبرز ممثليهم خضر أفندي والحاج فاضل أفندي العبود).
- الشرقيون: سكان الأحياء الواقعة شرقها (أبرز ممثليهم نوري أفندي الفتيح).
- الخرشان: سكان بساتين الحويقة (أبرز ممثليهم إبراهيم أفندي الحاج حسين).
وكانت هذه الأطراف منقسمة على مواقع السلطة والنفوذ والسيطرة على المناصب البلدية، ثم على تمثيل المدينة في مجلس المبعوثان العثماني.
وبسبب عوامل الهجرة الخارجية تطورت المدينة في عامي 1915 و1916 مع وصول موجات الهجرة الأرمنية، فارتفع النمو السكاني للمدينة.
انسحب العثمانيون من دير الزور في 6 تشرين الأول 1918، متمّمين بذلك انسحابهم الكامل من سورية، وهي حقبة تاريخية مهمة استمرت 400 عام من السيطرة. ومثّلت نهاية تلك الحقبة بانسحاب القوات العثمانية من آخر معاقلها في المنطقة باتجاه ماردين، تاركة الأوضاع دون سلطة سياسية أو قيادة تدبر الأمور، فبذلك عانت المنطقة من فراغ سياسي وخوف سيطر على الأهالي من المحيط العشائري الذي يسود مدينتهم، ما جعلهم يفكرون بضرورة وجود سلطة قوية قادرة على حماية المدينة وأهلها من تلك الاضطرابات.
فعمد الأهالي إلى التسلح بما وصلت إليه أيديهم من بنادق خلفها الجنود العثمانيون المنسحبون وراءهم، للحفاظ على الأمن تجاه بعضهم البعض.
واتفق الأهالي على تشكيل حكومة محلية تضبط أمور الأمن وتسير شؤون المدينة بشكل مؤقت، فوجدوا فيما بينهم مجلساً محلياً أطلقوا عليه تسمية «حكومة الحاج فاضل الأولى» تبعاً لاسم رئيسها، رئيس البلدية الحاج فاضل العبود.
استمرت هذه الحكومة 33 يوماً، وأطلق أهل البلد عليها اسم «حكومة الفلتان» أو «حكومة الفلت» أو «حكومة الرؤساء الثلاث»، في إشارة إلى الفوضى التي عمّت منطقة وادي الفرات السوري في تلك المدة وافتقاد أية سلطة مركزية تتبعها، وبعد نقاشات بينهم اتفقوا على تشكيل مجلس من 21 عضواً.
وصل أول متصرف عربي إلى دير الزور في 7 كانون الأول 1918، وهو مرعي باشا الملاح، موفداً من قبل الحكومة العربية في دمشق ليتولى إدارة متصرفية دير الزور مع عدد من الإداريين والعسكريين لإنشاء الهيكلية الإدارية، ويرافقه الأمير علي بك العراقي، بعد أن تلقى تأييداً ودعماً ومشاركة من القبائل العربية.
وكان أعيان المدينة، الممثلون لعصبياتها العشائرية الثلاث والطامحون إلى أن يكون النفوذ في المدينة لهم، يتوقعون من العهد الجديد قبل كل شيء موقفاً متفهماً إزاء مشكلاتهم الخاصة، وتقدموا إلى الملاّح بطلب في هذا الصدد، فكان جوابه حاسماً:
«لم آتِ إلى هنا لأقسم الغنائم بين الزعماء المحليين، وإنما لبناء دولة».
في إشارة منه إلى المحاولات المستمرة لهؤلاء وغيرهم لتبوّء أعلى المناصب الإدارية بغض النظر عن المصلحة العامة، فرأى أولئك الأعيان في مجلس العشرة الذي شكّله الملاّح إخلالاً بتوازن القوى بين العصبيات العائلية – العشائرية – البلدية الثلاث في مدينة دير الزور، وانتقاصاً من سلطاتها.
شهد عهد الملاّح نشاطاً قومياً ووطنياً ملموساً، إذ كان كل من الشيخ محمد سعيد العرفي وحسين السراج يلهبان الجماهير بخطبهما الحماسية على منابر المساجد، ويثيران الحماس في الناس ضد المستعمرين الجدد، وكان الشاعر محمد الفراتي ينظم قصائده الساخرة بالبريطانيين وأعوانهم ويرسلها إلى الأمير فيصل، كما شهدت المدينة نشاطاً في مقاومة الاحتلال، وهكذا عادت الأمور إلى مجاريها تسير ضمن نطاق قانوني حكومي.
وكان الملاّح محبوباً من أهالي دير الزور على اختلاف شرائحهم الاجتماعية، بما اتسم به من عدل ونزاهة وتوجه لحل المشكلات بطرق ودية وعادلة.
تطور الوضع في المدينة في السنوات اللاحقة
1919:
وجود نفوذ بريطاني سياسي وعسكري في المنطقة الشرقية بحكم ارتباطها بقيادة الاحتلال البريطاني في العراق، مع محاولات لتنظيم الإدارة المحلية عبر الحكومة العربية بدمشق.
1920:
سقوط المملكة العربية السورية بعد معركة ميسلون، ثم دخول الفرنسيين دير الزور وبدء الانتداب الفرنسي.
1921:
اندلاع ثورة رمضان الشلاش ضد الفرنسيين في الفرات ودير الزور، وسيطرة الثوار لفترة قصيرة على المدينة.
عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين:
أصبحت دير الزور مركزاً إدارياً مهماً للفرنسيين في الجزيرة والفرات، مع استمرار التوتر العشائري والوطني.
1941:
خلال الحرب العالمية الثانية دخلت قوات الحلفاء سوريا بعد إسقاط حكومة فيشي الفرنسية، وانتقلت المنطقة لسلطة فرنسا الحرة.
1946:
جلاء آخر جندي فرنسي عن سوريا واستقلال البلاد الكامل، وأصبحت دير الزور جزءاً من الدولة السورية المستقلة.
نواب دير الزور في البرلمان السوري بين 1936 و1961:
برلمان 1936:
- الحاج محمد العايش
- محمد نوري الفتيح
- سعيد العريف
- تركي النجرس
1943:
- حامد الخوجة
- بركات الأحمد الفرج
- محمد مجحم البشير
1947:
- توفيق الهنيدي
- راغب البشير
- محمد العايش
- محمد الفتيح
الجمعية التأسيسية 1949:
- قاسم الهنيدي
- قاسم العايش
- جلال السيد
- عبد العزيز الحرويل
1953:
- طه الحداد
- عبد الرزاق العايش
- توفيق الهنيدي
1954:
- نافع رجب
- عبد الصمد الفتيح
- راغب البشير
- محمد العايش
- بدري عبود
1961:
- عبد الصمد الفتيح
- راغب البشير
- جلال السيد
- عبد الرحمن الهنيدي
- عبد الكريم الفرحان الفياض 
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار