كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة

فراس حمدون

مقدمة توثيقية (العلم والمنهج)
قامت الصناعات التقليدية في حماة على أكتاف عائلات عريقة توارثت "أسرار الكار" جيلاً بعد جيل. ولم تكن الدباغة وغسيل الصوف مجرد حرف، بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تخضع لقوانين الطوائف الحرفية.
يعود الفضل الأكبر في إنقاذ هذا الإرث وتوثيقه إلى الأستاذ والمؤرخ الدكتور كامل شحادة (مدير آثار حماة و مدير متحفها الأسبق).
لقد تميز الدكتور شحادة بمنهجه الفريد الذي زاوج فيه بين العمل الميداني الأثري وقراءة بطون وسجلات المحكمة الشرعية ومحاضر غرفة التجارة.
ومن خلال تحقيقاته الرائدة المنشورة في "مجلة الحوليات الأثرية السورية"، أعاد إحياء الذاكرة العائلية والاقتصادية للمدينة،
موثقاً بالأسماء والصكوك الرسمية توزع هذه العائلات وأدوارها الحرفية على ضفاف العاصي، وكيف واجهت رياح التحديث والانتقال نحو المدن الصناعية المعاصرة.
الفصل الأول: عائلات حماة وإرث طوائف الحرف (سلسلة الإنتاج والتكامل المهني)
تأثرت الكنى والألقاب العائلية في حماة بطبيعة المهن، ورصد أرشيف الدكتور كامل شحادة الكثير من العوائل التي أسهمت في هذا القطاع، وتتوزع وفق أدوارها التخصصية كالتالي:
أولاً: عائلات طور التأسيس و"أرباب الكار" التقليدي
1. قطاع الدباغة وإدارة الصنعة (آل الدباغ، دباغ، وغندور)
عائلتا الدباغ (ودباغ): وُثقوا في سجلات المحكمة الشرعية كـ "أهل الكار الأصليين" ومالكي أكبر المقاصر في محلة الدباغة الفوقانية والتحتانية. وكان لرجالاتها الحظ الأوفر تاريخياً في اعتلاء منصب "شيخ كار الدباغين"،
حيث أوكلت إليهم السلطة القانونية لفض النزاعات المهنية، وتحديد معايير الجودة، ومنع الغش في استخدام المواد النباتية.
عائلة غندور: من أعرق العائلات الحرفية والتجارية، رصد شحادة حجج ملكيتهم للمدابغ الحجرية المفتوحة مباشرة على نهر العاصي.
تميز دورهم بالقدرة الاستيعابية الضخمة لمعالجة الجلود الخام، والإشراف على طائفة واسعة من الصناع والعمال.
2. قطاع الصباغة والتحضير (آل الصباغ وآل الدهان)
عائلتا الصباغ والدهان: ارتبط اسماهما تاريخياً بـ "الخانات ومحلات الصباغة" القريبة من النهر. وُثق دورهم كأرباب لـ "صنعة التلوين اللاحق"،
حيث امتلكوا أسرار تركيب الألوان الثابتة المستخرجة من الأعشاب والنباتات (كقشور الرمان، والعفص، ولحاء البلوط) لتلوين الجلود وخيوط الصوف.
3. قطاع الحرف التحويلية وتصنيع الفراء (آل الفرا، الفرّاي، ومحفوض)
عائلات الفرا، الفرّاي، ومحفوض: ترأست هذه العائلات "طائفة الفرواتية" في حماة. وكان دورهم يمثل الحلقة الوسيطة بين المدابغ والبادية؛
حيث يشترون الجلود المدبوغة وفراء الأغنام ويعيدون تصنيعها لإنتاج الفرو الحموية والعباءات المبطنة الفاخرة التي كانت تحظى بطلب هائل من وجهاء القبائل في البادية السورية والعراقية.
4. قطاع نسيج الأصواف والسجاد (آل عدي وآل الخاني)
عائلة عدي: مَثّلت هذه العائلة "المرحلة الذهبية الثانية" للصوف الحموي؛ فبعد غسل صوف أغنام العواس على ضفاف النهر،
كانت مشاغل وأنوال آل عدي اليدوية تستوعب هذه الكميات لغزلها وتحويلها إلى العباءات الحموية الشهيرة والبسط والأغطية، محققين تكاملاً اقتصادياً نادراً.
عائلة الخاني: برزت كعائلة علمية وتجارية رفيعة، ورصد شحادة في الجانب الاقتصادي لبعض فروعها امتلاك منشآت كبرى لتخزين الأصواف وتوفير الرساميل لتمويل المشاغل اليدوية وأنوال النسيج التقليدية في المدينة.
5. قطاع التجارة الحرفية والوساطة (آل تيسير، عرواني، والنشواتي)
عائلات تيسير، عرواني، والنشواتي: وُثق دورهم في دفاتر المحكمة الشرعية كـ "تجار وسيطين وبياعي جملة". وكانوا يمثلون الشريان الحيوي الذي يربط البادية بالمدينة،
حيث يتخصصون في تجميع الجلود الخام، والأصواف، ومنتجات الأغنام من المربين وتوريدها للمدابغ والمغاسل على العاصي.
6. عائلات الصناعات الرديفة والمساندة (آل الجزماتي، الكردي، قصاب باشي، العش، والحبال)
عائلة الجزماتي: ارتبطت بصناعة الأحذية والـ "جزم" الجلدية الطويلة. ترأسوا "طائفة الجزماتية"، وكانوا يستوعبون الجلود المدبوغة النهائية (السختيان والنعال) لتحويلها إلى منتجات جلدية تُصدّر إلى ولايات الشام والأناضول.
عائلة الكردي: برزوا في قطاع تجارة المواشي كـ "جلابين"، وشكّلوا المورد الأول والأساسي للأغنام والماشية إلى أسواق حماة، ومن ثم توفير المواد الخام قبل دخولها للمدابغ.
عائلة القصاب (أو قصاب باشي): ارتبطت بالمسالخ والمجازر التاريخية في حماة، ووثق شحادة دورهم في تنظيم عمليات الذبح واستخراج الجلود بكفاءة ودقة عالية (دون شقوق أو عيوب) لتباع للمدابغ بأعلى جودة.
عائلة العش: دخلت بعض فروعها في عقود التزام تجارة الأصواف الكبرى، وتميزوا بامتلاك المخازن الكبيرة والمستودعات (البايكات) القريبة من النهر لتخزين الصوف المطهّر قبل شحنه وتصديره.
عائلة الحبال: برعت في صناعة الحبال المتينة من ليف النخيل ومخلفات الأصواف الخشنة، وهي حرفة مساندة حرجة كانت تُستخدم حبالها لربط أجزاء النواعير، وتشغيل طواحين المياه، وحزم بالات الصوف والجلود الكبرى المعدة للشحن.
ثانياً: عائلات طور التحديث والجيل الصناعي الجديد
7. رواد المكننة، التحديث، والتصدير الدولي (آل فخري، العلواني، السباعي، السراج، وقنوت)
عائلة فخري: قادت هذه العائلة نقلة نوعية في القرن العشرين بالانتقال من الحرفة التقليدية إلى الصناعة" المكننة"،بحيث كانوا في طليعة من استورد الغسالات الميكانيكية الضخمة والآلات التي سرعت الإنتاج وطورته.
وقد تميزت العائلة بصمودها المهني؛ إذ بقوا من العائلات القليلة التي استمرت في تشغيل منشآتها ونشاطاتها لفترات متأخرة متوزعين في مناطق متفرقة داخل أحياء المدينة، محافظين على نبض هذا الكار
عائلة العلواني: برزت في أرشيف التحديث بريادتها لقطاع "صوف العواس الحموي"؛ حيث أنشأوا كبرى مستودعات الفرز الحديثة ومكابس الصوف، وتحولوا إلى الاسم الأبرز في تصدير الأصواف الحموية بمواصفات قياسية إلى الأسواق الأوروبية والعالمية.
عائلة السباعي: تخصصت في مرحلة النهضة الصناعية الحديثة كشبكة ربط تجاري واسعة؛ حيث برعوا في تجميع الأصواف والجلود بكميات ضخمة وتوزيعها لتغذية معامل السجاد ومحلات النسيج المكننة الناشئة.
عائلة السراج: انطلقوا من الجذور التاريخية لكنيتهم المرتبطة بصناعة السروج الجلدية، وتحولوا في عصر التحديث نحو الدباغة الآلية المتقدمة، واستوردوا الآلات الميكانيكية الحديثة لمعالجة الجلود.
عائلة قنوت: وُثق دورهم في العقود الأخيرة من القرن العشرين كقوة مالية وصناعية ساهمت في ضخ الرساميل لتحديث أدوات الكار، وتطوير تجارة وتصنيع المشتقات الجلدية بما يتلاءم مع متطلبات السوق الدولية الحديثة.
الفصل الثاني: طقوس "المبايعة" ورتب المهنة (البعد الاجتماعي)
لم يكن يُسمح لأي شخص بممارسة المهنة بشكل مستقل إلا عبر نظام رتب صارم ومحكم تشرف عليه العائلات القيادية (مثل آل الدباغ وغندور) تحت رعاية شيخ الكار:
1. الأجير: يبدأ الصبي في سن مبكرة يتعلم المبادئ الأساسية للمهنة ويقوم بالأعمال المساعدة.
2. الصانع: يترقى إليها بعد اكتساب الخبرة، ويصبح مسؤولاً عن تنفيذ مراحل العمل اليدوي داخل المدبغة.
3. المعلم (رب الكار): لا يصل الصانع إلى هذه الرتبة إلا بعد خضوعه لـ امتحان صارم وعملي أمام شيخ الكار وكبار وجهاء العائلات؛ حيث يتوجب عليه دباغة جلد كامل بمفرده من مرحلة التمليس بالكلس وحتى التلوين النهائي.
فإذا حاز منتجه رضاهم وإجازة شيخ الكار، أقيمت له "حفلة تلبيس"(حيث يقوم شيخ الكار بـإلباس الصانع لباساً خاصاً بالمعلمين مثل عباءة معينة، أو حزام قماشي عريض يُربط حول الخصر يُسمى "الشد")، ليُعلن رسمياً "معلماً" يُسمح له بفتح منشأته الخاصة.
خاتمة (أنين الذاكرة الحموية)
إن انتقال الدباغات ومغاسل الصوف من موقعها التاريخي ترك في نفوس أبناء تلك العائلات حنيناً كبيراً وارتباطاً وجدانياً لا يُمحى.
فلم يكن نهر العاصي بالنسبة لهم مجرد مصدر للمياه أو شريان اقتصادي، بل كان شريك حياة وصديقاً يسمعون هدير نواعيره الشامخة (مثل النواعير الجسرية والمأمورية) وهي تئن وتدور متناغمة مع ضربات مضاربهم الخشبية وصوت حركة عمالهم، لتبقى قصة الدباغة في حماة فصلاً خالداً من كتاب عبقرية الإنسان الحموي في تطويع الحجر والنهر.
وثائق ومراجع البحث
1. الوثائق الرسمية والأرشيفية:
سجلات المحكمة الشرعية في حماة: (الحقبة العثمانية) – صكوك ملكية المدابغ، وثائق المقاصر، وفرامينات تولية "شيوخ الكار".
محاضر غرفة تجارة وصناعة حماة: (القرن العشرين) – وثائق طور التحديث والمكننة والانتقال للمنطقة الصناعية.
2. الدراسات والمؤلفات التاريخية:
أبحاث د. كامل شحادة: المنشورة في "مجلة الحوليات الأثرية السورية" (دراسات العمارة المائية، النواعير، الطواحين، وأحياء حماة القديمة).
كتاب "طوائف الحرف والصناعات في الشام": (المؤرخ عبد الكريم رافق ومحمد سعيد القاسمي) – لتأصيل الهيكل التنظيمي للحرفيين.
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار