كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مسألة الملكية الزراعية في سوريا، بين الحقيقة ونصفها

القيصر حموي

جزء أول
كتب الأستاذ المحامي الكبير نصر الكيلاني مقالاً تناول فيه مسألة الملكية الزراعية في سوريا، وبخاصة في حماة وريفها، وانطلق من قانون الأراضي العثماني لعام 1858، ليصل إلى نتيجة مفادها أن ما يُسمى بالإقطاع الزراعي في سوريا جرى تضخيمه سياسياً، وأن ملكيات واسعة نشأت بطرق قانونية، عبر حق التصرف الذي أتاحه القانون العثماني من بيع ورهن وتوريث وتنازل، ثم انتقلت الملكيات بالتدرج إلى أصحابها.
وضرب الأستاذ الكيلاني أمثلة من حماة وحمص وإدلب وحوران، وأشار إلى قرى ومناطق عديدة أصبحت ملكاً لأهلها، كما أشار إلى أن الفلاح كان يحصل في بعض أنماط الزراعة على نسبة كبيرة من الناتج، بينما يحصل المالك على نسبة محدودة، متسائلاً:
إذا كان الأمر كذلك، فعلى أي أساس جرى الحديث عن «الإقطاع»؟
ثم انتقل الأستاذ الكيلاني إلى أكرم الحوراني، فرأى أن مفهوم الإقطاع استُخدم سياسياً، وأن الحوراني وظّف المسألة الزراعية في صراعه على الزعامة، وأن قوانين الإصلاح الزراعي التي بدأت في عهد الوحدة السورية المصرية أدت لاحقاً إلى تفتيت الملكيات الزراعية، وأضعفت الإنتاج الزراعي، مع بقاء التعويضات المستحقة لأصحاب الأراضي المصادرة معلقة لعقود.
وهنا أقول، بكل الاحترام للأستاذ نصر الكيلاني: إن المقال أثار قضية حقيقية، لكنه لا يزال يقرأ نصف القصة فقط.
المشكلة ليست في أن بعض ما ذكره صحيح؛ بل في أنه يجعل من صحة بعض الوقائع دليلاً على صحة الرواية كلها.
فليس الخلاف التاريخي حول ما إذا كان حق التصرف العثماني قابلاً للبيع أو الإرث أو الرهن. هذا أمر معروف في النظام القانوني العثماني. وإنما السؤال الأهم هو:
كيف انتقلت الأرض، فعلياً واجتماعياً، من يد من كان يزرعها وينتفع بها إلى يد كبار الملاك؟ وكيف تشكلت الملكيات الكبيرة في حماة وريفها؟
وهنا تبدأ القصة التي لا يكفي معها أن نقول: «كان حق التصرف قابلاً للبيع والإرث».
أولاً: قانون الأراضي العثماني لم ينشئ ملكية زراعية خاصة بسيطة كما توحي به الرواية
صدر قانون الأراضي العثماني سنة 1858 في سياق إصلاحات التنظيمات العثمانية، وكان من أهدافه تنظيم الأراضي وزيادة قدرة الدولة على التسجيل والجباية وإحكام السيطرة الإدارية.
وكان النظام العثماني يميز بين أنواع متعددة من الأراضي، ومنها الأراضي الأميرية (ميري)، التي كانت الرقبة فيها للدولة، بينما يملك صاحب التصرف حق الانتفاع والاستغلال وفق شروط قانونية معينة.
وهذه نقطة أساسية جداً.
فحين نقول إن الفلاح كان صاحب «حق التصرف»، فهذا لا يعني بالضرورة أنه كان مالكاً ملكية خاصة مطلقة بالمعنى الحديث نفسه الذي نفهمه اليوم من سند الملكية العقارية.
كما أن قانون 1858 لم يكن مجرد قانون «لتوزيع الأرض على سكان القرى» كما قد يفهم من المقال؛ وإنما كان جزءاً من إعادة بناء علاقة الدولة بالأرض والضرائب والسجل العقاري.
وقد أشارت الدراسات القانونية والتاريخية إلى أن نظام تسجيل الأراضي العثماني بدأ في سوريا في 1859 واستمر حتى نهاية الحكم العثماني، وأن السجلات الشرعية بقيت أيضاً من أدوات إثبات الحقوق العقارية.
إذن لا يصح اختزال المسألة بالقول:
صدر القانون ⬅️ صار الفلاح مالكاً ⬅️ باع الفلاح أرضه ⬅️ نشأت الملكيات الكبيرة.
فهذه سلسلة مبسطة أكثر مما ينبغي.
ثانياً: أين اختفى دور «الملتزم» وجابي الضرائب؟
هنا تحديداً أرى أن مقال الأستاذ الكيلاني يحتاج إلى استكمال.
فالنظام العثماني لم يكن مجرد علاقة مباشرة بين الدولة والفلاح.
كانت هناك طبقة من الأعيان والمتنفذين والملتزمين الذين لعبوا دوراً اقتصادياً وسياسياً كبيراً في الأرياف تم طمس أي دور لهم.
والدراسات الخاصة بسوريا العثمانية تظهر أن نظام الالتزام الضريبي كان مؤسسة حقيقية ومؤثرة، وأن جباة الضرائب لم يكونوا مجرد موظفين صغار، بل استطاع بعضهم أن يتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية وإلى طرف مؤثر في الأسواق والأرض.
وتوضح دراسة المؤرخة نورا بركات عن سوريا العثمانية أن الملتزمين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم يقتصر دورهم على تحصيل الضرائب، بل أصبحوا أطرافاً في الائتمان والأسواق والسيطرة على الأرض، وأن سجلات المحاكم النظامية في حمص تكشف عن هذه العلاقة بين الجباية ورأس المال والأرض.
بل إن الدراسات التاريخية الخاصة بالعهد العثماني في سوريا تذكر أن رؤساء محليين كانوا يعملون في جباية الضرائب، وأن بعض حقوق استثمار القرى كانت تمنح لكبار الموظفين أو المقربين من الولاة، وأن الملتزم كان يلتزم بمبلغ محدد للخزينة ويحتفظ بما يزيد عن ذلك وفق النظام المعمول به.
وهنا يصبح السؤال مختلفاً:
هل كل من أصبح مالكاً كبيراً في أواخر العهد العثماني قد اشترى الأرض من فلاحين أحرار، بالمعنى الاقتصادي الحديث، وبأسعار عادلة وباختيار متكافئ؟
لا يمكن إعطاء إجابة واحدة لجميع القرى والعائلات.
ولكن لا يمكن أيضاً تجاهل البيئة التي أنتجت تلك الملكيات.
ثالثاً: يجب الحذر من تحويل «حق التصرف» إلى شهادة أخلاقية على عدالة نشوء الملكية
هذه نقطة جوهرية.
وجود سند قانوني لا يعني بالضرورة أن كل عملية انتقال ملكية كانت عادلة اجتماعياً.
فالقانون قد يكون صحيحاً، والسند قد يكون صحيحاً، والتسجيل قد يكون صحيحاً، ومع ذلك تكون هناك وراء انتقال الملكية علاقة قوة غير متكافئة بين:
● فلاح قليل التعليم،
● ووجيه محلي،
● وملتزم ضرائب،
● وتاجر يملك رأس المال،
● وسلطة إدارية تمتلك القوة القانونية والعسكرية.
ولهذا فإن الباحث التاريخي لا يكتفي بسؤال:
«باسم من سُجلت الأرض؟»
بل يسأل أيضاً:
«كيف وصلت إلى ذلك الاسم؟ ومن كان يزرعها قبل التسجيل؟ ومن كان يدفع الضريبة؟ ومن كان يملك القدرة على الاقتراض؟ ومن كان يملك النفوذ أمام الإدارة والمحكمة؟»
وهذا هو الفرق بين التاريخ القانوني للملكية والتاريخ الاجتماعي لتكوين الملكية.
رابعاً: لكن في المقابل، هناك مبالغة أيضاً في الرواية المقابلة.
ليس من الدقة أن نقول إن جميع الملكيات الكبيرة في سوريا نشأت بسبب «خديعة التسجيل الصوري» سنة 1858.
فالملكية الزراعية السورية تشكلت من مصادر متعددة:
1. حقوق تصرف قديمة.
2. ملكيات خاصة حقيقية.
3. شراء وبيع للأراضي.
4. إرث وانتقال عائلي.
5. نشاط تجاري ومالي.
6. الالتزام والجباية والنفوذ المحلي.
7. توسع بعض العائلات في امتلاك الأراضي.
8. انتقال أراضٍ نتيجة الديون والائتمان.
9. تغيرات إدارية وقانونية خلال أواخر العهد العثماني.
10. إعادة تنظيم الملكية خلال الانتداب الفرنسي.
لذلك فإن القول إن «الأراضي كلها كانت ملكاً للفلاحين ثم سجلها الأعيان بأسمائهم» لا يقل اختزالاً عن القول المعاكس إن «الأراضي كلها كانت ملكاً مشروعاً للعائلات لأنها اشترتها».
الحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً من الروايتين.
خامساً: الانتداب الفرنسي لم يبدأ من الصفر
وهذه أيضاً نقطة تستحق التوقف.
ستكون بداية للجزء الثاني.
مسألة الملكية الزراعية في سوريا، بين الحقيقة ونصفها
تاريخ نظام النقد الأساسي وإنشاء مصرف سورية المركزي
بيان ومداخلة تفكيكية.. عن مرحلة أكرم الحوراني
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة