بيان ومداخلة تفكيكية.. عن مرحلة أكرم الحوراني
2026.08.01
الحموي قيصر
في شهادة التاريخ ووثائق الأرشيف في مواجهة السرديات المضللة للبحث السابق اقول إلى كل من حاول اختزال الحقائق التاريخية أو دمغ هذا الطرح بالتسييس والحقد الأيديولوجي:
إن هذا التقرير والتحليل التاريخي ليس خطاباً بعثياً ولا اشتراكياً كاذباً أو حاقداً، بل هو قراءة توثيقية مجردة مأخوذة مباشرة من أصل سندات الطابو العثمانية (دفاتر الخاقاني)، والمحفوظة بآلاف الوثائق الرسمية في الأرشيف العثماني والتي تسجل الأنشطة العقارية في سنجق حماة ودمشق وحلب خلال القرن التاسع عشر.
إنها سندات رسمية ممهورة بـ (الطغراء) ختم السلطان العثماني و تُبين كيف كانت الدولة تُعطي حق التصرف في <الأرض الأميرية> (أملاك الدولة والشعب)، وكيف جرى الالتفاف عليها وتحويلها بالتدليس والمكافآت إلى ملكيات خاصة احتكارية على حساب أهالي القرى. وبإمكان أي باحث عبر العودة للمصادر الموثقة وأدوات البحث الذكية و الحديثة التأكد من كل كلمة وردت في هذا التقرير.
لقد فُتِحت هذا الذاكرة، وفات أوان (ذكاء المنزولات الحموية ) وسرديات الصالونات المضللة التي استُخدمت لقرن كامل لتغذية الجهل والتعمية عن الحقائق.
كما لا بد من كشف الروايات المبتدعة والتلفيقات الشائعة التي نسجتها تلك المنزولات والخصوم السياسيين للطعن في حراك الحوراني وربطه بروابط فئوية، ومن أبرزها العبارة الملفقة والمروّجة زوراً على لسان أكرم الحوراني في وسط الجهل بحماة عندما زُعم أنه ربت على أكتاف أبناء القرى والعلويين متسائلاً: (متى أرى النجوم على أكتافكم؟).
إن هذه المقولة الشائعة—التي لا يُوجد لها أي سند توثيقي أو تاريخي—جاءت في إطار حملة الشيطنة التي هدفت لرمي الحراك الفلاحي والتجييش الانتخابي بأجندات طائفية أو عسكرية لتشفيعه وتغطية الظلم العقاري الأساسي الذي وقع على الفلاحين بمختلف أطيافهم.
ومن واقع المشاهدة والشهادة الحية، لا الحكايات المروية:
من يعي تاريخ حماة الحقيقي يدرك تعقيدات المشهد؛ يدرك من الذي قدّم (الاضحيات من الجمال والخواريف) لحافظ الأسد عند زيارته لحماة عام 1972م،
وكيف ضجت ساحة العاصي بصوت الجماهير الحموية العفوية وهي تصرخ: "يا حافظ بدنا الحوراني"—وهي اللحظة الفارقة التي أرعبت البعض في حماة اكثر من أركان السلطة وأربكت الحسابات السائدة وقتها. لقد كنتُ حينها شاباً بعمر السابعة عشرة، أقف وسط أهالي حماة في قلب الساحة، أصرح معهم بعفوية دون أن أكون بعثياً ولا اشتراكياً، ودون حتى أن أستوعب حينها من هو أكرم الحوراني. إنها حقائق التاريخ الميداني التي عشناها ورأيناها بأم أعيننا وليست تنظيراً من خلف الشاشات.
ملاحظة وختام:
أعتذر رسمياً عن الرد على أي استفسارات أو مهاترات تتعلق بالاسم الشخصي أو الصورة؛ إذ أعتبر أن الانتماء لـ"حموي" كافٍ جداً، وأن الفكر والوثيقة هما الهوية والفيصل. أترفع تماماً عن الرد على حملات الرعاع وتجاوزاتهم، وأكتفي بتقديم الأدلة، التواريخ، والشهادات التاريخية بكل أدب، فكر، وموضوعية.
*****
خديعة اجتزاء التاريخ و تحويله لصراع بين الاقطاع مع اكرم الحوراني
توطئة: التحرر من الثنائيات وتفكيك خديعة الاجتزاء التاريخي
تُشكل إشكالية الملكية العقارية والإقطاع في سوريا—وبالأخص في مدينة حماة وريفها—واحدةً من أكثر قضايا التاريخ السوري الحديث تعرضاً للاستقطاب السياسي واختزالية التفكير. لقد وقع الوعي الجمعي السوري لعهود طويلة في فخ "الثنائيات الحادة" (مع أو ضد، الإقطاعي الشرير في مواجهة المخلص الاشتراكي، أو العائلات الأرستقراطية مظلومة الجانب في مواجهة الغوغائية الفلاحية). إن الهدف الأساسي من طرح هذه المحطات من التاريخ السوري هو الابتعاد التام عن هذه الأحكام الحدية، والوقوف في المنتصف الموضوعي الذي يمنح الرواية التاريخية مصداقيتها عبر قراءة الوثائق والوقائع دون تنزيه لجهة أو شيطنة لأخرى.
إن أولى خطوات الحياد المنهجي تتطلب كشف الخديعة التاريخية المتبادلة التي اعتمدت على "الاجتزاء"؛ حيث جرى تسليط الضوء حصراً على عام 1958م (قانون الإصلاح الزراعي) وما تلاه، وتسويقه إما كـ "عدوان اشتراكي استولى على أملاك الناس" أو كـ "معجزة إلهية طهرت البلاد". وتتغافل هذه السردية عن قضم 100 عام كاملة من القصة الحقيقية (1858م – 1958م). إن القصة لم تبدأ عام 1958م، بل بدأت عام 1858م مع "قانون الطابو العثماني"، حيث لم تكن الأراضي الزراعية ملكيات تاريخية حرة بالكامل، بل كانت أراضٍ أميرية (ملكية عامة) جرى الاستحواذ على أجزاء واسعة منها بالخداع، والتزييف، واستغلال جهل الفلاحين وتخوفهم من التجنيد والضرائب، وتكليف الأعيان بجباية الأموال، وصولاً إلى المكافآت التي منحها السلاطين العثمانيون ومن بعدهم سلطات الانتداب الفرنسي للوجهاء الموالين. وفي المقابل، فإن حركة التصحيح التي قادها السياسيون لاحقاً لم تكن منزهة عن الغايات السلطوية والاستغلال الطبقي، وهو ما يستدعي تفكيك الطرفين بصرامة علمية.
1. المحطة الأولى (1858م): "قانون الأراضي العثماني" والهندسة الأولى للسلب
بدأت جذور القضية عندما أصدرت السلطنة العثمانية قانون الأراضي لعام 1858م في إطار "التنظيمات العثمانية". كان الهدف الصريح للحكومة هو الانتقال من النظام القديم (الإقطاع العسكري وخصخصة الجباية المالية) إلى تسجيل الأراضي في دفاتر رسمية (دفاتر الخاقاني / الطابو) لجباية الضرائب مباشرة وحصر عدد السكان.
وهنا ظهرت الخديعة الأولى؛ إذ كانت الأراضي الزراعية في ريف حماة تشكل جزءاً من "الأراضي الأميرية" (التابعة لرقبة الدولة، وللفلاح حق الانتفاع بها واستغلالها أباً عن جد). وبسبب جهل الفلاحين وتخوفهم الأمني العميق، ارتبط تسجيل الأراضي في دفاتر الطابو في أذهانهم بأمرين مرعبين:
1- التجنيد العسكري الإجباري (خدمة الرديف) 2- رفع القيمة الضريبية.
استغل المتنفذون في مدينة حماة ممن كان لديهم نفوذ في "مجلس إدارة المتصرفية" ودائرة الطابو هذا الخوف، فأقنعوا رؤساء العشائر والفلاحين بالقول: "سجلوا الأراضي بأسماء أبنائنا أو أسمائنا صوريّاً لنحميكم من التجنيد والضرائب". وبعد فترة وجيزة، اكتشف الفلاحون أن التسجيل الصوري أخذ صفة القانون، وأن أراضيهم الآبائية الممتدة في سهل حماة جرى تسجيلها رسمياً بأسماء أفراد وعائلات من أعيان المدينة بصفة ملكية تامة، ليتحول المالك الأصلي إلى مجرد "مزارع بالمرابعة" يزرع أرضه السابقة لقاء نسبة ضئيلة من المحصول.
2. المحطة الثانية (1878م - 1918م): المكافآت العثمانية ونظام الاستعباد المالي
خلال العقود الأخيرة من الحكم العثماني، تعمق هذا النفوذ الاستحواذي ليتحول إلى أداة ومكافأة سياسية وأمنية منحها السلاطين العثمانيون للوجهاء الموالين. جرى اقتطاع مساحات شاسعة من "الأراضي المحلولة" (الأراضي التي مات أصحابها أو هجروها) وأراضي الدولة في ريف حماة والبادية، وتمليكها للملتزمين والأعيان كمكافآت لقاء خدماتهم للسلطنة؛ مثل جباية ضرائب العشائر المتمردة، أو حماية قافلة الحج الشامي، أو استتباب الأمن المحلي.
كما لعب نظام "التزام الضرائب" دوراً كارثياً؛ حيث كان العثمانيون يبيعون حظوة جباية الضرائب في المزاد العلني للأعيان. وكان المُلتزم يستخدم فرقاً مسلحة تابعة له للضغط على القرى. وعندما تعجز القرى عن دفع الضرائب المتراكمة أو تشهد سنة قحط، يقدم الملتزم الإقطاعي قروضاً بفوائد فاحشة للقرية، وعند العجز عن السداد، يستولي على القرية بأكملها بسندات ديْن رسمية. وبحلول العقد الأول من القرن العشرين، أصبحت القرى في ريف حماة تُباع وتُشترى بين البيوتات النافذة بسكانها وبساتينها، وتكرست حالة من "القنانة والارتهان المالي"، حيث وُضع الفلاح تحت ديون مركبة لا تنتهي، مما حرمه قانوناً وواقعاً من مغادرة القرية.
3. المحطة الثالثة (1920م - 1946م): الانتداب الفرنسي وتثبيت الملكيات غير المشروعة
حين فرضت فرنسا انتدابها على سوريا عام 1920م، لم تتدخل لإلغاء هذا الخلل الاجتماعي أو إعادة الأراضي لأصحابها، بل وجدت في الطبقة الإقطاعية ركيزةً مثالية لإدارة البلاد عبر سياسة "تحالف الأعيان" (Politique des Notables). أصدرت سلطات الانتداب الفرنسي القرار رقم 188 لعام 1926م لإنشاء السجل العقاري الحديث وأخذت السلطات الفرنسية السجلات العثمانية المليئة بالاحتيال واعتمدتها كمرجعية، وأصدرت صكوك ملكية نهائية غير قابلة للطعن لكبار الملاك، محولة الملكيات المغتصبة واقعياً إلى حقوق تحميها القوانين .
في المقابل، منحت سلطات الانتداب ألقاباً ومقاعد برلمانية ومناصب لأعيان حماة المالكين للقرى، مقابل ضمان هدوء الريف، ومنع الفلاحين من الانضمام إلى الثورات الوطنية ضد الفرنسيين. وعندما اندلعت أولى تحركات الفلاحين في قرى حماة للمطالبة بحقوقهم من المحاصيل، استعانت العائلات المتربحة بقوات الدرك التابعة للانتداب لفرض السيطرة بقوة السلاح وإعادة الفلاحين إلى طاعتهم.
ولكن للإنصاف التاريخي والابتعاد عن التعميم، شهدت بعض الانتفاضات الوطنية ضد الانتداب انحيازاً لافتاً لبعض أعيان تلك العائلات لصالح القضية الوطنية؛ حيث وقفت شخصيات بارزة منهم— نجيب البرازي في حماة—في صف دعم الثورة والعمل السياسي، التي عارضت الانتداب الفرنسي وشاركت في الحركة الوطنية السورية.
4. المحطة الرابعة (1946م - 1957م): الاستقلال، الحراك الوطني، وبراغماتية أكرم الحوراني
بعد جلاء المستعمر الفرنسي عام 1946م، اتضحت صورة المشهد الاجتماعي في سوريا: دولة ذات سيادة، لكن أكثر من 55% إلى 60% من أراضيها الزراعية الأكثر خصوبة في حماة وحمص مملوكة لعدد محدود جداً من العائلات التي حصلت عليها عبر التراكم العثماني والفرنسي. وفي هذه اللحظة الحرج، برز اسم المحامي الحموي أكرم الحوراني وتياره (الحزب العربي الاشتراكي).
وهنا يجب الوقوف بتمحيص موضوعي أمام شخصية أكرم الحوراني لكسر هالة التنزيه المطلق؛ فالحوراني كان يجسد بامتياز شخصية الزعيم السياسي السوري في تلك الحقبة: شخصية تسلطية، استبدادية، وشديدة البرغماتية، تشبه النزعة الزعامات الشائعة لدى النخب السورية التي تسعى للهيمنة المطلقة وفرض النفوذ. امتلك الحوراني ذكاءً و جرأة سياسياً حادة.
لقد أدرك الحوراني بنباهة عالية الخارطة الديمغرافية والانتخابية لسوريا؛ فالزعماء التقليديون والأحزاب البورجوازية (مثل الكتلة الوطنية وحزب الشعب) اعتمدوا كلياً على الطبقات الوسطى، البورجوازية، والتجار داخل مراكز المدن، وهي كتلة محدودة العدد. في المقابل، فطن الحوراني إلى أن الكتلة البشرية الكبرى والمهشمة تتمثل في الفلاحين بسوادهم الأعظم في الأرياف.
من هنا، يتهمه اعداءه بان حراكه ام يكن محض إيثار أخلاقي مجرد، بل كان استثماراً سياسياً وانتخابياً ذكياً وعنيفاً؛ حيث جند مظالم الفلاحين وتحول إلى (الأب الروحي والحامي) لهم في مواجهة أعيان المدينة. استغل الحوراني قدراته الخطابية المحرضة ليخوض معارك قضائية وإعلامية أربكت العائلات الإقطاعية، ونظم (مؤتمر حماة التاريخي عام 1951م) الذي حشد فيه نحو 20,000 فلاح.
هذا التجييش الديمغرافي الهائل للكتلة الريفية المحرومة هو ما يفسر عملياً اكتساحه و صعوده الصاروخي في صندوق الاقتراع، حيث ضمن أصوات أرياف حماة بالكامل، ليتحول إلى الرقم الصعب في البرلمان والحكومات السورية المتعاقبة.
أما من الناحية السلبية، فقد شابت تجربة الحوراني مآخذ سياسية وتاريخية عميقة:
- النزعة الاستبدادية وعدم قبول المشاركة؛ حيث عُرف عن الحوراني صعوبة العمل معه داخل الأحزاب، وهو ما ظهر جلياً في صراعاته اللاحقة مع قيادات حزب البعث بعد الاندماج عام 1952م، وتسببه في انتكاسات تنظيمية متتالية.
- التحالفات السياسية مع العسكر؛ إذ كان الحوراني من أبرز السياسيين السوريين الذين شرعنوا تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية عبر تحالفاته المتكررة مع مهندسي الانقلاب العسكري، وهو السلوك الذي ساهم في تجريف الديمقراطية الوليدة في سوريا وتأسيس حكم العسكر .
5. المحطة الخامسة (1958م وما بعدها): التزوير التاريخي المتبادل وصياغة الخديعة
عندما صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 عام 1958م خلال فترة الوحدة مع مصر (بدفع حثيث من الحوراني الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية)، جرى تحديد سقوف الملكيات واقتطاع الفائض وتوزيعه على الفلاحين.
وهنا جرت عملية "الاجتزاء التاريخي التكتيكي" من الطرفين المتصارعين:
- من جهة أعيان المدن، تم حذف كل السجل الممتد من 1858م إلى 1958م من الأدبيات والحكايات الاجتماعية المتداولة في الصالونات. وصُوّر الأمر وكأن عائلات أفاقت في صباح أحد أيام عام 1958م لـ(تُسلب أملاكها الشريفة التي جمعتها بعرق الجبين ) وتم تصوير قوانين الدولة والحراك الشعبي وكأنه مجرد اعتداء وغارة اشتراكية.
- ومن جهة التيار الاشتراكي و الحوراني، تم تجميل القرار وإغفال الأخطاء الإدارية والإنتاجية الكارثية التي رافقت تفتيت الملكيات وتراجع الإنتاج الزراعي في السنوات الأولى، فضلاً عن استغلال هذه القوانين لمعاقبة الخصوم السياسيين وتجريدهم من نفوذهم لصالح نفوذ السلطة الجديدة.
لاحقاً، استغل النظام السوري (بعد عام 1970م) هذه الثنائية المفتعلة (إقطاع سابق مظلوم ضد اشتراكية مصادرة)؛ حيث غذّى هذا الشقاق واعتمد على تحالفات خفية مع بورجوازية وأعيان المدن، وتعمّد طمس التوثيق التاريخي الحقيقي لسجلات الطابو العثماني والفرنسي لكي لا يُفتح ملف الأراضي الأميرية المنهوبة ولا تُستعاد الذاكرة القانونية والوثائقية الكاملة للبلاد.
6. التفكيك التوثيقي: المقارنة بين الحقائق التاريخية والسردية المزيفة
لبيان التزييف والاجتزاء الذي حاول اختزال الصراع التاريخي في لقطة أيديولوجية واحدة، يُظهر التحليل المقارن كيف أُعيد تشكيل الوعي التاريخي عبر العقود:
فخلال العصر العثماني الممتد من 1858م إلى 1918م، كانت القصة الحقيقية والمدعمة بالوثائق قائمة على استغلال قانون الطابو لعام 1858م وخوف الفلاحين الأُميّين من التجنيد والضرائب، مما أتاح نقل أراضي الدولة العامة (الأميرية) إلى ملكيات خاصة للأعيان بناءً على مكافآت السلاطين ونظام الالتزام المالي والتسجيل الصوري. في المقابل، روّجت السردية المزيفة لادعاء مفاده أن هذه الأراضي هي "أملاك شرعية وُرثت كابراً عن كابر ورُزق بها الأعيان بمالهم الحر".
ومع مجيء الانتداب الفرنسي بين عامي 1920م و1946م، تمثلت الحقيقة في تثبيت تلك الملكيات غير المشروعة عبر السجل العقاري الفرنسي وتحويل السيطرة الواقعية إلى صكوك قطعية لقاء صفقات سياسية وضمان هدوء الأرياف ضد الثوار. بينما أدّعت السردية المزيفة أن هذه السندات الفرنسية تشكل (حقوقاً عقارية قانونية ومثبتة رسمياً وأخلاقياً في سجلات الدولة الحديثة).
وفي عهد الاستقلال بين 1946م و1957م، انطلق الحراك الوطني والشعبي في حماة لاستعادة الأراضي السليبة وإلغاء نظام المرابعة، وهو الحراك الذي وظفه أكرم الحوراني ببراغماتية عالية لتأسيس قاعدته الانتخابية الصلبة، بينما صورته السردية المزيفة على أنه مجرد ( تحريض فلاحي وتخريب أيديولوجي).
وأخيراً، عند محطة عام 1958م وما تلاها من قوانين الإصلاح الزراعي، تمثلت القصة الحقيقية في صدور التشريعات الوطنية لإعادة جزء من الأراضي الأميرية المنهوبة لأصحابها الأصليين عبر تحديد سقوف الملكيات وتوزيعها على المزارعين، مقترنةً بأخطاء إدارية وتوظيف سياسي سلطوي. غير أن السردية المزيفة عمدت إلى قضم القرن المنسي كاملاً (1858م- 1958م) واختزال التاريخ في هذه اللحظة، مروجة لـ (مظلومية تعرض العائلات لاعتداء اشتراكي وتجريد ظالم للناس من أملاكهم المشروعة)، لتغطي بذلك على قرن كامل من السلب والتراكم غير المشروع.
7.قراءة ختامية: ما بين صكوك الماضي والواقع المعاصر.
إن تفتيت مظلومية الإقطاع واكتشاف ثغرة الـ 100 عام المنسية، مع قراءة الشغف السلطوي لدى قادة الحراك الشعبي كأكرم الحوراني، ليس مجرد نبش في كتب التاريخ؛ بل هو أداة كشف وإدراك للواقع الاجتماعي والسياسي السوري المعاصر.
إن الأرض التي يُطالب بها البعض أو يتحسرون على "فقدانها" بعد عام 1958م لم تكن يوماً ملكاً تاريخياً عادلاً، بل كانت نتيجة عملية استيلاء قانوني وإداري رعتها سلطات أجنبية (عثمانية ثم فرنسية) لضمان الولاء السياسي. وفي الوقت ذاته، فإن التجارب السياسية التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية لم تخلُ من النوازع المستبدة والاستغلال الديمغرافي والانزلاق نحو تكريس حكم الفرد وإقصاء الآخرين.
إن الفهم الحقيقي والواعي ينفي تماماً الفكرة القائلة بأن الصراع كان مجرد (حقد اشتراكي ضد ثراء مشروع)، أو (ملائكية فلاحية ضد شيطانية أرستقراطية) ويضع الأمور في نصابها الصحيح: صراع معقد يتداخل فيه سلب الحقوق العقارية عبر قرن كامل، مع طموحات سياسيين استبداديين استخدموا الجماهير الحاشدة للوصول إلى دكة الحكم. ولا يمكن لبناء دولة المؤسسات والعدالة في سوريا أن يستقيم دون قراءة موضوعية شاملة تبدأ من سندات الطابو لعام 1858م وتنتهي بتحليل سلوك كافة الفاعلين السياسيين دون استثناء.