الاقطاعية العثمانية في بلاد الشام
2022.09.19
د. عبد الله حنا- فينكس
كانت الدولة العثمانية، دولة عسكرية على قاعدة اقطاعية، استطاعت ان تتوسع عسكريا بسبب ضعف جيرانها ولا سيما الدولة البيزنطية، وبفضل جيوشها القوية السريعة الحركة آنذاك. كما ان البناء المتكامل للدولة ولنظام الحياة وتشويق المحاربين بالغنائم والغزو ساعد الدولة العثمانية بضم البلدان الأخرى، فوصلت الاقطاعية العسكرية العثمانية إلى الأوج في عهد السلطان سليمان القانوني (1520-1566) وتمكّنت من الاستمرار أربعة قرون، رغم تدهورها. بسبب عوامل داخلية وخارجية لا مجال لبحثها هنا.
استند الحكم العثماني على الاقطاعية الحربية
فقد اعتُبرت البلاد المفتوحة ملكا للسطان، الذي منحها بصورة مؤقتة، أي غير وراثية، للمحاربين والقواد والأمراء. ولا يعني منح مقاطعة إلى شخص ما، تمليكه القرى والأراضي التي تتألف منها المقاطعة، بل كان يعني تفويضه حق جباية الضرائب وارسال قسم منها إلى العاصمة والاحتفاظ بالباقي له ولحاشيته وعسكره.
وقد قسمت المقاطعات حسب اتساعها ووارداتها إلى ثلاثة أقسام كونت الاقطاعات الحربية السائدة وهي:
1 – الاقطاع الخاص: وهو في الغالب اقطاع الولاة، كما منح أيضًا لافراد الأسرة الحاكمة والمقربين منهم. والاقطاع الخاص لا يتصل بشخص الحاكم بل منصبه، وكان للسلطان أيضًا اقطاعاته الخاصة المنظمة، التي أطلق عليها "خاص همايون" أو "خاص سلطني".
2 – زعامت: وهو ما لا تقل غلته (حاصل) عن 20 ألف اقجة (وحدة النقد العثمانية الفضية) وعلى صاحبه أن يسير إلى الحرب بنفسه ويتقدم عددا من الجند يتناسب مع انتاج اقطاع الزعامة، أي أن الزعامة مُنحت غالبا لضباط السباهية (الفرسان) وكبار الموظفين مثل الدفتردار في الإيالة ورئيس الالاي في اللواء وقواد القلاع ومن كان في منزلتهم.
3 – تيمار: وهو ما لا تزيد غلته على 19,999 اقجة. وقد يتوسع في مدلول تيمار فيطلق على النوعين الاخيرين وأحيانا على الأنواع الثلاثة.
وقد أُعطيت التيمارات للجند السباهية (الفرسان) ليعيشوا منها ويجندوا آخرين من ايرادها ولا يخفى أن صاحب "الزعامت أو التيمار" كان يعطي هذه الأراضي بدوره إلى الفلاحين مقابل قسم معين من المحصول تختلف كميته من منطقة إلى أخرى. ومعنى ذلك أن التيمار وثيق الصلة بالتزامات الخدمة العسكرية. والفلاحون هم الذين حرثوا أراضي التيمارات والزعامات والخاصات لحساب الاسياد العسكريين الكبار والصغار وغيرهم من كبار الموظفين.
كان معظم الأراضي في شمال سورية أراضي تيمار وزعامت (أطلق عليها أيضًا اسم ديموز) دفع فلاحوها الضريبة مرتين أو ثلاث مرات في السنة. المرة الأولى بعد الحصاد والثانية بعد قطاف شجر الزيتون، وأخيرًا بعد بيع العسل والحرير في الأماكن المتوفرة فيهما. وقد بلغ اقطاع ايالة حلب سنويا ثمانمئة وسبعة عشر ألف أقجة. وكان في الايالة مائة وأربع زعامات وسبعمائة وتسعون اقطاعيا وحاميتها تبلغ 2500 فارس.
وكانت الأراضي المزروعة حبوبًا تدفع عن كل حوش ما يساوي أربعين اقجة باسم "رسم جفت" وأراضي أشجار الزتون دفعت في دمشق عن كل شجرة زيتون أقجة واحدة، وفي حماه نصف أقجة. وفي كل من القدس وصفد ونابلس وحمص قثسمت واردات شجر الزيتون مناصفة بين صاحب الاقطاع (تيمار أو زعامت) والفلاح. أما في طرابلس الشام فكان وارد شجر الزيتون يعود بمجموعه لصاحب الاقطاع. وكان على الفلاح أن يدفع اقجة عن كل أربع شجرات توت. كما فرضت الضرائب على أشجار التين والجوز والعنب واختلف قيمتها باختلاف سطوة وظلم صاحب الاقطاع (زعامت أو تيمار).
ففي لواء اللجون منطقة حيفا التابعة في أوائل العهد العثماني لصفد نص القانون على ما يلي:
اذا كان الزيتون رومانيا، فنصف حاصله يعطى للسباهية، أما اذا كان الزيتون اسلاميا* فقد كانت الدولة تجبي اقجة عثمانية عن كل شجرتين. وكانت الدولة تأخذ عن كل شجرة كرمة خمس اقجات عثمانية.
والجدير بالملاحظة أن الضريبة على الأشجار يشار إليها في الدفاتر المالية بالمصطلح الاسلامي المعروف "خراج" أما الضريبة المحصلة عن الماعز فيشار إليها باسم "رسم" والقاعدة التي اتبعت في جبايتها أن تؤخذ اقجة واحدة عن كل رأسين من الماعز. والطريف أن العثمانيين كانوا يجنون رسومًا على المناحل بمعدل اقجة واحدة عن كل منحلة.
والملاحظ بدراسة دفاتر الطابو المتعلقة ببلاد الشام أن تربية النحل كانت منتشرة في هذه البلاد. وكانت الحاصلات المنقولة من الحقول إلى المدن تدفع ضريبة خاصة.
وداخل خانات الشام هناك ضريبة "رسم القبان" وهي عبارة عن خمس بارات (أي أقجة وربع) عن كل حمل من الرز وبارتين عن حمل الخروب وسبع بارات عن حمل الخيار وخمس بارات عن حمل الزيت وسبع بارات عن كل حمل خضرة وبارتين عن حمل المشمش ونصف بارة عن كيل اللبن.. وهكذا.
والطريف – حسب ما روى الحسني – ان ضريبة باسم "العزبة" استوفيت في حماة عن كل شاب غير متزوج بلغت قيمتها ست بارات. وعند الزواج تدفع الفتاة البكر – 60 – بارة والأرملة إذا تزوجت تدفع – 30 – بارة (الاقجة = أربع بارات).
وكانت القاعدة في دمشق الشام أنه عند عقد نكاح بنت بكر أن نأخذ الدولة مائة وخمسة وعشرين درهما، عشرون منها تعطى للقاضي الحنفي، ودرهم واحد للمأذون الذي أجرى العقد، وأربعة للشهود، أما المائة الباقية فكانت إما أن تحوّل للخاص السلطاني، أو لخاص أمير اللواء، أو لاحد أصحاب التيمارات حسبما يحدد ذلك دفتر الطابو. أما في حالة الأرملة أو المطلقة فكان الرسم دون ذلك ويبلغ خمسة وسبعين درهما، خمسة وعشرون منها توزع بالطريقة نفسها، والباقي يحول اما للخاص أو لصاحب الزعامة أو للمستفيد من التيمار.
الحلقة القادمة سنخصصها: لدراسة وثائقية لاحدى مناطق بلاد الشام في عهد الاقطاعية الحربية