رحيل مؤسس كلية الإعلام.. الاستاذ الدكتور عطا الله الرمحين في ذمة الله
2026.09.23
السويداء- معين حمد العماطوري
منذ عقدين ونيف التقيته، على مائدته في قريته القريا معقل القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، وكان كلامه كلام المعلم المرشد والموجه الناصح، زرع الثقة في نفسي بمشروعي الاعلامي، واكسبني ثقافة ورؤية هامة في تطوير مفاهيم الإعلام الرقمي... وأكد المتابعة بتوجيهات الاستاذ العارف والعالم المتواضع الصادق لانتماءه...هو ذاك الصوت الجهوري الذي يلهب المشاعر بالثورة المطلقة... هو ذاك الصوت النافح ازاهير العلم والمعرفة والثقافة والفكر التنويري...
تعاملت معه في مجلة الشمعة الصادرة عن دار الطائفة بالسويداء وقدم بها مجموعة من الدراسات الفكرية الهامة.. وكذلك في مجلس أمناء جامعة باشن بدمشق قبل نكبة السويداء.. حيث وضع أسس ومنهج كلية الاعلام... وهو الذي أسس قبل ذلك كلية الإعلام في جامعة دمشق وعمل أستاذا بها، وأستاذ في العديد من الجامعات العربية والدولية..
كثيرا ما شرح لي الراحل الكبير الأستاذ الدكتور عطا الله الرمحين قائلا: الرتابة تبعد السوريين عن تلفزيونهم، فهو مشغول بمواكبة تطورات الإعلام والقفزات التقنية التي يتسم بها عصرنا، ويطمح دائماً إلى إعلام يلامس قضايا المجتمع والإنسان.
كان الراحل يحمل على الاعلام السوري فيرى أن التلفزيون رتيب والصحافة تقوم على أنصاف الصحافيين مطالباً الاستفادة من المنجزات العلمية والتقنية.
طرح بتحد كبير سؤاله المنشود، هل تؤهل الدراسة الأكاديمية خريج كلية الإعلام ليكون صحافيا متميزا؟
وكانت إجابته: الدراسة الأكاديمية ضرورية لتوسيع مدارك الصحافي وجعله يتقن آلية معينة في العمل على أرضية فكرية محددة، وفي النهاية نجد أن هناك تنوعاً في الأساتذة، وأساليب التعليم، وهناك تنوعاً في المدارس الإعلامية الموجودة في الوقت الراهن في البلدان المتطورة، الأكاديمية تنقل الطالب من مرحلة اللاتوجه إلى مرحلة التوجه في إطارات العمل، لان الإعلام رسالة يجب أن تتضمن الاتجاهات الجارية في هذا الوطن وعلى مستوى الكون، من خلالها يدرك الإعلامي أين موقعه وعن ماذا يدافع ولماذا، ويعزز اتجاهاته في تحليلات وبراهين ليشاهدها ويستمع إليها يحاور بها الأساتذة ليصل إلى نقطة اليقين. الأكاديمية تعلم الحوار والتحليل ويتعلم الصحافي استخدام التقنيات الحديثة ولا سيما في الوقت الراهن حيث تشير هذه التقنيات أيضاً إلى مواقع المعرفة والمعلومة التي يجب أن تغذي عقلية وعمل الصحافي في موضوعاته الجادة.
والمرحلة التي يعيشها مجتمعنا، والتي تتسم باتساع عملية تقسيم العمل تتطلب من الإعلامي أن يكون متخصصا وعميقا في جانب من الجوانب ويجب في الوقت نفسه أن يكون لديه اطلاع على كل ما في الحياة، فالتخصص من أهم القضايا التي يجب أن يعتمدها كل علم.
الصحافة بشكل عام هي لسان حال المجتمع، وبالتالي يجب أن تعكس حاجاته وأراءه، وأن تشير إلى نقاط القوة والضعف فيه، وأن تلاحق قضايا تمس المواطن والمجتمع، وعندما نسقط هذه القواعد على صحافتنا نلاحظ أن هناك خللاً كبيراً في أدائها، وهذا يدل على أن المهنية في صحافتنا متواضعة، ووسائل إعلامنا تعج الآن بخليط متباين بمستواه الفكري والمعرفي.
والتجربة الإعلامية السورية التي تراكمت، بينت أن التخصص من ضرورات العمل، ولا سيما الإعلامي. ومن هنا يتوجب على أصحاب الشأن أن يعيدوا النظر في إمكانات الكادر القائم على العمل الإعلامي، حيث يجب الاعتماد على الصحافي المنتمي والعميق في علمه ومعرفته، وليس على أنصاف الصحافيين.
التقنيات الحديثة لم تعد تستخدم فقط في الصناعة أو الزراعة، أو لأغراض فردية، بل إنها أصبحت الآن تولد أفكاراً، وهذه الأفكار في حالة السيرورة، أي الاستمرارية والتطور والارتقاء، واعتقد أنها تقدم للإنسان خدمات هائلة سبقت أي إيديولوجية في تقديمها خدمات للإنسان. إن هذه التقنيات بدأت تفرز لقطات إيديولوجية، وهذه اللقطات تتضمن بعداً إيديولوجيا، وبالتالي فإنها تعبر عن إيديولوجية العلم التي يجب أن نتبناها، وأن نعمل لنشرها وتطويرها وإنقاذ عالمنا العربي من الجمود، وذهنيات ذات أحكام مسبقة
أخيراً:
برحيلك يا أستاذ الإعلام والصديق الصدوق والمعلم النادر تواضعا وعلما...فقدت الساحة الثقافية والفكرية العلمية والإعلامية واحداً من أهم أركانها على مدار عقود خلت... وعهداً علينا نحن الذين تعلمنا منك الكثير أن نعمل ونستمر بتوجيهاتك نهجاً ومسيرةً ما دمت حياً...
أعزي جبلنا الأغر بك، وأعزي جامعة دمشق والجامعات التي درست بها، وتعازي الحرة لأهلك وأسرتك ومحبيك وطلابك وزملاءك ولسوريا عامة، والقريا خاصة، بابنها الذي تربى فوق ترابها الأكاديمي الأستاذ الدكتور عطا الله عسكر الرمحين أبا صفوان... الرحمة لروحك والسلام والطمأنينة لك في سماء القديسين.