من لا يعرف التاريخ لا يحسن قراءة الحاضر واستشراف المستقبل
2026.02.14
د. محمد الأحمد
(إنها مرحلة قيادة البلد بالتافهين) هكذا كانت حقبة بشار الأسد. فمع استثناءات قليلة كان بشار يخاف للغاية من اختيار رجال دولة حقيقيين. كان يعرف أن الشعب يقارن.
هي مرحلة لونا الشبل وشادي حلوة وإيما الأخرس وهلال هلال وكان كل رؤساء الوزارة في عهده تافهون ما عدا اثنين، واحد ملأنا الدنيا ضجيجا لكي يسمه رئيسا للوزراء، و يعطيه صلاحيات حقيقية وهو رياض حجاب، فرضخ وعينه ثم أظهر عورة الحاكم الغبي أمامه فانشق الرجل. والثاني الذي لم يكن تافها هو مصطفى ميرو، إلّا أن ذمته كانت واسعة، و أهل حلب يعرفونه باسم (ابو كيس). لذلك يستحق كل الصفات التي توجب محاكمته، لكنه لم يكن تافها.
حتى داخل الجيش و هو المؤسسة التي ليس فيها نقاش، وتعتمد الأوامر الصارمة، اختار من يعرف أنهم غير قادرين على منافسته ولو في أذهان الناس، وقتل كل من كان قمينا بذلك، أي مرشحا لينافسه.
كان حريصا جدا على عدم وجود رجل ثان وثالث ورابع في سورية، لذلك كان مخطط اسقاطه بهذه الطريقة الكرتونية.
من المهم هنا أنا ندرك بأن نظرية إلغاء الرجل الثاني (ميكافيللية) قديمة، وأن السنين العشر الأولى من حكم أبيه حافظ الأسد، لم تحكم بهذه الميكافيللية، حتى بدأ رفعت يقول لأخيه أن الأمر خطير، وأن رجالا مثل مصطفى طلاس وحكمت الشهابي ومحمود الأيوبي وعبد الرحمن خليفاوي وعلي دوبا وعبد الحليم خدام، خطرون عليه.. فاكتشف عند أول امتحان أن أخاه هو من يريد الانقلاب عليه .
لكن هذا يدل على أن الثلث الأول من حكم الأسد الأب كان فيه رتبة الرجل الثاني والثالث... الخ.
في الثلثين التاليين أي في الثمانينات والتسعينات، بدأ حافظ بوسائل قذرة بالقضاء على هذه الظاهرة. فألغى أولا مبدأ الانتخابات في المؤتمر القطري لحزب البعث، وجاء بمبدأ تعيين القيادة، في نهاية أعمال المؤتمر السابع عام 1980م. حينها مع بعض الاستثناءات عين عددا من أمناء سر المكاتب، أعضاء في القيادة، لأن بعضهم كان ينقل له ما يدور في مكتب عضو القيادة القطرية، إما شفاهة أو كتقارير مكتوبة، ولقد صرح بذلك أحد هؤلاء بسذاجة أمام الجميع فنهره حافظ وقال له: "ما فيك تسكت انت".
بعد تعيين القيادات بدأ بإفسادها وفتح لها كنز الدولة والمجتمع بشكل مدروس ومراقب، حيث أطلقت مخابراته عبارة من لا يستفيد غبي، ثم من لا يسرق حمار، وأخيرا من لا يسرق سوف يتآمر.. وهذه الجملة الأخيرة كان فيها بعض الحقيقة. يعني في زمن السراق، من يرفض يقف موقفا معارضا.
بعد إفساد القيادات وتدوين كل وقائع فسادها وفساد أقربائها والأبناء، صار لكل شخص ملف فساد مالي، أو فساد أخلاقي.. والشخص المهم النظيف، كان يعمل على صنع مكيدة ما له، أو توريطه، فإذا نجح في الإفلات منها، كان يرسل إلى بيته أو يتم تأليف قصص عليه، مثلما جرى مع المرحوم علي طرابلسي.
في هذا الموضوع قيل الكثير، لكن لم يقال حتى الآن كيف كانت تدير مخابرات علي دوبا كل العملية، ومع ذلك استطاعوا إقصاءه! هل بسبب أحد أبنائه؟!
ربما يستغرب البعض هذا السؤال وأنا اسوقه لأن الميكافيللية تقول أن خازن الملفات هو أخطر شخص على المستبد، إلّا إذا استطاع أن يصنع خزنة آخرين سريين.
أخيرا: هل هناك ملامح نراها الآن في دولة الشرع تشبه ما بدأه حافظ الأسد؟ لماذا يترك الحبل على الغارب لهذا وذاك؟
كل التحية لذاك الشيخ في حماه الذي قال: إذا جاي تتشرف بالمنصب وتعمل علاقات روح على بيتك.. المنصب تكليف لا تشريف.