عندما تكون الإبادة هندسة
2026.01.07
ريتا خير بك
وأنا أحدّق في وجه هذه الطفلة العلوية صورة جاءت من القرن الماضي لا أفكّر بأنها هي. أفكّر في الشَّبه الذي يوقظ الذاكرة: شكل العينين، براءة الوقفة، ذلك الصمت الذي تتركه الصور القديمة على الجدران. تشبه عمي الصغير دريد… الطفل الذي ابتلعه النهر وهو في السادسة. ما زالت صورته معلّقة في غرفة الضيوف في بيت جدي؛ طقمٌ صغير مرتب بعناية، وكأن العائلة حين علّقته كانت تحاول أن تُقنع الزمن أن الموت يمكن أن يتوقف عند إطار.
ثم أفكّر بالإبادة.
الإبادة التي مرت عليهم وعلينا، والإبادة التي تعود اليوم بوجهٍ أكثر برودة: لا تأتي دائمًا كذروة واحدة، ولا كملحمة دمٍ سريعة تُلتقط لها صورة وتُختصر في عنوان. الإبادة الحديثة تُتقن “الزمن”. تُتقن أن تجعل الفناء عملية إدارية ونفسية واجتماعية، لا حادثة واحدة.
الإبادة ليست فقط مجزرة. الإبادة هندسة.
هي قتل يومي بطيء: فصل من العمل، إقصاءٌ من المدرسة، قطعٌ للرزق، اصطياد في الأرض والجبل، إذلالٌ في الحاجز، خطفٌ يترك العائلة معلّقة في فراغٍ بلا خبر، قتل الآباء أمام أطفالهم كي تُصنع في الطفل ذاكرة تُربّى على العجز قبل أن تكبر على الفهم. هي ضغطٌ يُدار بذكاء ليُفقد الجماعة إحساسها بأن الحياة حقٌّ طبيعي، ويحوّل الوجود إلى “سماح” مؤقت.
ولأنها هندسة، فهي تعمل رويدًا رويدًا… كمن لا يقتلك دفعة واحدة، بل يجرب جسدك على مراحل، كأنه يكتب النهاية ببطء كي لا يصرخ العالم.
يقصّ لك شعرك أولًا: ليس الشعر هنا شعرًا فقط، بل علامتك الصغيرة على ذاتك… أن تُجبر على التخفّف من صورتك، من لغتك، من نبرة اسمك، من طريقتك في الضحك.
ثم يقطع إصبعًا: ليس الإصبع إصبعًا فقط، بل جزءًا من القدرة قدرة العمل، القدرة على الإمساك بحياتك، على توقيع أوراقك، على حماية أطفالك. ثم تُقلع عينًا: ليست العين عينًا فقط، بل الرؤية، الشهادة، الحق في أن تقول “رأيت”. ثم يُقطع اللسان: ليس اللسان لسانًا فقط، بل الكلام، الحكاية، الاعتراض، الحق في تسمية الجريمة باسمها. رويدًا رويدًا… حتى لا يبقى منك إلا هيئةٌ تتحرك، وجسدٌ يعيش بلا معنى، وكأن المقصود ليس الموت وحده بل تفكيك الإنسان قطعة قطعة.
وهنا يظهر أخطر ما في هندسة الإبادة: الجوقة المحيطة.
جوقة لا تحمل السلاح بالضرورة، لكنها تحمل التبرير
تقول لك: هذا طبيعي، هذا عادي، هذا “فوضى”، هذا “قدر”، هذا “ثمن”، هذا “حوادث فردية”، هذا “لن يتغيّر شيء”، هذا “لا تبالغي”، هذا “انسي”.
جوقة تُعيد تشكيل اللغة كي لا يبقى في الجريمة ما يستحق الغضب. وحين تُسلب اللغة، تُسلب القدرة على المقاومة؛ لأن أول ما تفعله الإبادة هو أن تعزل الضحية عن تعريف ما يحدث لها.
الطفلة في الصورة تُعيدني إلى عمي دريد لا لأن المصير واحد، بل لأن الذاكرة لا تفهم السياسة بالطريقة التي يفهمها الخبراء. الذاكرة ترى الوجه، فتُخرج موتًا قديمًا من إطارٍ قديم، وتضعه فجأة أمام موتٍ جديد.
دريد غرق في النهر موتٌ قاسٍ لكنه بلا نية شريرة، بلا “تصميم”. أما الإبادة فموتٌ له عقلٌ بارد؛ موتٌ لا يكتفي بأن يأخذ الطفل، بل يريد أن يأخذ معه معنى البيت، ومعنى الأمان، ومعنى أن تكبر دون أن تُربّى على الرعب.
لهذا أتذكر دريد الآن: لأن الشبه يفتح باب الحنين، والحنين يفتح باب السؤال الأخلاقي الكبير: كيف يتحوّل العالم من مكانٍ نبكي فيه طفلًا غرق صدفة، إلى مكانٍ يُدار فيه قتل الأطفال كسياسة، أو كمنهج، أو كإهمال مقصود يُترك ليستكمل عمله؟
أنا لا أكتب هذا كي أثير عاطفة سريعة. أكتب لأن الإبادة حين تُدار ببطء تُصبح قابلة للتطبيع، ولأن أخطر ما يمكن أن يحدث لجماعةٍ تُستهدف ليس أن تُقتل فقط… بل أن تُقنع تحت ضغط الخوف وتحت همس الجوقة أن ما يحدث لها ليس إبادة، وأن بقاءها مجرد “تفصيل” في هامش التاريخ.
لكننا لسنا تفصيلًا. ولا الأجساد تُقصُّ إلى أجزاء كي نصمت. ولا الذاكرة تُعلّق صورة طفل في غرفة الضيوف لتتعلم الاستسلام، بل لتتذكر: أن الإنسان يُهزم مرتين—مرة حين يُقتل، ومرة حين يُجبر على أن يصف قتله بأنه “أمرٌ عادي”.