عندما تكون الهوية هي القدرة على الوقوف في وجه التهمة
2025.12.30
ريتا خير بك
لا أعرف لماذا عادت هذه الحادثة إلى ذاكرتي اليوم، لكنها عادت كما تعود الأشياء التي لم تُحسم بالكامل: لا لأنها كبيرة في ظاهرها، بل لأنها كشفت شيئًا حاسمًا في الداخل.
منذ خمس سنوات، في المستشفى الذي كنّا نعمل فيه، سألني زميل باحث أجنبي من أصول آسيوية، وأنا أيضًا “أجنبية” في نظر المكان، سؤالًا بدا عابرًا لكنه لم يكن عابرًا:
“أنتِ علوية؟”
أجبت: نعم.
ثم جاء السؤال الثاني، كما لو أنه نتيجة منطقية جاهزة في رأسه:
“يعني أنتم بتعبدوا علي؟”
تفاجأت، لا لأنني لم أسمع الاتهام من قبل، بل لأنني سمعته هنا داخل فضاء يفترض أنه علمي، محكوم بالبرهان لا بالإشاعة، وبالأسئلة الدقيقة لا بالصور النمطية. لكنني فهمت بسرعة أن السؤال لم يولد من فضول معرفي، بل من “نقلٍ” سمعه من سوري آخر من درعا في حديث جانبي. كأن الهوية، بمجرد أن تُذكر، تتحوّل فورًا إلى تهمة عقدية جاهزة: اختزال حياة كاملة في عبارة واحدة قاسية.
في تلك اللحظة لم أشرح من هو علي في مخيالنا، ولم أدخل في الغنوصية ولا في معنى التجسد ولا في الفرق بين الرمز والإله، ولا في حق الإنسان أن يحمل معنى دون أن يُختزل إلى طقس. لم أفعل ذلك عمدًا.
ابتسمت ابتسامة باردة، ثابتة، ورفعت عينيّ بثبات لا يستجدي قبولًا ولا يطلب تبريرًا. ثم قلت: “ ja إي.”
وقلتها كما تُقال كلمة تُغلق بابًا، لا لأنها الحقيقة كما يتخيّلها السائل، بل لأنها سلاحه الذي قررتُ أن أسحبه من يده.
كان في “الإي Ja” نوع من العناد المقصود، نوع من الاستخفاف بالسؤال نفسه، لا بالشخص. كأنني أقول: لن تمنحني أنت تعريفًا عني، ولن تجعلني أدافع عن كرامتي أمام فخّ صُمّم لإهانتي. إذا كنتَ تريدني “موضوعًا” للفضول أو للجرح، فلن أعطيك المسرح.
لم تهتز شعرة. لم ينكسر صوت. لم يظهر اعتذار وجودي عن نفسي.
ومنذ ذلك اليوم، لا “الدرعاوي السوري الغريب” ولا “الأجنبي” عادا يسألانني شيئًا يخص هويتي.
ومعزى القصة ليس أنني انتصرت في سجال، بل أنني فهمت شيئًا عن الهوية:
الهوية ليست ملفًا نُقدّمه للآخرين كي يراجعوه ويعطونا تصريحًا بالاحترام. الهوية أحيانًا هي القدرة على الوقوف في وجه التهمة دون أن تتحول أنت إلى محامٍ عن ذاتك.
الانتماء، حين يكون حقيقيًا، لا يحتاج إلى خطابة طويلة كي يثبت وجوده. يكفي أن لا ترتجف أمام السؤال الذي صُمّم ليُرجفك.
وهناك أيضًا معنى وجودي أعمق: أن البشر لا يكتفون بمعرفة “من أنت”، بل يسارعون إلى وضعك داخل قالب يريحهم: “أنتِ تعبدين بشرًا”، “أنتِ طائفة كذا”، “أنتِ نسخة جاهزة من حكاية سمعناها.”
في تلك اللحظة أنت لا تُسأل كي تُفهم، بل كي تُصنّف.
وأكثر أشكال المقاومة هدوءًا هو أن ترفض أن تُختزل، حتى لو اخترت أن تصمت بدل أن تشرح.
ربما تذكرتُها اليوم لأنني أدركت متأخرًة أن هذه ليست قصة عن “سؤال” في مستشفى، بل عن امتحان صغير لكرامة الإنسان: هل تسمحين للعالم أن يجرّكِ إلى دفاع مذعور عن ذاتك، أم تملكين من الثبات ما يجعلك تمرّين فوق الاتهام دون أن تتسخي به؟
في النهاية، لم تكن “إي” اعترافًا بقدر ما كانت مرآة.
مرآة كشفت سطحية الاتهام، وكشفت في المقابل أنني أملك شيئًا لا يملكه السؤال: القدرة على أن أكون، بلا إذنٍ من أحد.