كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الى محمد بن نصير رسالة للمرة الثانية من حفيدتك

ريتا خير بك

أكتب إليك من زمان الابادة العاشرة، والفقر الدائم، والتقية الأبدية. أكتب لك من زمن صار فيه الطفل هدفا قبل ان يتعلّم اسمه، ومن زمن صار فيه المكان فخا حين يفترض ان يكون ملاذا، ومن زمن صار فيه الخوف نظاما يوميا لا حادثة.
يا محمد بن نصير
لا أكتب لك اليوم عن اختلافات الطقوس ولا عن جدالات الأسماء. أكتب لك من قلب واقعة بسيطة وقاسية: انفجار يلتهم أجسادا صغيرة لأنها تجمعت، لانها صدقت ان الضوء يحميها، لأنها مشت الى مكان مفتوح كمن يمشي الى امتحان اخلاق المجتمع. ثم يجيء من لا يعرفنا ليقول لنا ان المشكلة فينا، في طريقة وجودنا، في لغتنا، في حرفنا، في اننا لم نخف بما يكفي. كأن المطلوب من المذبوح ان يحسن ترتيب رقبته للسيف.
في داخلي إهانة لا تشبه الكلمات وحدها. إهانة ان يناديني احدهم بشتيمة ثم يظن انه قال شيئا عني. لا يا جدي. هو لم يقل عني شيئا. قال عن نفسه كل شيء. قال ان في داخله مكانا لا يقدر ان يحتمل اسما كاملا، هوية كاملة، تاريخا لا ينحني. الشتيمة ليست سلاحه بل اعترافه: انه لا يملك سوى اللغة التي تسبق الضربة.
وأكتب لك ايضا عن التقية، لا كحكمة خفيفة ولا كحيلة باردة، بل كجلد ثان لبسناه طويلا حتى اختلط علينا الجلد بالهواء. التقية التي كانت ستر المعنى كي لا يداس، صارت احيانا سترا للجسد كي لا يقتل. ثم اكتشفنا ما هو أفدح: ان القاتل لا يحتاج ان يسمع عقيدتك كي يقرر. يكفيه ان يشم خوفك، او يرى ملامحك، او يعرف قريتك، او يسمع حرف القاف في فم امك. في هذا الزمن، التقية لا تنفع دائما. لا لأنها خطأ، بل لان الرعب تعلّم ان يطارد حتى الهمس.
يا مؤسس الكلام الذي نقل علياً من منصة السياسة الى معنى الكون
أنا افخر اني احمل اسمك اليوم لا كتعصب، بل كاتزان. لانك قلت لنا، بطريقة او بأخرى، ان الانسان لا ينجو بالشعار بل بالمعنى. انك يمكن ان تكون هامشيا على بلاط دولة، لكنك تستطيع ان تكتب في الهامش ما يهز مركزها كله. كنت تقول لنا ان القيمة ليست في ان تصير مرئيا عند السلطان، بل في ان تحفظ نورك من ان يتحول الى سلعة، او الى زينة فوق جثة.
ولهذا أنا غاضبة.
غاضبة لأن اطفالنا صاروا يدفنون قبل ان يسألوا لماذا. غاضبة لان التفجير صار لغة سهلة، ولان الاجساد الصغيرة لا تملك ترف الفلسفة وهي تسقط. غاضبة لان البعض يطلب منا ان نقدم أولادنا كإشارة حسن نية، كبرهان على سلامتنا، كضحايا مقدمة لخطاب سماوي اسمه السلم الاهلي. اي سلم هذا الذي يمر فوق ظهر الطفل. اي اهل هذه اهلية تترك الجريمة تمشي ثم تعاتب الضحية على موضع قدمها.
أكتب لك من زمن اخر ما يقوله علوي نصيري قبل القتل. احيانا يقول "يا علي" كمن يتمسك بحبل أخير في الهواء. واحيانا يجيب ببساطة "أنا علوي"، كمن يوقع اسمه على ورقة اعدام، لكنه يرفض ان يموت بلا تعريف. هنا تتجلى الحقيقة: نحن لا نموت فقط، بل نمتحن في لحظة الموت على حقنا في النطق باسمنا. كأن الهوية ليست حياة كاملة بل سؤال أمني في فم قاتل.
يا جدي
انا لا أريد تمجيد الحزن. بل أريد أن اعطيه شكلا كي لا يتحول الى صمت. أريد ان أقول اننا لسنا أقليات على هامش وطن، نحن بشر يُستهدفون لانهم يحملون اسما. ولسنا خرافة ولا مذهب رومنسي ولا مادة للمتاحف. نحن لحم ودم وامهات ينتظرن، وبيوت تعرف معنى الحضور، واطفال لهم حق في ان يكبروا بلا ان يكونوا درعا خطابيا لأحد.
أنا أبكي، لكن بكائي ليس استسلاما.
أنا موجوعة، لكن وجعي ليس دعوة للانتحار الجماعي في ساحات مكشوفة.
أنا أكتب لان العقل صار جزءا من العبادة، ولان حماية الناس صارت اخلاقا قبل ان تكون سياسة. أكتب لاننا اذا استطعنا ان نحذف مكانا من أماكن الاستهداف السهلة، فعلينا ان نفعل. ليس خوفا من الحياة، بل امانة لها. لان المعنى الذي علمتنا اياه لا يطلب منا ان نمشي الى المصيدة كي نثبت شيئا لاحد. المعنى يطلب ان نحفظ الروح، وان نكون اذكياء بما يكفي كي لا نساعد السكين على العثور علينا.
يا محمد بن نصير
خذ مني هذه الوديعة الثقيلة
الاسم الذي يشتمونه لن أسلمه. الهوية التي يريدونها خفية لن أعتذر عنها. لن أجعلها سلاحا على أحد، لكنني لن أتركها لقمة لأحد. نحن نصيريون علويون، ومعنى ذلك اننا تعلمنا ان نعيش والسكين فوق الرقبة، لكننا لم نتعلم ان نحب السكين، ولم نعتد ان نمنحه حق تعريفنا.
اذا كانت التقية قد علمتنا كيف نحمي النور من الابتذال، فليعلمنا هذا الزمن كيف نحمي الجسد من العبث. اذا كان السر قد حفظ المعنى قرونا، فليحفظ العقل اليوم حياة طفل واحد على الاقل. واذا كانت الشتيمة تلاحقنا، فلتكن اجابتنا ثباتا باردا لا ينهار: انا هنا، باسمي، بوجعي، وبحقي في الحياة.
سلام عليك يا أبا شعيب
من حفيدتك التي تعرف ان الطريق طويل، لكن الجذر أقدم من السكين، وان النور الذي خبأه الاجداد في الصدور لا ينطفئ مهما تغيّر شكل الليل
الرحمة للشهداء جميعا، وللاطفال خصوصا.
ولك يا جدي، من حفيدتك في المنفى وفي التاريخ، سلام لا يليق إلّا بمن جعل من رجل هامشي معنى لا يزول.