كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من جعبة الذكريات.. وظيفة لليلة واحدة

صفوان زين

في العام ١٩٦٤ كان قد مضى ثلاث سنوات على حيازتي على الاجازة الجامعية وعلى عملي في المصرف التجاري السوري، كنتُ سعيداً في عملي غير اني لم أكن سعيداً براتبي البالغ ٣٧٥ ليرة سورية شهرياً.
جاءني الغيث من حيث لم أتوقع، اتصل بي الصديق الأستاذ رياض أزهري (رحمه الله) عارضاً عليّ العمل في وكالته البحرية براتب شهري ٥٠٠ ليرة سورية، سال لعابي على الفور لهذه القفزة الهائلة في الراتب، فوافقتُ دون تردد حتى قبل أن أتبين نوع العمل المطلوب منّي.
قدمتُ فوراً استقالتي من المصرف الى مديره المرحوم يمني صوفي الذي نصحني بالتريث، فلم أستجب لنصيحته.
أفهمني الأستاذ رياض منذ اليوم الأول بأن عليّ أن أبدأ العمل من تحت أي من البحر صعوداً الى العمل المكتبي، وأضاف بأن حظي عظيم لأن التحاقي بالعمل تزامن مع وصول باخرة عائدة الى شركة ندلويد الهولندية سوف يجري تفريغها ليلاً وأنها فرصتي كي أكوّن فكرة عن عملية تفريغ مئات الأطنان من البضائع المختلفة خلال ليلة واحدة، وإن العمل سوف يبدأ حوالي الساعة السابعة مساء وقد لا ينتهي قبل السابعة صباحا. وافقتُ مع شعور بالامتعاض لم أفصح عنه، فقد كانت الـ٥٠٠ ليرة سورية كفيلة بقمع أي امتعاض!
الساعة السادسة والنصف مساء اصطحبني الى المرفأ موظف الوكالة المسؤول عن تشغيل البواخر، أذكر أنه كان من عائلة كوزما، للأسف لم أعد أتذكر اسمه الأول، لم يصطحبني بسيارة تاكسي كما كنت أتوقع، بل على دراجة نارية كان يملكها، كانت المرة الأولى والأخيرة التي أركب فيها دراجة نارية، حاول ان يدربني على الوضعية المناسبة للركوب على المقعد الخلفي، كانت المحاولة فاشلة، كنت مصراً بسبب خوفي الشديد على ان ألتصق به وأن أحيطه بذراعيّ بكل قوة وكأني كنت أخشى أن يفرّ مني ويدعني لمصيري علَى المقعد الخلفي وينطلق بمفرده على المقعد الأمامي! رحلتنا من بيتنا في العوينة وحتى وصولنا الى رصيف الباخرة كانت رحلة آلام حقيقية لكلينا، السيد كوزما كاد يختنق من شدة تعلقي به وأنا كاد يغمى عليّ من شدة خوفي. صعدتُ بل أصعدني السيد كوزما الى سطح الباخرة وحدد لي الموقع الذي يتيح لي مشاهدة عملية تفريغ البضائع من أحد العنابر وأوصاني بإلحاح ان لا أقترب كثيرا من فتحة العنبر كي لا أهوي وأنتهي في قعره جثة هامدة.
مضت عملية التفريغ على قدم وساق ومضيت أدخن السيكارة تلو الأخرى مدفوعا لذلك بمزيج من التوتر والملل. مرت عدة ساعات خلتها دهراً، كنت معظم الوقت واقفاً على قدميّ، الظلام الدامس يلف الباخرة عدا عنابرها المضاءة بالأنوار الكاشفة، كانت الساعة قاربت الواحدة بعد منتصف الليل عندما لمحتُ في الظلمة الداكنة غير بعيد عني شبح َأنثى تستند الى حاجز الباخرة تدير ظهرها لي وتطل على البحر المترامي أمامها.
بدأتُ أطلق العنان لخيالي، لم يكن سواها وسواي في تلك المساحة المعتمة على ظهر الباخرة، راح الخيال يحلق عالياً وسط الظلمة التي تلف المكان والتي لم تتح لي ان أتبين أكثر من شعر أشقر منسدل على كتفَين عريضَين ثم قوام ممتلئ رسمته مخيّلتي يغطيه شورت ضيق جدا يكاد يتمزق تنبيء جميعها بجمال أوروبي شمالي أخّاذ ذكّرني بقصيدة لنزار قباني بعنوان 'الى عينَين شماليّتَين'. ما ان اقتربتُ منها حتى بدأت تضاريسها تتضح، وبدأت معها آمالي تتبدد، لقد تكشفت الأنثى التي داعبها خيالي عن ضخامة غير معقولة عُرفت عن بعض نساء شمال أوروبا، لم يعد بإمكاني أن أتراجع فقد اكتشفَت اقترابي منها واكتشفتُ ابتسامة عريضة ترتسم على محياها، سلمتُ عليها وتعارفنا، أخبرتني بأنها زوجة احد ضباط الباخرة، أشفقتُ على هذا الزوج الذي ابتلي بمثل هذه الزوجة براً وبحراً! أشفقت بدورها عليّ بعد أن تفحصتني جيداً إذ بدا لها من مظهري وإمارات الإنهاك البادية على وجهي بأني لم أخلق لمثل هذا العمل ولا لذاك العمل! أنِسَت لي وشرعت تتبسط في حديثها معي بأن تطرح عليّ أسئلة شخصية تتناول حياتي العاطفية مع بعض الإيماءات الجنسية، سألتني على سبيل المثال ان كان لي صديقة، أجبتها بالنفي، برقت عيناها كما لو أنها عثرت على فريسةسهلة، في هذه الأثناء كنا قد تبادلنا المواقف، انتقلتُ الى حاجز الباخرة المطل على البحر وأسندتُ ظهري إليه، البحر من ورائي وهي أمامي تكاد تلتصق بي، نظرتُ الى الخلف وتفحصتُ الارتفاع الذي يفصلني عن الماء وجدتُه شاهقًا، نظرتُ الى الامام وتفحصتُ المسافة التي تفصلني عنها وجدتها بضعة سنتمترات، لو خطر لها ان تنقض عليّ، على فريستها، فكيف أتصرف؟ لو كان طارق بن زياد في موقفي كيف كان سيتصرف؟ خياران لا ثالث لهما، إما أن أرمي بنفسي في البحر فأموت غرقًا أو أرمي بنفسي بين ذراعيها فأموت خنقًا، فجأة ًً لاح لي الخيار الثالث، العارض الصحي المفاجيء، مثلتُ دوري بمنتهى الإتقان، دور من أصيب بنوبة مغص مفاجيء لا يحُتمَل، أسرعت الى كابينتها وأحضرت لي حبة دواء، تناولتها غير آبه ان كانت حبة الدواء للمغص أم لشيء آخر! عرَضَت ان تطلب استدعاء الاسعاف أو أي طبيب على عجل، قبل ان أجيبها لمحتُ السيد كوزما قادمًا إلينا من بعيد، ركضتُ اليه رامياً بنفسي عليه، انتقلت عدوى الإشفاق عليّ الى السيد كوزما، ما أن انبلج الفجر إلّا وكان قد طلب لي تاكسي لايصالي الى بيتي على وجه السرعة، كانت والدتي في انتظاري على أحر من الجمر. لم يأتني نوم قبل أن أسرع الخطى الى المصرف ساحباً استقالتي ومتصلاً بالصديق رياض أزهري معربا له عن أسفي أني لم أكن عند حسن ظنه. كان تعليقه الوحيد "شو هل الشباب الشوكولاتة"، أعتقد أن صديقتي الهولندية تشاركه هذا الرأي تماماً!
لم أروِ له ولا لسواه شيئاً عن مغامرتي العاطفية الجهيضة على ظهر السفينة. بعد مرور سنوات عديدة تكررت زياراتي الى هولندا لدواعي العمل، لم يهنأ لي بال في اي من هذه الزيارات، كان شبح الهولندية يطاردني من مكان لآخر، كنت أرى هولنديتي في كل هولندية تمر بقربي، لقد ظلمت الهولنديات، اكتشفتُ متأخراً وبعد فوات آوان المغامرات كم بينهن من جميلات.
رحمة الله عليك يا رياض لقد خسرت اللاذقية برحيلك وجهاً لامعاً من وجوهها، لم يخطر لك يا صديقي الراحل أن قنبلةً بشرية موقوتة معدّة للانفجار كانت بانتظاري على ظهر الباخرة التي أرسلتَني للتدرب عليها.