كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سردة.. يوم مقتل غازي كنعان

معن حيدر

 +ابتداءا من ظهر ذلك اليوم، بدأ تداول خبر (انتحار) غازي كنعان بشكل غير رسمي.
وفي الساعة الواحدة تقريبا اتصل الراحل فواز العامري، مدير المكتب الصحفي في القصر، وقال لي: كتوب لئلّك.
وأملى عليّ نصا قصيرا عن انتحاره لكي نبثّه كتابة كخبر عاجل، وختم قائلا:
المعلّم ناطر يشوفو فورا... خاطرك.
أخذتُ الورقة واتجهتُ إلى استديو الفضائية، وطلبت من الكادر في الكونترول طباعته لإظهاره فورا على الشاشة على خط أحمر كالمعتاد.
قال لي فنّي الطباعة إنّ جهاز (العواجل) عاطل منذ يومين، وبنفس اللحظة وصل رئيس دائرة الهندسة وبدأ يهمّ أن يشرح لي لماذا الجهاز عاطل؟
لم أسمح له أنْ يُكمل، وانفجرتُ غاضبا بشكل لم يسبق لأحد أنْ رآني بهذه الحالة.
كنتُ أدرك تماما، في ظل الظروف المشتعلة والاصطفافات الحاصلة بعد زلزال اغتيال الحريري، أنّ اللحظة محسوبة، وأن التأخير سيُدخلني في لعبة الاصفافات، (وربما بسلامة راسكم).
تمّ تدارك الوضع بهمّة الشباب في الدائرة الهندسية وبُثّ الشريط العاجل في نفس اللحظة التي اتصل بها العامري ليسألني: شو القصة؟ قلت له: صار ع الهوا.
-للتنويه:
كانت جدّتي لوالدي ذات طبع نزق، أخذته عن أهلها آل السوقي (نسبة إلى السوق)، لأنّ جدها كان شهبندر تجار يبرود ويملك جزءا كبيرا من السوق.
وقد ورث والدي شيئا من تلك الخصلة، النزق. وكنت أحاول دائما ألا تلحقني طرطوشة من تلك الخصلة وألا يتملكني النزق.
-انتهى التنويه.
+في شبابي استطعتُ أن أبقى بشكل عام هاديء الطبع، خاصة أنّ العمل في المجال الإعلامي يتطلّبُ الهدوء والتماسك لإراحة الكادر.
إلا في الحالات التي يُقال عنها في الدراما (أُوُفر) والتي تتطلب (بقّ البحصة) حسب الطرفة الشائعة، ومنها تلك الحالة التي رويتها.
+وهناك حالة أخرى حصلت وبنفس المكان تقريبا،
ولكن هذه المرّة في العام 2010 عندما خرجتُ من مكتبي لغاية ما، فوجدتُ تجمّعا في الكوريدور أمام استديو الفضائية، قادني فضولي لأعرف ما الأمر،
وعندما اقتربتُ وجدتُ بعض العاملين في التلفزيون يتشارعون أمام شخص عرفتُ لاحقا أنّه مندوب أحد فروع الأمن.
ارتبك عندما رآني، سألتُ العاملين: شو القصة؟ لم يجيبوا وكانوا ينظرون بخوف إليه.
ارتفع صوتي شو القصة؟.. وعندها حكوا شو القصة:
أحدهم، وهو يعمل منفّذ إنتاج، كان يستقوي بكنيته ولهجته و (عامل أبو عنتر) على زملائه، اختلف مع زميل له في موضوع إداري بحت، تذكرت أني أحلته منذ فترة إلى مديرية الشؤون الإدارية للمعالجة.
فجاء بهذا المندوب ليحلّ الموضوع بنفسه مستقويا به.
وهون طلعت خصلة (الورتة تبع ستي)
فسألت المندوب بصوت عال وغاضب: أنت شو دخلك .. تلعثم
فأكملتُ عليه بغضب غير معتاد، وطلبتُ منه أن يغادر فورا.
عدتُ إلى مكتبي واتصلتُ برئيس مفرزة الأمن عند البوّابة أنْ يمنعه من الدخول، ولكنّه قال لي إنه لا يستطيع لأن الموضوع أعلى منه.
وطلبتُ من مدير المكتب توجيه العقوبة المسلكية اللازمة بحق منفّذ الإنتاج مع ذكر الأسباب.
بعد دقائق اتصل العميد حسام سكر، أعتقد أنّه كان نائب رئيس الفرع المسؤول عن المندوب،
تكلمنا مطولا وتشعّب الحديث، وطلبتُ تغيير المندوب، فوافق.
إلا أنه بعد فترة اتصل ليبلغني عدم توفر مندوبين غيره، وأنه سيرسله لمكتبي ليعتذر.
قلت له لا أريده أن يأتي لمكتبي، ولا أنْ يعتذر.
+ومع تقدّم العمر، بدأت خصلة النزق تزحف أكثر،
وقد حصل مؤخرا أنْ طلبت إحدى القنوات لقاء معي للحديث عن بعض ما أحمله من ذكريات العمل، خاصة أني كنت مديرا عاما لهيئة اإذاعة والتلفزيون في بدية انطلاق الأحداث التي تحولت إلى ثورة.
وعند بدء اللقاء فوجئت بمقدمة غاضبة حزينة للمذيعة السورية، تحدّثتْ فيها عن استشهاد والدها على يد الأمن، وعن شقيقها المغيّب الذي لا تعرف إلى الآن مصيره.
طبعا تعاطفتُ معها بكل جوارحي، ولكنها انتقلتْ إليّ لتسألني بنفس اللهجة الغاضبة مهاجمة اإعلام السوري الذي لا يصدّقه أحد حتى في النشرة الجوية
شعرتُ حينها بشيء من الاستفزاز وضاع تركيزي لأنّي حاولت أن أضبط نفسي من تلك الخصلة النزقة.
كان اللقاء بالنسبة لي سيئا، ولا أدري كيف كان بالنسبة للقناة.