الجوع يدق أبواب السوريين
2025.02.13
رامي كوسا
صديقتي مسؤولة في أحد البنوك الخاصة. أتردد إلى مكتبها، يومياً، منذ أسبوع، للحصول على جزءٍ من ودائعي، بالقطّارة، واستطعتُ أن أسجّل المشاهدات والانطباعات التالية:
- الناس مسحوقون. رجلٌ يعاني شللاً نصفياً. تُقسم له الفتاة أنّها لا تستطيع أن تمنحه أكثر من نصف مليون ليرة في اليوم الواحد. تشرح له ألف مرة أنّ الأمرَ خارج نطاق صلاحيتها، لكنّه يصرُّ على ضرورة إيجاد حلّ، فالمصارف تتقاذفهُ بالحجة نفسها "ما في سيولة".
- تقطع الحديث سيدة خمسينية. زوجها متوفّي. ولداها شهيدان. تريد راتب زوجها التقاعديّ، فالبيت يوشك أن يخلو حتّى من رغيف خبز. تقول لها الموظفة إنّها ستحاول مساعدتها، ثم تهمس لي "في حالات كارثية أكتر منها بألف مرة، الأولوية إلهن".
أفكّر "ما هو الكارثي أكثر من أن تكوني أرملة في بيت منكوب لا خبز فيه؟"!!
- يتصل بي أخي، يريد أن يحصل على مبلغٍ ما، فرواتبه "محجوز عليها"، ويقول لي، بالحرف "إذا ما أخدت مصاري اليوم ما باكل"، فأقسمُ ما في البيت بيني وبينه.
- أتصل بواحدٍ من صرّافي السوق السوداء، فيقول لي إنّ أفضل سعرٍ يُمكن أن أحصل عليه فيه خسارة بنسبة 30% من صافي القيمة، ويشترط أن أُسجّل اسميَ على قائمة المُنتظرين، قبل يومين اثنين، و"يا بقدر أمنلك يا لأ".
- المودعون أوشكوا على تكسير المصرف. حاول موظف الحماية التعامل مع الأمرِ لكنّهُ خرج بكدمةٍ وسترة ممزّقة وكثير من السُّباب.
- الحاصل أنّ الرواتب والودائع "محجوزٌ عليها" (في محاكاة للواقع في لبنان) وأنّ البنوك لا سيولة فيها. وأن لا أحد، في هذه "الدولة" يريد أن يخرج ويقول للناس عن واقع الحال، وعن ما هو آت.
يا لتعاسة أولاد هذا البلد، من تحتِ دلفٍ إلى تحت مزراب.
تصرّفوا، جِدوا حلّاً، معدّلات الخطف وطلب الفديات تتزايد بصورة هيستيرية. الجوع يدق على الأبواب. كفوا عن التقاط الصور التذكارية. أطعموا الناس أولاً، ثمّ التفتوا إلى الخارج.