عن أخي الشهيد
2022.05.03
باسل الخطيب
ولدته أمي في بيتنا صباحاً، أخي إبراهيم كان أصغرنا، أتى جدي بعد ساعات من ولادته، جدي، والد والدي، كان قد رأى مناماً عنه في الليلة الماضية. ماذا أسميتوه؟ كان سؤاله الأوّل عندما دخل بيتنا، تلعثمت جدتي، أم أمي.. قالت له: سمه أنت يا أبو علي، قال جدي سيكون اسمه إبراهيم، و سيكون إن شاء الله بضعة من إبراهيم إياه....
كبر إبراهيم، و كان حقاً بضعة من إبراهيم، أحبه أبواي أكثر منا قليلاً، كان له مكانة خاصة جداً في قلبيهما، و لم يكن لهما في ذلك منّة، فهو استحق تلك المكانة، إن كنا أنا و أخوتي اعترضنا بضع مرات على ما يقوله والدانا، أو تململنا بسبب (حيونتنا)، فهو لم يقل لهما حتى أفٍ ولا مرة....
كبر إبراهيم و كان السند و الرفيق لأبي و أمي عندما كان كل منا مغترباً يلاحق دراسته..... قرر أخي أن ينتسب إلى الكلية الحربية، لم نفهم سبب قراره هذا، مع أن معدله في الشهادة الثانوية كان يسمح له بدخول الكثير من الاختصاصات الجامعية الجيدة، رافقته عندما ذهب إلى حمص لتقديم أوراقه للكلية الحربية، و قبيل لحظات من تقديم الأوراق قلت له ألن تعدل عن قرارك يا أخي؟ وضع يده على كتفي، و نظر إلي بابتسامته التي تشق نياط القلب، ستفهم يوماً ما يا أخي. كان لأخي محيا أقل ما يقال عنه أنه رحماني، كانت له عينان تغوصان في قيعان كيانك، فتسلبانك كل كيانك....
كبر إبراهيم، و كان في كلمة و فعل، كان يثبت أنه إبراهيم، كان يقضي بعض إجازته في بيتي، في المرتين اللتين رزقني اللّه بأبناء، كان كل مرة يدخل الغرفة حيث ينام ابني المولود حديثاً و يغلق الباب من خلفه، و يبقى و إياه لوحدهما نصف ساعة، أنا أكاد أجزم أن ذاك الصلاح في أولادي سببه تلك الجلسة معهم من قبل أخي. كان في كل مرة يدخل بيتي أشعر أن البركة قد حلت، أخبرتني زوجتي ذات مرة أنه عندما يكون إبراهيم في البيت كانت تشعر بكل الأمان، كان سمحاً إلى تلك الدرجة التي تجعلك تشعر بالخجل....
كبر إبراهيم و تزوج، كنت بالصدفة في دمشق عندما ولدت ابنته، كنت أول من يحملها، ماذا ستسميها يا أخي؟ نظر و قال ستكون مريم، إذاً لتكن مريم، عينا مريم كانت عيني والدها و مازالت......
نشبت الحرب، في تشرين الاول من عام 2011 كان أخي آخر مرة يأتي فيها إلى القرية، آتى لكي يساعدنا في موسم الزيتون، و مرة أخرى أثبت أنه أفضلنا، يعمل من دون كلل أو ملل و من دون تأفف، قال لأمي ذات يوم من ذاك الخريف، اسمعي يا امي، تعلمي كيف يجب أن تتكلمي إن استشهدت، عندما يجري معك التلفزيون مقابلة، قالت له أمي اسكت، أذكر وقتها أنني كدت أسمع دقات قلب أمي....
تم نقل أخي و كتيبته إلى إدلب، خاضوا معركتهم الاولى في أرمناز، أصيب أحد عناصر سرية أخي في تلك المعركة، و كان من دير الزور، كان وابل النيران من قبل الإرهابيين عنيفاً، صرخ ذاك الشاب، اتركوني يا سيدي، اندفع يا أخي بعد أن طلب من عناصره تغطيته، و حمل الجندي الجريح و عاد به، أخي لم يترك أحداً من جنوده خلفه في كل معاركه....
أخبرني أحد الملازمين الذي كان تحت أمرته، أن أخي إبراهيم كان يقول لهم قبل كل اقتحام: أنا من سيتقدم أولاً، أخبرني ذاك الملازم إياه أن الجنود الذين كانوا تحت أمرته كانوا يتقدمونه قصداً بعد أن سمعوا كلامه هذا، أولئك الجنود كانوا من الحسكة و درعا و حمص و حلب و اللاذقية و طرطوس و السويداء و الرقة و دمشق... ألم أحدثكم سابقاً عن رجال جبال التين و الزيتون!؟.....
خاض أخي معاركاً في كل مناطق إدلب، و استقر به الأمر أن استلم حاجزاً في منطقة سرمين بالقرب من إدلب، ذات مرة اتصل بي أخي و قال لي شاهدوني اليوم على الأخبار على المحطة (الفلانية)، تجمعنا جميعاً، كان تقريراً عن عملية خاصة نفذها أخي و عناصره أدت إلى مقتل ثلاثة من قادة القاعدة، أخي ظهر بوجهه في المقابلة، تحدث بكل عفوية، فرحنا أننا رأيناه، فرحنا بما عمل، و لكن لم ندرك إلا لاحقاً، أن ذلك كان خطأ، من بعد تلك المقابلة صار إعلامنا يجري المقابلات مع الضباط و ظهورهم للكاميرا....
تم تكليف أخي بمهمة أن يقم حاجزاً عند منطقة اسمها ترنبة، حيث يوجد تقاطع طرق مهم، عرف الإرهابيون أن الرائد إبراهيم علي الخطيب في ذاك المكان، فشنوا هجوماً بأعداد تقارب المئات، قاتل أخي و رفاقه، قاتلوا رغم علمهم أن المعركة خاسرة، و أن عديد عدوهم يفوقهم بأضعاف، أصابت رصاصة عنق أخي تحت ذقنه.....
لا أعرف على أي صورة أغمضت عيناي اخي إغماضتها الأخيرة، هل هي على صورة مريم التي كانت تبلغ آنذاك قرابة العامين، ام على ابتسامة امي، أم على وجه أبي...
استشهد اخي بتاريخ 2012-2-11، احتفلت الكثير من صفحات الارهابيين بذلك، كيف لا وقد قتلوا الرائد ابراهيم علي الخطيب....
كنا في المشفى العسكري عندما وصل جثمان أخي، رأيته، كان نحيفاً جداً، ولحيته طويلة، وقد كبر في العمر عدة سنوات، ولكن كانت شفتاها تفتران عن ابتسامة صغيرة وجميلة، عندها عرفت على اي صورة أخيرة اغلق أخي عيناه، عندها فهمت لماذا قال لي أخي آنذاك، ستفهم يوماً ما يا أخي.....
لم يغب أخي عن منامات أبي و أمي، وخاصة أمي، يأتيهما مرتدياً بدلة التخرج، كل عام وانتم أبي وأمي....
السلام عليك يا اخي ابراهيم، السلام عليك يوم ولدت، السلام عليك يوم ارتقيت شهيداً، السلام عليك ياسيدي، السلام عليك أيها التقي النقي، اشفع لنا يا أخي في عليائك، رحمنا الله برحمتك، السلام عليكم جميعاً، شهداء جبال التين والزيتون....