كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بعد "همروجة" إيصال الدعم إلى مستحقيه.. أهي ملامح جمهورية جديدة؟!

أحمد حسن- فينكس:

الآن وقد خفت قليلاً صوت الجدل الدائر حول قرار رفع الدعم عن شرائح اجتماعية محدّدة، بين من قال به سلباً ما لم يقله مالك في الخمر، وهم الأكثرية، ومن قال به إيجاباً، وهم أقلية، بدت خجولة ومستترة، ربما يمكن الحديث -كتمرين ذهني لا أكثر- عن بروز ملامح "جمهورية جديدة" بالمعنى البحثي المتعارف عليه في السياسة، وسواها، لهذا الأمر.

والحال فإن "رفع الدعم" ليس مجرد إجراء اقتصادي تقني تنتج عنه آثار محدودة ومحددة فقط، بل هو إجراء بتبعات سياسية واجتماعية أيضاً -ولو كانت دوافعه اقتصادية اضطرارية- ستضرب، حكماً، على المدى المتوسط والبعيد المجتمع والسياسة لتعيد هندستهما وفق ركائز جديدة، وهذا سيثير، شئنا أم أبينا، قصص الشرعية والمشروعية ونوعية العلاقة الجديدة بين الحكومة ومواطنيها.
واللافت في الأمر أن هذه "الهندسة" المستجدة يقوم بها الطرف الحكومي وليس الشعبي، فالأول رأى -ولو مضطراً تحت ضغط الأزمة الاقتصادية الخانقة- أنها فرصة ممتازة لتنفيذ توجهه السابق في إنهاء دور الدولة الأبوي بالكامل ودفع المواطن نحو الفطام عنها، لكنه الفطام الصعب، فيما يرى الثاني، وما يزال، أن الخيارات الأخرى لمعالجة الأزمة كانت أجدى وخاصة في ظل هذا التوقيت السيء على مواطن "محترق" أصلاً، وبالتالي فإن المحصلة الوحيدة لكل هذا "الخلاف" في الرؤى هي زيادة كبيرة في "الخلخلة" السابقة في أسس الثقة بين المواطن والحكومة.
والحال فإن هذه "الخلخلة" يمكن ملاحظتها في بعض "القول" الشعبي السلبي الذي وإن غلبت عليه الانفعالية وهذا أمر مفهوم، لأنها صرخة وجع، إلا أن بعضه الآخر كان دالاً في سخريته من عجز الحكومة عن اجتراح حلول أخرى، ومنها مواجهة الفاسدين مثلاً، فيما أعلن بعضه الآخر، ولو خجلاً، عن اهتزاز ما في معادلة "الدعم بالدعم" التي حكمت المرحلة السابقة، وهذا أمر هام جداً لم تتم، لأسباب شتى، الإضاءة عليه بالصورة الكافية، وهنا بيت القصيد.
والأمر فإن المرحلة الماضية، منذ الستينات، قامت على أسس ومبادئ عدة، بعضها مكتوب وبعضها مضمر، ولأن هذا ليس مجال تفنيدها كلها، فسنكتفي بالإشارة إلى أحدها وهو ما يمكن تسميته بالعقد الضمني بين المواطن والحكومة وفق معادلة "الدعم مقابل الولاء"، وكان أبرز بنودها قرار: "الخبز خط أحمر"، ورغم بعض "الخضات" التي ضربت العلاقة بين الحكومة والمواطن، إلا أن الحكومة استمرت لعقود طويلة في احترام جانبها من هذا العقد، أو، للدقة، لم تجرؤ يوماً على المساس به إصلاحاً أو إنهاء.
ما يعنينا الآن أن الحكومة الحالية "هزّت" واعية، وإن مضطرة، هذا المبدأ، ومعه، بالطبع، أسس المجتمع، وكأنها تبحث عن عقد اجتماعي جديد، لكن طرفه الشعبي المقابل لن يكون، على ما يبدو، الطبقة السابقة والواسعة من "العمال والفلاحين وصغار الكسبة والمثقفين الثوريين"، أي بكلمة أخرى الطبقة الوسطى الحاملة للفن والثقافة والسياسة، وللقيم الدينية الوسطى أيضاً، ليس لأنها لا تريد استمرار العقد السابق أو حتى تجديده مع الحكومة، بل لأنها تكاد تختفي وتُسحق تحت ضربات الأزمة القاسية والطويلة الأمد، التي زادت "ضربات الحكومة الأخيرة" من وطأتها، فمثلاً، قامت الشرائح التي رُفع عنها الدعم مؤخراً بعكس آثاره على سواها عبر رفع سعر خدماتها بما يوازي أو يزيد على قيمة الدعم المرفوع عنها، أي أنها، عملياً، لم تخسر الكثير، فيما انعكس "الرفع"، واقعياً، على ذوي الدخل المحدود (الموظفون تحديداً) الذين ازدادت بالتالي معاناتهم، وازداد معها، بالتالي، نزيف الطبقة الوسطى لما تبقى منها وتقلصها المستمر بوتيرة متسارعة.
خلاصة القول، هذه مرحلة جديدة لم تكتمل معالمها بعد، ويبدو وفق المسار الحكومي أن قرارات أخرى لرفع الدعم ستليها لاحقاً، لتدفع بفئات أخرى نحو الأسفل، وبالتالي لتزيد من عمق الشرخ في معادلة "الدعم بالدعم" بين الحكومة وشريحتها الوطنية الداعمة الأساسية، أي في أحد أهم بنود العقد الاجتماعي السابق، وذلك مؤشر يمكن معه الحديث، نظرياً، عن "جمهورية جديدة" لكن ما يتسرب عن أسسها ومعادلاتها لا يقدم سوى إشارات مقلقة بامتياز.
هامش ضروري: في معرض شرحها لملامح الطريق العربي إلى الاشتراكية تؤكد أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي التاريخية: "إن أساليب الاقتصاد الحر الرأسمالي تزيد في انتشار الفوضى الاقتصادية، وتخلق الظروف الموضوعية لتبعية أكيدة للاستعمار الجديد، وتجعل الدولة مؤسسة لنقل الثروات إلى الأغنياء.. ويبقى الشعب، بالنتيجة، في بؤسه وتأخره"..!