ندرة اليازجي.. ناسك الفلسفة وضمير الكلمة
2025.08.13
في بلدة مرمريتا، وُلد ندرة شفيق اليازجي عام 1932، ليحمل من طفولته الأولى عشق الجبال وصلابة الحرف. بدأ رحلته التعليمية في مدارس بلدته، ثم انتقل إلى لبنان ليكمل دراسته الثانوية، ويحصل على شهادة في السياسة والاقتصاد. ورغم أن شهادته الأكاديمية لم تكن في الفلسفة، إلا أن قلبه وعقله انجذبا إلى عالم الفكر الإنساني والبحث الفلسفي العميق.
لم يكن اليازجي مجرّد كاتب أو مترجم، بل كان موسوعيًا نادرًا، جمع بين الفلسفة والعلوم الإنسانية، وفتح نوافذ على عوالم الأساطير والدين وعلم النفس، حتى غدا أحد أبرز أعضاء اتحاد الكتّاب العرب في مجال الدراسات والبحوث. أعماله كانت مزيجًا بين الفكر المجرد والهمّ الإنساني، وكان يرى أن الكتابة ليست رفاهية، بل مسؤولية ورسالة.
أصدر عشرات المؤلفات التي تناولت قضايا الوجود والروح والمادة، وكتب في الفلسفة السياسية، والفكر الأخلاقي، ودراسات الحضارات. ومن أبرز كتبه "الرسائل الإنسانية" و"المبدأ الكلي" و"المثالية الإنسانية"، كما ترجم روائع الفلسفة العالمية من الهندية واليونانية والفرنسية والإنكليزية، من بينها كتب تيار دي شاردان وألدوس هكسلي، ليقدّم للقارئ العربي فكرًا عالميًا بلغة رشيقة ووعي عميق.
حصل على جائزة الدولة التقديرية في سوريا عام 2015، لكنه ظل متواضعًا، بعيدًا عن الأضواء. وحين قرر أن يترك إرثه، تبرع بمكتبته الضخمة لبلدته مرمريتا، إيمانًا منه بأن المعرفة لا تُحتكر وأن الفكر ملك للجميع.
في الثامن من كانون الثاني 2016، أسدل ندرة اليازجي الستار على حياته، لكنه ترك وراءه إرثًا فكريًا وروحيًا سيبقى شاهدًا على أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الفلسفة ليست ترفًا، بل طريقًا نحو إنسانية أعمق وأكثر نقاءً.
صفحة د. جوزيف زيتون